جمال فتح الله عبدالهادي - هل حصلتَ على الكَأْس؟! - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ففي هذه الأيام رأينا وسمعنا عن انشغال الكثير مِن الشباب والرجال والنساء والفتيات، بهذا الحدث العالمي في روسيا، وهو ما يسمَّى بـ"كأس العالم!".

وكم مِن الشباب ورجال الأعمال أصحاب الأموال قد سافروا إلى هناك! والكثير مهتم بمشاهدة المباريات في المقاهي والبيوت والنوادي، وهو في الآخر لعب في لعب، وربما يحصل على هذا الكأس دولة كافرة لا تدين لله بدين، ونحن عندنا كأس ثمين جدًّا جدًّا، لم نرَ مَن ينشغل به إلا الفقراء وأصحاب الهمم العالية، وهم المؤمنون بالله ورسوله.

وهذا الكأس الثمين موجود عندنا منذ آلاف السنين وهو حق ليس لعب، ومَن حصل عليه فقد فاز الفوز الحقيقي ونجا مِن النار، وهو أمنية كل مسلم مؤمن صادق، وقد ذُكر في القرآن الكريم ست مرات، لم نجد مَن ينشغل به كثيرًا، ويقدم مِن العبادات والطاعات ليحصل عليه ويفوز به؛ كأس، بل كؤوس في الجنة.

قال الله -تعالى-: (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا) (الإنسان:5).

والكافور: طِيب يَمتاز بالبرودة والرائحة الطيبة والطعم اللذيذ، وقد جاء مَزْج شرابهم بالبرودة والطِّيب في مقابلة ما وُصفوا به مِن حرارة الخوف والإيثار في الدنيا، ومثله ما جاء مِن جزائهم بسعة الجنَّة ونعومةِ الحرير في مقابلة الحبس وضِيق الدُّنيا وخشونة العيش، وحبس النَّفس عن شهواتها.

وقال -تعالى-: (وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا) (الإنسان:17).

الزَّنجبيل: نبات طيِّب الرَّائحة فيه لَذع، يشبه الجزر، يَنبت ببلاد الصِّين والسِّند، يدخل في الأدوية والطَّبخ، ويُستعمل منقوعًا في الماء، ومربَّى بالسُّكر. وكانت العرب تستطيبه، وتمزج به شرابَها، فأخبر الله -تعالى- أن شراب الأبرار يُمزج بالزَّنجبيل؛ لتتعادَل حرارته مع رطوبة الكافور.

وقال -تعالى-: (بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ) (الواقعة:18).

والمَعين: مِن المعاينة؛ وهي العين الجارية المرئيَّة بالعين.، وقيل: مِن المعن؛ وهو الكثرة، فخَمر الآخرة مِن أنهار جارية لا تَنقطع، بخلاف خمر الدُّنيا التي يبذل مستخرجها جهدَه بعصرها ومعالجتها.

وقال -تعالى-: (يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ) (الطور:23).

وصف الله -تعالى- أهلَ الجَّنة بأنهم (يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا)، أي: يتعاطونه مع زوجاتهم وخدمهم.

وقد تضمَّن لفظ "التَّنازع" معنى القوَّة والشدَّة في حصول المداعبة واللذَّة التي لا تَنقطع رغم استمراريَّة الشُّرب وتعاطيه، وذلك على خلاف أهل الدُّنيا الذين يزداد ألَمهم ووجعهم ولَغْوهم كلَّما شربوا، وتنقطع لذَّتهم بالدفعة الأولى مِن الشرب.

وقد نفى الله -تعالى- عن خَمر الآخرة العيوبَ التي تَلحق بخمر الدنيا، وتسبِّب لشاربها الصُّداع والأوجاع والبول والقيء.

واللَّغو: هو الكلام الفارِغ والهذيان الذي يجري بيْن شارِبي الخمر، وبيْن (غَوْل) و(لغو) اشتراك في الحروف والمعنى؛ فالحروف في الكلمتين متشابهة، والمعنى كذلك فيهما موجودٌ، فالعيب والنَّقص والهذيان في العقل بسبب الغَول موجود في اللِّسان بسبب اللغو.

والتأثيم: ما يسبِّب لشارب الخمر الإثمَ بعد شربه، مِن قيامه بأفعال شائنة واقترافه للسيِّئات. وقال -تعالى-: (تَأْثِيمٌ) ولم يقل: "إثم"؛ لبيان أنه ليس في الخمر ما يَحمل شاربيها على الإثم، ولا يؤثم بعضهم بعضًا بشربها، ولا يؤثمهم الله بذلك ولا الملائكة، فلا يلغون ولا يأثمون.

وقال -تعالى-: (وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا . وَكَأْسًا دِهَاقًا) (النبأ:33-34).  

الدِّهاق: الامتلاء. يُقال: دهقت الحوض إذا ملأته، وأصل الدَّهق: ضبط الشَّيء وشدُّه باليد، وكأنَّه لامتلائه انضغط، وقيل: الدِّهاق هو التتابع، فشراب الأبرار متتابِع لا ينقطع.

فكم مِن الشباب المسلم الذي يشغل نفسه بهذا الكأس الثمين الغالي الذي مَن حصل عليه؛ فقد أفلح ونجح، وفاز بالدرجات العلى في الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؟!

هل مِن مشمر لهذا الكأس الثمين؟!

اللهم إني أسألك الجنة وما قرب اليها مِن قولٍ أو عملٍ.

والحمد لله رب العالمين.