د. علاء بكر - العدوان الإسرائيلي على مصر (1956م) - بوابة الفتح الالكترونية
د. علاء بكر
2018-07-21 15:41:22

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلم تكتفِ إسرائيل بانتهاكاتها خلال الهدنة المفروضة مِن مجلس الأمن خلال حرب فلسطين عام 1948م -والتي قوَّت فيها موقفها بعد استئناف القتال بما توفر لها خلال الهدنة مِن أعدادٍ وعتادٍ؛ مما أدى إلى هزيمة الجيوش العربية-، بل تمادت إسرائيل في انتهاكاتها، بانتهاكها للهدنة الدائمة التي وقعَّتها مع مصر في (رودس) في فبراير 1949م، بصورةٍ متكررةٍ تدل على ما طُبعت عليه دولة إسرائيل منذ نشأتها مِن الاستخفاف بقرارات الأمم المتحدة، وعدم احترام ما تتعهد به مِن التزامات، وهو ما سجَّله الكوماندر (هتشيسون) -الذي عمل مراقبًا في لجنة الهدنة في القدس، ثم رئيسًا للجنة الهدنة الأردنية الإسرائيلية- في كتابه: (الهدنة الدامية) الذي صدر في يناير 1956م، ليكشف فيه -بحيادية- انتهاكات إسرائيل الدموية للهدنة الدائمة التي وقعتها مع دول الجوار العربية في أوائل عام 1949م.

ثم بلغت إسرائيل قمة هذه الانتهاكات بمشاركتها لإنجلترا وفرنسا في العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956م، واحتلت خلاله إسرائيل أرض سيناء، قبْل أن تُجبر على الانسحاب منها، مكتفية بما حققته مِن مكاسب مِن الحرب.

ولا شك أن هذا العدوان الثلاثي يكشف ويؤكد تمسك إسرائيل بأحلامها وأطماعها في إقامة دولة كبرى في المنطقة تمتد مِن الفُرات إلى النيل، تحكم منها العالم كله، كما هو مدون في مؤلفات -ومصرح به في أحاديث- زعماء الحركة الصهيونية وقادة دولة إسرائيل، كما يؤكد دور الدول الغربية في مساعدة إسرائيل والتعاون والتنسيق معها في مواجهة الدول العربية، وهذا ما نحاول أن نلقي الضوء عليه مِن خلال التعرف على ظروف وأحداث هذه الحرب -حرب 1956م- بشيءٍ مِن التفصيل والإيجاز.

التفكك العربي بعد حرب 1948م:  

لم يتعامل العرب كما ينبغي مع الدولة الجديدة الناشئة -إسرائيل-، رغم إدراكهم خطورة وجودها وخطر تطلعاتها في المنطقة العربية، فكالعادة افتقد العرب التكاتف والتنسيق والتنظيم، ولم يتم إعداد الجيوش العربية بدرجةٍ كافيةٍ لمواجهة إسرائيل -الخطر الكامن وسطهم-، وانشغل العرب بقضاياهم الداخلية، في الوقت التي واصلت فيه إسرائيل الوليدة تقدمها بخطوات إلى الأمام في تنفيذ أطماعها وتطوير قدراتها وإعداد العدة لحربٍ قادمةٍ ولا محالة، فتمادت في طرد الفلسطينيين مِن ديارهم وأراضيهم بالقوة، وقامت ضدهم بمجازر وحشية في فترة ما بعد حرب 1948م وأوائل الخمسينيات، وبصورةٍ لا تقل بشاعة عما وقع منها مِن قبْل، كما مارست الكثير مِن الانتهاكات للهدنة مع مصر والأردن، لعل مِن أشهرها الاستيلاء على قرية (أم الرشراش) المصرية، وقتل مَن فيها مِن رجال الشرطة المصريين، وقد أصبحت هذه القرية فيما بعد ميناء (إيلات) الإسرائيلي "المنفذ الوحيد لهذه الدولة المفروضة على المنطقة على البحر الأحمر" وبالتالي باب المندب.

