نور الدين عيد - لماذا انتحرتْ؟! (2) - بوابة الفتح الالكترونية
نور الدين عيد
2018-07-23 18:04:05

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ 

فهلاك فئام مِن الموحدين يؤرقك، وافتقار آحادهم أو جماعتهم يضعفك، وقتلهم يمزقك، وجوعهم يحزنك، فما رأيت مِن مشهد اليأس والقنوط أودى بصاحبه إلى الانتحار، صيحة لأطرافٍ عدة:

أولها: المثقول بالهموم، والمدين، والمظلوم، ومسلوب الحق، وغيرهم ممَن تبدل بهم الحال، وضاقت بهم السبل؛ اعلموا أن الملجأ إلى الله، وأن المخرج بيد الله، وأن تغيير أمرك واستبدال حالك مقدور بيد ربك، فله توجه، وعليه توكل، ارفع شكواك إليه، واعلم أن سهمًا صوبته بدعوة لا تذهب سدى، (اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ، يَقُولُ اللهُ -جَلَّ جَلَالُهُ-: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني).

فوالله لله أرحم بك مِن نفسك، وما قدر الله مِن المكروه استدفعه بالمحبوب مِن الصبر والدعاء، والاحتساب والرضا، فإن الفرج قريب، وإن مع العسر يسرًا: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) (الشرح:5-6). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَاعْلَمْ أنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) (رواه أحمد، وصححه الألباني)؛ فأكثر مِن قرع الباب يُفتح لك، واستعذ تُعاذ، وارج يُحقق رجاؤك، وتوكل تُرزق وتُكفى.

ثانيًا: لابد لكل مسؤول أن يقوم بدوره، فمَن ولاه الله أمر المسلمين فأصابهم بالعنت والضيق فليعلم أنه ليس له إلا ما قدَّم في الدنيا والآخرة، قالت عائشة -رضى الله عنها-: سمِعْتُ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- يقولُ في بيتي هذا: (اللهُمَّ، مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ رَجُلٍ يَلِي أَمْرَ عَشَرَةٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَّا أَتَى اللهَ مَغْلُولًا، يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ فَكَّهُ بِرُّهُ أَوْ أَوْبَقَهُ إِثْمُهُ أَوَّلُهَا مَلَامَةٌ، وَأَوْسَطُهَا نَدَامَةٌ وَآخِرُهَا خِزْيٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني).

وتكاثرت النصوص حتى أفزعت، وتعاظمت حتى أثقلت؛ قالت فاطمة زوجة عمر بن عبد العزيز: "دخلتُ عليه يومًا وهو جالس في مصلاه واضعًا خده على يده، ودموعه تسيل! فقلت له: ما بالك؟! وفيمَ بكاؤك؟ قال: ويحك يا فاطمة إني قد وليت مِن أمر هذه الأمة ما وليت، ففكرت في الفقير الجائع والمريض الضائع والعاري المجهود، واليتيم المكسور والمظلوم المقهور، والغريب والأسير، والشيخ الكبير والأرملة الوحيدة، وذي العيال الكثير والرزق القليل وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد؛ فعلمتُ أن ربي سيسألني عنهم يوم القيامة، وأن خصمي دونهم يومئذٍ محمد -صلى الله عليه وسلم-، فخشيتُ ألا تثبت لي حجة؛ فلذلك أبكي!" (تاريخ الخلفاء).

ثالثًا: أهل العلم لابد أن يقوموا بدورهم الذي سيُسألون عنه، مِن بيان الحق وتعليق الخلق بالله، وأن يدلوهم على ما فيه كفايتهم وغناهم مِن طاعة الله وصدق التوكل عليه، (لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وألا يقنطوهم بفقد الأسباب أو ضعفها، فإن تَخلفَ أهل العلم عن دورهم اُستبدِلوا وأُتي بغيرهم يتعبد لله في محنة، ويدعو إليه في شدة، فلكل سعة عبودية، والضيق مثل ذلك، فالمسئولية عليكم كبيرة في بيان الدين وإظهار الحق، وتكثير الخير، وتقليل الشر.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.