نور الدين عيد - لماذا انتحرتْ؟! (1) - بوابة الفتح الالكترونية
نور الدين عيد
2018-07-19 18:33:41

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ 

فقد هالني مشهد امرأة تقذف بنفسها عمدًا أمام مترو الأنفاق حتى تقتل نفسها منتحرة، ولا نعلم عن حالها إلا هذا القنوط واليأس والبُعد، فمع كثرة الصفحات التي تناقلتها؛ إلا أن القليل ممَن يشخص الحال ويحكم عليه شرعًا.

فإن ضيق المعاش، وتراكم الديون، والشعور بالظلم والقهر وأكل الحقوق، إيذان بكربٍ وضيقٍ يثقلان القلب، ويكبلان الجوارح، فيتمثل صاحبه حال الشاخص المتحجر؛ ينظر ولا يرى، يسمع ولا يعي، يتكلم ولا يدرك! يود أن يتجنب الناس ويعتزلهم، يجلس فيهم وقلبه محجوب عنهم؛ حال استعاذ منه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وعلَّم أمته الاستعاذة منه.

فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: دَخَلَ رَسُولُ -صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهُ: أَبُو أُمَامَةَ، فَقَالَ: (يَا أُمَامَةَ، مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟) قَالَ: هُمُومٌ لَزِمَتْنِي، وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: (أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلَامًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ -عَزَّ وَجَلَّ- هَمَّكَ، وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ؟) قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، يَا رَسُولَ، قَالَ: (قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَقَهْرِ الرِّجَالِ)، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- هَمِّي، وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي. (رواه أبو داود، وحسنه الحافظ ابن حجر)، فهذا حال ألزم صاحبه البعد عن طبيعته، فدله -صلى الله عليه وسلم- على مخرجه ومنقذه وملجئه.

إنه الله مسبب الأسباب، وخالق العباد مِن التراب؛ لا رزق إلا رزقه، ولا غنىً إلا منه، قال -سبحانه-: (وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى) (النجم:48)، وقال -عز وجل-: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) (الذاريات:22)، وقال -تعالى-: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الروم:40).

وهذا يحدو بالعبد إلى تصحيح معتقده، ومِن ثَمَّ سيره وطلبه، فإن المقهور الفقير لا أزيد عليه همًّا ولا لومًا، بل أحمل نفس ألمه، وأحزن نفس حزنه، حتى وإن تقلبت بنعم الله وكفايته، فأشكره -سبحانه-، وأواسى إخواني وأمتي، فلا سرور بإعراضٍ عنهم، ولا نعيم بتركهم وإهمالهم (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) (متفق عليه)