وفي المقابل -أمام العجز العربي- تحولت القضية الفلسطينية إلى قضية لاجئين مشردين بعد أن عجز الحكام العرب عن اتخاذ مواقف تحفظ للفلسطينيين شيئًا مِن حقوقهم، وتحفظ للعرب كرامتهم، بينما باءت محاولات منظمة الأمم المتحدة لتسوية النزاع بيْن العرب وإسرائيل بالفشل؛ إذ لم تلقَ قبولًا، فصارت قراراتها أشبه بالمسكنات عند تصاعد الأزمات، وأصبح قصارى جهدها النظر في شئون مئات الألوف مِن الفلسطينيين الذين يعيشون في المخيمات على حدود وداخل الدول العربية المجاورة لإسرائيل، وتقديم الممكن مِن الرعاية لهم.

الأوضاع العربية قبْل العدوان الإسرائيلي في 1956م:

في مصر: استشرى الفساد الحزبي والسياسي، فقامتْ ثورة يوليو 1952م، التي لم تشكِّل خطرًا فوريًّا على إسرائيل؛ إذ انشغلت داخليًّا بالتعامل ضد قوى المجتمع القديم، والمطالبة بجلاء إنجلترا عن مصر، ولم تعد المشكلة الفلسطينية هي الأولى في قائمة الاهتمامات.

وفي سوريا: كان الانشغال بالانقلابات العسكرية، فمِن انقلاب (حسني الزعيم)، ثم (سامي الحناوي)، إلى (أديب الشيشكلي)، وبالتالي انصراف الجهود لمعالجة الأوضاع الداخلية في البلاد.

وفي العراق: استطاع (نوري السعيد) السيطرة على الأوضاع هناك، وقد تقدم بدعمٍ مِن بريطانيا باقتراح للعودة مِن جديدٍ إلى خطة الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين بيْن العرب واليهود، ولكن اقتراحه لم يلقَ القبول.

أما الفلسطينيون: فكانوا ممزقين مشتتين، مَن يعيش منهم داخل إسرائيل متمسكًا بأرضه يتعرض للتمييز العنصري، ويعاني مِن الحرمان مِن الحقوق والحريات الأساسية الذي تمارسه إسرائيل ضدهم، ومَن يعيش مع اللاجئين في المخيمات يعاني مِن نقص الرعاية الأساسية مِن تعليمٍ وصحةٍ، وسبل معيشة، وتفرق آخرون في أرجاء الأرض في العالم العربي أو خارجه، وانضوى بعضهم في اتجاهاتٍ وأحزاب سياسية مختلفة، انعكست اختلافاتها بعد ذلك على اتجاهات الفلسطينيين أنفسهم.

الأوضاع العالمية والإقليمية:

الموقف الفرنسي: أثار دعم مصر المادي والمعنوي للثورة في الجزائر التي تحتلها فرنسا، واستقبال مصر لحكومة القادة الجزائريين في المنفى حفيظة فرنسا ضد مصر، فكان ذلك مِن أسباب مشاركتها لإنجلترا وإسرائيل في العدوان الثلاثي.

موقف إنجلترا: بدأت القوات الإنجليزية في الخروج مِن منطقة القناة بمقتضى معاهدة الجلاء عن مصر، حيث عقدت بريطانيا في عهد رئيس وزرائها (تشرشل) اتفاقية للجلاء في أكتوبر 1954م، بعد أن أفقدتها الأعمال الفدائية في منطقة القناة قدرتها على الاستمرار في البقاء، وامتنعت مصر عن الانضمام لحلف بغداد الذي أسسته بريطانيا وأمريكا لمواجهة خطر الشيوعية ومنع التمدد الروسي في المنطقة، بل سعت مصر إلى إفشال حلف بغداد بمنع انضمام الدول العربية الأخرى إليه، في ظل رفض مصر لسياسية الأحلاف، فاقتصر حلف بغداد على العراق وتركيا مِن دول المنطقة. وكان ذلك مِن أسباب عدم موافقة الغرب على تمويل البنك الدولي لمشروع السد العالي في مصر؛ مما دفع عبد الناصر إلى تأميم قناة السويس في 26 يوليو 1956م، مما أفقد بريطانيا ما كانت تربحه مِن القناة التي كانت تديرها قبْل التأميم، فقرر معه (إيدن) -رئيس وزراء إنجلترا بعد تشرشل- الهجوم على مصر بمشاركة فرنسا وإسرائيل للقضاء على نظام عبد الناصر واستعادة السيطرة على القناة.

