جمال فتح الله عبدالهادي - ماذا لو كُنتَ الرابع؟! (2) - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد تكلمنا في المقال السابق عن أصحاب الغار الثلاثة الذي أنجاهم الله -تعالى- وكشف عنهم كربهم، لما توسلوا إلى الله بأعمالهم الصالحة، وفي هذا المقال نتناول:

فوائد مِن قصة أصحاب الغار:

الفائدة الأولى: الأعمال الصالحة وقت الرخاء يستفيد منها الإنسان وقت الشدة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (احْفَظْ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، تَعَرَّفْ إلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ, يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

ومِن القصص في هذا السياق، لكن بصورة العمل الفاسد، فرعون لما جاءته الشدة والضيق: (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (يونس:90)، كررها ليقبل منه فلم يقبل، ودس جبريل في فيه حمأة البحر (طينته)؛ مخافة أن تناله الرحمة، فلم ينفعه في أشد المواقف، أما المؤمن موسى -عليه السلام- جعل له الآيات التي لم تُعطَ لأحدٍ مِن غيره. 

إن صالح العمل هو المنجّي في الشدائد، كما أن المعصية هي المهلكة في الشدائد، فأنت بطاعتك لربك تعدّ ليومٍ فيه مِن الشدائد العظام؛ فقدّم لنفسك فإنك لا تدري كم تعيش مِن الدهر.

فاحفظ الله في رخائك يعرفك في شدّتك، وقدّم أرصدة إيمانية في حسابك، وارفع رصيدك بالأعمال الصالحة، كما أن العمل لا يُقبل إلا إذا كان خالصًا لوجه الله، لا يُراد به إلا وجه الله، كما أن مِن علامة قبول الحسنة إتباعها بحسنةٍ أخرى.

الفائدة الثانية: مشروعية التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة، وهي نافعة ومفيدة ولا سيما عند الشدة.

الفائدة الثالثة: برّ الوالدين مِن أعظم القربات وأوجب الطاعات، فهذا الحديث ضرب لنا أعظم الأمثلة ببر الوالدين. 

الفائدة الرابعة: حفظ الفرج مِن الوقوع في الزنا، وهي أسهل ما يكون، لكن الخوف مِن الله يفعل الأعاجيب، ومِن ذلك قصة يوسف -عليه السلام-؛ فالتي تريده امرأة العزيز ملك مصر، وهو عبدٌ عندها، وإن لم يفعل ليسجن ويعذب (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) (يوسف:24)، فهو مِن المخلصين، فما كان منه إلا أن ذكرها بالخوف الله، فما هي إلا سنين، حتى أصبح هو الملك، فمَن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه؛ فليكن شعارًا: "إني أخاف الله". 

الفائدة الخامسة: الأمانة وردّ حقوق الناس إلى أهلها، قال الله –تعالى-: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (النساء:58).

الفائدة السادسة: المؤمن لا يعلِّق قلبه إلا بالله؛ فهؤلاء الثلاثة تبرؤوا مِن الحول والقوة، بل حتى لم يحاولوا دفع الصخرة ويتكلوا على قوتهم، أو يصرخوا ويستنجدوا بمَن عساه يمر، بل تعلقوا بالله وحده، وأنزلوا حاجتهم به -سبحانه-.

فماذا لو كنت الرابع؟!

ما هو العمل الصالح الذى قدَّمته الذي يتوفر فيه بعد الإيمان بالله، الاخلاص والمتابعة للنبى -صلى الله عليه وسلم-؟!

نحتاج مراجعة في أعمالنا وأقوالنا، أن تكون خالصه لله -تعالى-.

ولو سألنا أنفسنا: لو أن واحدًا مِن هؤلاء الثلاثة لم يكن عنده عمل صالح يرقى إلى قبول الله -عز وجل- له، فما الذي يستفيده الآخران؟!

نعم، إن تكامل العمل الصالح بيْن أفراد الأمة هو السبيل الوحيد الذي سيزيل الصخرة الجاثمة على صدر الأمة. 

إلهي بحثتُ عن عمل صالح أتوسل به إليك فلم أجد، إلا محبتك ومحبة رسولك -صلى الله عليه وسلم-، فاجعل هذا العمل الصالح منقذًا لنا مِن كربات الدنيا والآخرة.

والحمد لله رب العالمين.