محمود عبد الحفيظ البرتاوي - (إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ) - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الرغبة إلى الله -عز وجل- وإرادة وجهه مِن أعمال القلوب العظيمة التي لها المكانة الجليلة في دين الله -تعالى-، وهي أصل سعادة العبد، وفلاحه في الدنيا والآخرة، وبذلك أرسلت الرسل وأنزلت الكتب.  

ولا تقر عينُ عبدٍ حتى يكون الله -تعالى- وحده مطلوبه ومرغوبه، كما قال -تعالى- لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ . وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) (الشرح:7-8).

والرغبة إلى الله: هي أن يجعل العبد نيته وتوجهه ورغبته وحاجته إلى الله وحده دون مَن سواه مِن خلقه.

وقد نعى الله -سبحانه- على المنافقين الذين لا رغبة لهم إلى الله -تعالى- وفيما عنده، فقال: (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ) (التوبة:59).

وجواب (لَوْ) في قوله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ... ) محذوف، تقديره: "لكان خيرًا لهم أن يرضوا بإيتاء الله وإيتاء الرسول، ويرغبوا إلى الله -تعالى-".

وقد مدح الله -تعالى- صفوة خلقه مِن أنبيائه ورسله، والصالحين مِن عباده بأنهم يرغبون إليه، فقال -سبحانه-: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) (الأنبياء:89-90).

وكان نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- أكثر وأعظم الخلق رغبة إلى الله وفيما عنده -سبحانه، فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: (عَبْدٌ خَيَّرَهُ اللهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ زَهْرَةَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ) فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَبَكَى! فَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، قَالَ فَكَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هُوَ الْمُخَيَّرُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ... " (متفق عليه).

وكان مِن دعائه -صلى اللّه عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي.. وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ.. وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ.. ) (رواه النسائي، وصححه الألباني).

وكان يقول إذا أخذ مضجعه: (اللهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ... ) (متفق عليه).

فقد أفلح مَن كانت رغبته إلى الله وحده، وخاب وخسر مَن تعلق قلبه بغير الله، ورغب فيما سواه!