الموقف الروسي: شهدت فترة الخمسينيات حدوث تقارب مصري - روسي حصلت معه مصر على سلاحٍ جديدٍ مِن الكتلة الشرقية، حيث تم شراء مصر لأسلحة تشيكية في عام 1955م.

عدم استعداد مصر للحرب:

رغم شراء مصر أسلحة جديدة مِن الكتلة الشرقية إلا أن قوة الجيش المصري لم تكن كافية لمواجهة عدوان ثلاثي مِن إنجلترا وفرنسا وإسرائيل، خاصة في ظل امتناع الدول الغربية عن تزويد مصر بالسلاح الغربي، ولم يكن تسليح الجيش المصري كافيًا للقتال في جميع الاتجاهات الإستراتيجية، فيواجِه إسرائيل في سيناء، ويواجه إنجلترا وفرنسا في قناة السويس، كما أن اعتماد جيش مصر مِن قبْل على السلاح الغربي ترتب عليه حاجة الجيش إلى مزيدٍ مِن الوقت للتأقلم على السلاح الشرقي الجديد.

عدم اهتمام روسيا بالقضية الفلسطينية:

ورغم التقارب المصري الروسي في الخمسينيات فلم يبدِ السوفيت أي اهتمام بالقضية الفلسطينية، فلم تتعاطف روسيا مع قضية اللاجئين الفلسطينيين، وامتنعت باستمرار عن التصويت على قرارات الأمم المتحدة المتعلقة باللاجئين الفلسطينيين منذ عام 1948م حتى عام 1955م، ولم يساهِم السوفيت في الدعم المالي لوكالة غوث اللاجئين، وامتنع السوفيت عن التصويت في القرارات المتعلقة بالقدس وأوضاعها، بل اعترفت روسيا بإسرائيل عند إعلانها في مايو 1948م، وقدَّم السفير الروسي أوراق اعتماده للحكومة الإسرائيلية في القدس عام 1954 م، وقد قابلت أمريكا وإسرائيل تلك المواقف مِن روسيا بارتياح، ويُلاحظ أيضًا أن روسيا لم تشارك في قوات الطوارئ الدولية في سيناء بعد نهاية حرب 1956م تمشيًا مع سياستها السابقة.

وقد اعتبرت إسرائيل التقارب المصري الروسي، وتزود مصر بالسلاح مِن الكتلة الشرقية تهديدًا لها؛ فأخذت تعد العدة للعدوان على مصر، خاصة عندما تلاقت مطامعها في مصر مع تزايد عداء إنجلترا وفرنسا لمصر؛ مما مهد لفرصة عدوان ثلاثي سارعت إسرائيل باستغلالها.

تجهيزات إسرائيل للحرب:

بدأت إسرائيل الاستعداد للحرب مبكرًا، حيث حصلت على طائرات فرنسية مقاتلة (قاذفات قنابل) مِن طراز (مستير)، حيث لم يكن لدى إسرائيل طائرات تقابل ما تمتلكه مصر، وقدَّم طيارون فرنسيون إلى إسرائيل كمرشدين، وكانت وحدات مِن سلاح الطيران الفرنسي تتخذ مِن قبرص قاعدة لها، كما شحنت فرنسا لإسرائيل في سرية أسلحة منذ أغسطس 1956م نقلت على سفن خاصة أعيد طلائها لهذا الغرض، وقد لاحظ رجال المخابرات الأمريكية ازدياد حركة المراسلة والاتصال الرسمية بيْن باريس وتل أبيب في الفترة مِن 23- 26 أكتوبر 1956م، وتوافد عدد مِن كبار الضباط الإسرائيليين على باريس، كما زار باريس (مناحم بيجن) في شهر أكتوبر، حيث صرَّح بعدها أن بريطانيا وفرنسا وإسرائيل إذا تعاونوا معًا يمكنهم تحطيم عبد الناصر، وقد أعلنت إسرائيل في 26 -10- 1956م التعبئة العامة.

الاتفاق على العدوان الثلاثي على مصر:

جاءت خطة الحرب على النحو التالي: تبدأ إسرائيل هجومًا على الحدود المصرية -في انتهاك صريح للهدنة الدائمة مع مصر- بغرض استدراج الجيش المصري إلى عمق سيناء، ثم استيلاء إنجلترا وفرنسا على القناة ثم القاهرة، عن طريق إصدار كلٍّ مِن إنجلترا وفرنسا إنذارًا بوقف القتال بيْن القوات المصرية والإسرائيلية وانسحاب الطرفين -المصري والإسرائيلي- لمسافة 10 كم عن ضفتي قناة السويس، لسلامة المجرى الملاحي، وعند رفض مصر الإنذار تهاجم القوات الإنجليزية والفرنسية معًا منطقة القناة لتطويق الجيش المصري في سيناء وتدميره، واحتلال القناة والوصول إلى القاهرة، لقد وضعت إسرائيل في تصوراتها حال عدوانها على مصر أنها ستلقى الدعم المادي والمعنوي مِن إنجلترا وفرنسا؛ بالإضافة إلى استخدامهما حق الفيتو ضد كل ما مِن شأنه الضغط على إسرائيل في مجلس الأمن.

وقد تفطن عبد الناصر للمؤامرة عند تنفيذها، فعندما هاجمت القوات الإنجليزية والفرنسية منطقة القناة لتطويق الجيش المصري قامت القيادة المصرية بالانسحاب مِن سيناء وإخلائها حفاظًا على الجيش المصري مِن هزيمةٍ محققةٍ، فاحتلت إسرائيل سيناء، ولمنع استخدام القوات الإنجليزية والفرنسية مجرى القناة قامت القيادة المصرية بإغراق خمس سفن في القناة لتعطيل المجرى الملاحي خشية تكرار خطأ عرابي في حربه مع الإنجليز عام 1882م، حيث غدر به (ديليسبس) الفرنسي، ومكَّن الأسطول الإنجليزي مِن استخدام المجرى الملاحي في غزو مصر.

أحداث وتطورات الحرب:

- كان تأميم عبد الناصر لقناة السويس الشرارة التي أشعلت الأحداث، حيث افتعلت إنجلترا أزمة سياسية بإنكار حق مصر في تأميم القناة، مع أن شركة قناة السويس شركة مصرية تخضع لقوانين مصر بنص اتفاقية 22-2-1866م، والتأميم عمل قانوني مِن أعمال السيادة معترف به عالميًّا، بل توسعت بريطانيا وفرنسا في حق التأميم خاصة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، فأممتا الكثير مِن الشركات والصناعات التي تقوم بإدارة مرافق عامة في إنجلترا وفرنسا.

- بدأ التصعيد بنقل النزاع إلى مجلس الأمن، في الوقت الذي بدأت فيه الاستعدادات العسكرية للعدوان على مصر.

- في يوم 14 -10- 1956م استخدمت روسيا حق الاعتراض (الفيتو) اعتراضًا على المشروع البريطاني الفرنسي بتدويل قناة السويس.

- في 26/ 10 انتقلت طائرات بريطانية مِن قواعدها في بريطانيا إلى مالطة، وحشدت فرنسا قوات قرب ميناء (طولون).

- بدأ تنفيذ خطة العدوان الثلاثي بهجوم القوات الإسرائيلية على الحدود المصرية في 29/ 10 بدعوى منع عمليات رجال المقاومة الفلسطينية (الفدائيين) ضد الجنود الإسرائيليين مِن جهة الأراضي المصرية، وكان الهدف مِن الهجوم دخول القوات المصرية في معارك في عمق سيناء.

- وقد أعلنت إسرائيل في أول بلاغ أصدره جيشها أن قواتها هاجمت وحدات للفدائيين واتخذت لها مواقع داخل سيناء، لإظهار أن الهدف مِن العدوان يقتصر على تحطيم قواعد الفدائيين، وقد أعلنت بريطانيا وقتها عن عزمها على عدم التدخل، وقد قامت القوات المصرية بالتصدي للهجوم الإسرائيلي، وإعلان التعبئة العامة، وخلال الاشتباكات عثرت القوات المصرية على حطام طائرات (الميستير) الفرنسية ضمن حطام الطائرات الإسرائيلية التي أسقطتها؛ مما يكشف التعاون الفرنسي الإسرائيلي غير المعلن في القتال، واستمرت المعارك حتى بلغت منطقة المضايق الإستراتيجية في يوم 4-11 1956م.

وأمام اعتراض الاتحاد السوفيتي على العدوان الإسرائيلي؛ أعلنت أمريكا أن العدوان الإسرائيلي على سيناء هو خرق لاتفاقية الهدنة مع مصر، وتقدمت بمشروع لمجلس الأمن في 30/ 10 لوقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية مِن سيناء خلف حدود الهدنة (الحدود الدولية)، وقد قبلت إسرائيل وقف إطلاق النار، ورفضت أي انسحاب مِن سيناء، وطبقًا للمؤامرة أصدرت كل مِن إنجلترا وفرنسا إنذارًا بوقف القتال، وانسحاب الجيشين المصري والإسرائيلي لمسافة 10 كم مِن ضفتي القناة.

ولما رفضت مصر الإنذار قامت الطائرات البريطانية بغاراتٍ جويةٍ متلاحقةٍ على العديد مِن المدن المصرية، منها: القاهرة، والإسكندرية، وبور سعيد، والإسماعيلية، والسويس؛ فتصدت لها المدفعية الأرضية المصرية، وكبدتها خسائر كبيرة في الطائرات، فكان هذا إعلانًا بتدخل التحالف البريطاني الفرنسي في الصراع، وقد أعلنت الحكومة البريطانية أنها تدخلت كي تمنع تحول منطقة القناة لمنطقة عملياتٍ حربيةٍ؛ مما يؤثر على الملاحة الدولية.

ومع اتضاح المؤامرة أصدر عبد الناصر أوامره بسحب القوات المصرية مِن سيناء لتقاتل غرب القناة، كما منع عبد الناصر الطيران المصري مِن الدخول في معارك جوية غير متكافئة مع طائرات التحالف حفاظًا عليه مِن التدمير، مكتفيًا بتصدي المدفعية الأرضية المضادة للطائرات للغارات الجوية، وطبقًا للبلاغ الحربي المصري رقم (18) في 3/ 11 فقد أسقطت المدفعية الأرضية المصرية 48 طائرة فرنسية وبريطانية، وخلال ذلك تقدم الجيش الإسرائيلي واحتل سيناء بعد إخلاء مصر له.

ونظرًا لأهمية ميناء السويس كمدخل جنوبي لقناة السويس، وكقاعدةٍ رئيسةٍ للتموين، ولوجود معامل تكرير البترول واستخراج مشتقاته؛ فقد حاولت قوات التحالف البريطاني الفرنسي الاستيلاء على مدينة السويس مع بدء الهجوم على مصر، والزحف منها إلى الشمال، لتتلاقى مع قوات التحالف القادمة مِن الشمال مِن بورسعيد؛ بدعوى تأمين الملاحة في القناة.

وقد حاولت قوات التحالف إنزال قوات برية في مدينة السويس، واقتربت سفن بريطانية وفرنسية مِن مدخل ميناء السويس في 3/ 11 فتصدت لها مدفعية السواحل، وهاجمتها زوارق الطوربيد المصرية، فأغرقت قطعة بحرية بريطانية، وأجبرت سفن التحالف على التراجع إلى الجنوب.

وقامت قوات التحالف بعمليات إنزال بحري على شواطئ بورسعيد وبور فؤاد، وإنزال قوات مظلات جنوب بورسعيد، فتصدت لها قوات الجيش المصري والدفاع الشعبي، وقام الفدائيون مِن رجال الجيش ومِن المتطوعين بمقاومة المعتدين ببسالةٍ شديدةٍ.

وبعد إغراق بعض السفن في مجرى القناة لتعطيل الملاحة فيها، أعلنت مصر أنها لن تقوم بأي إصلاحات في مجرى القناة أو إعادتها للملاحة الدولية إلا بعد توقف المعارك الحربية، وجلاء كل القوات المعتدية على مصر.

وأمام بسالة المقاومة الشعبية في بورسعيد، واستماتة الشعب المصري في الدفاع عن أرضه مِن جهة، والضغط الأمريكي والتدخل مِن الأمم المتحدة مِن جهة أخرى، اضطرت الدول المعتدية إلى سحب قواتها يوم 23-12-1956م، وهو يوم عيد النصر الذي تحتفل به مصر في 23 ديسمبر مِن كل عام.

لم يتم انسحاب إسرائيل مِن سيناء بسبب الموقف السوفيتي رغم ما صاحبه مِن حملاتٍ دعائيةٍ؛ إذ أن الانسحاب جاء نتيجة ضغط مِن الرئيس الأمريكي (ايزنهاور) على إسرائيل للانسحاب، وعلى إنجلترا وفرنسا للجلاء عن مصر.

وقد تسبب العدوان الثلاثي في توتر العلاقات البريطانية الأمريكية؛ إذ أقدمت الحكومة البريطانية على مهاجمة مصر بعد إنذارها دون مشاورة مع أمريكا، وتسبب هذا في ازدياد النفوذ السوفيتي في المنطقة العربية، خاصة بعد توجيه روسيا إنذارًا لإنجلترا وفرنسا؛ مما رفع مِن أسهم روسيا عند العرب، كما أن روسيا استغلت هذا العدوان الثلاثي في إخضاع المجر لها، حيث شهدت المجر قبْل العدوان الثلاثي اشتعال ثورة تنادي بالتحرر مِن سيطرة الاتحاد السوفيتي، وتطالب بسحب القوات الروسية مِن المجر، ومع رفض الحكومة البريطانية قرار الأمم المتحدة المندد بالعدوان الثلاثي في 3/ 11 عادت الدبابات الروسية لتقمع الثورة في المجر، بينما انشغلت إنجلترا وفرنسا بحرب السويس.

وقد بلغ الأمر أن قامت أمريكا بفرض عقوبات اقتصادية على بريطانيا، ومنع معونتها الاقتصادية عنها، ووقف ضخ البترول عبْر المحيط الأطلنطي، وكانت إنجلترا وقتها في حاجة ماسة لكل ذلك؛ مما أجبرها على قبول قرار الأمم المتحدة في 24/ 11، الذي يقضي بوجوب انسحاب القوات الإنجليزية والفرنسية مِن منطقة القناة، والذي جاء بأغلبية كبيرة.

وقد أعلنت إسرائيل رفضها للانسحاب مِن سيناء، وطالبت بضماناتٍ، منها:

1- موافقة مصر على الدخول في مفاوضات مِن أجل تسوية سلمية للنزاع القائم بينهما.

2- عدم السماح بعودة الوجود المصري لقطاع غزة.

3- منح السفن الإسرائيلية حق المرور في قناة السويس ومضيق تيران.

لكن إسرائيل اضطرت إلى الانسحاب بضغطٍ مِن واشنطن، وتهديد مِن موسكو، فخرجت مِن سيناء باستثناء شرم الشيخ، ولم تنسحب مِن قطاع غزة، ثم انسحبت مِن جميع الأراضي بما فيها غزة في 8-3-1957م.

مكاسب إسرائيل مِن حرب 1956م:

1- أتيح لإسرائيل استخدام خليج العقبة بعد الحرب، وكان محظورًا عليها لسنوات.

2- فقد الجيش المصري لجانبٍ كبيرٍ مِن أسلحته ومعداته.

3 - تم نزع سلاح شرم الشيخ، وهي ميزة لصالح إسرائيل، إذ حققت لها حرية الملاحة في خليج العقبة، ورفعت الحصار الذي كان مفروضًا على ميناء إيلات (أم الرشراش).

4- حال قبول وجود قوات طوارئ دولية على الحدود المصرية الإسرائيلية بعد الحرب مِن ممارسة رجال المقاومة الفلسطينية (الفدائيين) لأي عمليات عسكرية ضد إسرائيل مِن جهة الأراضي المصرية، على خلاف ما كان يقع على الجبهتين الأردنية والسورية.

انتصار سياسي لعبد الناصر:

اعتبرت حرب 1956م نصرًا سياسيًّا كبيرًا لعبد الناصر كزعيم في بلده وفي العالم العربي، ودول العالم الثالث، حيث فشل العدوان الثلاثي في تحقيق أهدافه، وهي:

1- التخلص مِن حكم عبد الناصر، الذي يهدد مصالح الغرب في المنطقة العربية.

2- إبادة الجيش المصري بعد تطويقه.

3- انتزاع قناة السويس مِن مصر، وإدارتها مِن خلال هيئة دولية.

4- الانتقام مِن مصر لمساعدتها الثورة الجزائرية، وإضعاف حركة التحرر في الجزائر بذلك مما يتيح لفرنسا القضاء عليها.

5- إعادة مصر للتبعية للغرب، وبالتالي نبذها لسياسة الحياد الإيجابي التي اتبعتها، وإبعادها عن الاتحاد السوفيتي.

6- إثبات أن انجلترا وفرنسا ما زالتا قويتين، ويمكنهما فرض إرادتهما على الشعوب المتطلعة للتخلص مِن الاستعمار القديم.

سقوط حكومة حزب المحافظين في بريطانيا:

قدَّم (ونستون تشرشل) استقالته مِن رئاسة الوزارة البريطانية في 5-4-1955م، وتولى رئاسة الوزارة مِن بعده (أنتوني إيدن) مِن حزب المحافظين، وهو الذي في فترة توليه وقعت أحداث تأميم عبد الناصر لقناة السويس، فاشترك مع رئيس وزراء فرنسا وقتها في التصدي للتأميم، فبدأت جهود الدولتين سياسية، ثم تحولت إلى عسكرية بالاشتراك مع إسرائيل، بهدف الاستيلاء على القناة وإسقاط حكم عبد الناصر، خاصة بعد نجاح المصريين في إدارة القناة بعد تأميمها، حيث عبرها نحو 3000 سفينة مِن بعد التأميم إلى بداية العدوان الثلاثي.

وقد تعرضت الحكومة البريطانية لانتقادات واسعة؛ بسبب العدوان داخل بريطانيا وخارجها، بل لم يحدث في تاريخ بريطانيا اختلاف سياسي في وجهات النظر بيْن حزب المحافظين وحزب العمال حول مسألة عالمية مثل ما حدث في أزمة حرب السويس، فقامت مظاهرات عنيفة داخل بريطانيا تندد بالعدوان، وتعد مظاهرة (الطرف الآخر) والتي خطب فيها (بيفان) أضخم مظاهرة في تاريخ بريطانيا لها صلة بمسألة تتعلق بالسياسة الخارجية البريطانية.

وقد عارضت دول أوروبا الغربية العدوان، ووافقت على قرار وقف إطلاق النار في الجمعية العامة للأمم المتحدة باستثناء هولندا والبرتغال ومعهما بلغاريا، وهي الدول التي امتنعت عن التصويت، وقد استنكرت الدول الشيوعية العدوان بالإجماع، وقامت مظاهرات واحتجاجات في العديد مِن الدول العربية، وهددت الهند وباكستان بالانسحاب مِن دول الكومنولث.

وقد اضطرت الحكومة البريطانية إلى قبول قرار وقف إطلاق النار، كما أجبرت فرنسا -على مضض- على قبول ذلك، نتيجة:

1- انقسام الرأي العام البريطاني.

2- الضغط الأمريكي.

3- ضغط الأمم المتحدة.

4- التدخل الروسي في الأزمة.

وقد أدت هذه الأحداث إلى تقديم رئيس الوزراء (إيدن) استقالته.

تغيرات دولية أحدثتها الحرب: 

تعد حرب 1956م نقطة تحول في السياسات الإستراتيجية للدول العظمى؛ إذ كانت إيذانًا بأفول نجم بريطانيا -وكانت تسمى بريطانيا العظمى- وفرنسا، وهما الدولتان الاستعماريتان القديمتان، وظهور أمريكا كقوةٍ دوليةٍ كبرى، وبداية تطلعها للهيمنة على السياسة الدولية، وتحولها إلى وريثٍ للاستعمار القديم، وقيادة العالم الغربي في مواجهة الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية.