م. عبد المنعم الشحات - مواقف الإسلاميين في مصر بعد 3-7 - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
لا أريد فى هذا المقال أن أكرر كلاما حول فترة رئاسة الدكتور محمد مرسى وأسباب فشله وهل فشل أم أفشل وماذا فعلنا لمحاولة انقاذه ولكنى أريد أم أتحدث عن واقع فرض نفسه يوم 3-7-2013 ولا يختلف اثنان على أنه وجد واقع فى جديد فى هذا اليوم سواء من حضر أومن لم يحضر، وأن هذا المشهد كان النهاية لإجراءات أعلنتها  المؤسسة العسكرية مبكرا أنها بصدد التدخل غير الدستورى فى السلطة وهى التصريحات التى أصر البعض على تفسيرها على أنها تحذير لجبهة الإنقاذ ثم عادوا بعد 3-7 لكى يقولوا إن بوادر الانقلاب بدأت من تاريخ كذا وكذا دون أن يبينوا ماذا فعلوا لتفاديه.
على أية حال، فإن موضوعنا فى هذه المقالة هومناقشة طريقة تعامل الإسلاميين مع هذا الحدث، ويمكننا أن نقسم طريقة تعامل الإسلاميين مع هذا الحدث إلى تيارين أساسيين وثالث صامت أومتردد بين الأمرين، وهذان التياران هما:
1-      من قبل الدخول فى خريطة الطريق.
2-      من نادوا بعودة الشرعية.

وإليك ملخص رؤية كل فريق منهما:
أولا: من قبل الدخول فى خريطة الطريق
الهدف الأساسى للمرحلة:
1-      استعادة الثقة بين الدعاة والمجتمع.
2-      محوآثار الخطاب المتضمن للتلويح بالتكفير والعنف فى مرحلة ما قبل 3-7.
3-      الحفاظ على مكتسبات الشريعة فى الدستور.

وهذه الأهداف مقدمة من وجهة نظر أصحاب هذه الرؤية على استعادة الشرعية فضلا عن كون الأخيرة من وجهة نظرهم غير واقعية كما سيأتي بيانه إن شاء الله.

الوسائل:
1-      مخالطة الناس والصبر على آذاهم.
2-      بقاء الإسلاميين يشاركون الناس فى الجمع والجماعات للتواصل والتراحم بدلا من خيار وضع جميع الإسلاميين فى "جيتو" رابعة أوغيرها من الميادين.
3-      المشاركة فى لجنة إعداد الدستور وإذا كان أصحاب الرؤية الأخرى قد تعاملوا مع السلطة كسلطة واقع فيما يتعلق بأعمالهم الشخصية بل وشاركوا فى بعض الأمور العامة كانتخابات النقابات، فالمشاركة فى لجنة إعداد الدستور من باب أولى لا سيما أن الشيخ محفوظ نحناح فى الجزائر كان قد برر مشاركته فى العمل السايسى بعد انقلاب العسكر على جبهة الإنقاذ فى الجزائر وبرر هذا بالحفاظ على مادة الإسلام دين الدولة نال استحسان الأستاذ محمد أحمد الراشد والشيخ القرضاوى وكان آخر أحوال الغنوشى هوالثناء عليه.

النتائج:
ونتيجة واقعية هذه الأهداف فقد تحقق منها بفضل الله عز وجل الشيء الكثير والذى يقارن بين درجة قبول الإسلاميين فى المجتمع فى شهر يونيو2013 وبين ما هى عليه الآن يدرك هذه القضية مع الأخذ فى الاعتبار أن المجتمع هوالميدان الذى ينبغى ألا نفرط فيه قط.
بل إن من ينظر إلى درجة التردد أوالتساؤل أوحتى الإنكار التى تصدر من بعض الطيبين لمن اختار هذا الطريق منكرين عليهم أنهم لم يساندوا من اختار الطريق الثانى فلا تدرى ذات الشخص الذى ينكر عليك ماذا كان سيفعل لوجمع الإسلاميون أنفسهم فى "جيتو" ورددت منصاتهم خطاب السحق والرش بالدماء إلى دحر هذه الأمور، كما استطاع من سلك هذا الطريق أن يحافظ على مكتسبات الشريعة فى الدستور (وقد بينا هذا فى غير هذا المقال) فلله الحمد والمنة.
وعلى أية حال، فلا نريد أن نطيل فى هذا الاختيار لأننا قد بيناه فى غير هذا الموطن ولنفسح المجال أمام مناقشة أوفى مع الخيار الثانى المرفوض بالنسبة لنا.

ثانيا- تيار المناداة بعودة الشرعية:
الهدف الأساسى للمرحلة: استعادة الشرعية

الوسائل:
نادى هذا الفريق بمواجهة سلمية وصفوها بكونها (ثورية) وهى تختلف عن السلمية إصلاحية المتدرجة كتلك التى مارستها جماعة الإخوان بداية تأسيسها كما مارستها طوال حكم مبارك، تلخيص أهم الفروق بين المنهجين فى النقاط التالية :
الأولى: فيما يتعلق بمفهوم السلمية ذاته حيث بدأت مواقع شبابية ومسئولين فى أحزاب تحالف دعم الشرعية تتحدث أن كل ما دون "الرصاص" يعتبر سلميا مما يعنى أن الطوب والمولوتوف بل حتى قاذفات المولوتوف كل هذا داخل فى مفهوم السلمية عندهم، بينما كان قادة الإخوان يرددون فى لقاءات إعلامية وسمعناه منهم فى مجالس خاصة أنهم عذبوا فى السجون أبشع تعذيب ثم خرجوا وكان الواحد منهم يقابل جلاده فلا يؤديه ولوبشطر كلمة.
الثانية: الموقف من التعامل مع الأزمات الاقتصادية والأمنية وغيرها فبينما كانت سلوك الجماعة تجاه الأزمات الاقتصادية والكوارث من سيول إلى حوادث قطارات وعبارات وغيرها هومحاولة رفع المعاناة عن  كاهل الناس تحت شعار "نحمل الخير لمصر" (رغم تحميلهم الحكومات المسئولية) ولكن المنهج الثورى الذى تسير عليه الآن يقتضى ترك المشكلات تتفاقم (مثل منع الاضحية) وربما تعداها إلى افتعال أزمات (حملة جمع العملة المعدنية وعطل عربيتك وإيجاد تكدس فى المترووغيرها).
الثالثة: وهى الأخطر على الإطلاق ويمكن وصفها بأنها فرض الخطأ على الطرف الآخر (الذى هوهنا الجيش والشرطة) وهى طريقة مستوحاة من قصة حمادة (المسحول) الذى استفز الشرطة فى عصر د.مرسى لكى تصل معه إلى السحل وتجريده من الملابس وتحت هذه المسلك يرفع شعار مواجهة الرصاص بصدور عارية.

الأمثلة التاريخية التي يستند عليها أصحاب هذا الاتجاه:
يرى أصحاب هذا الاتجاه أن هذا النمط من الاحتجاج له سوابق ناجحة مما يدحض دعوى (استقرار الوضع) ويؤكد أن هذه الرؤية واقعية وهم يضربون لذلك أمثلة أبرزها:
1-      ثورة 25 يناير.
2-      الثورة الإيرانية.
3-      عودة تشافيز للحكم فى فنزويلا بعد انقلاب الجيش عليه.

مناقشة تيار دعم الشرعية:
1-      مدى أهمية الهدف ورجحانه على غيره من الأهداف:
يبنى أصحاب هذا الاتجاه رؤيتهم على أن هدف استعادة الشرعية هوأسمى الأهداف مدعين فى ذلك أمورا من أهمها أن فترة حكم د.مرسى رفعت فيه راية الشريعة أوعلى الأقل مهدت فيها الطريق إلى تطبيقها وأن كل هذه المكاسب ذهبت أدراج الرياح فور عزله، ويكفى فى الرد على هذا الادعاء أن نقرأ مقتطفات من بحث قدمه د.أكرم حجازى إلى منتدى المفكرين المسلمين (وهوإحدى الهيئات الداعمة لتحالف دعم الشرعية المطالب بعودة د.مرسى) حيث قدم بحثا لمؤتمر عقده المنتدى فى 13-4-2013 بالقاهرة وكان عنوان البحث "الرؤية الفكرية للأمة بعد الثورة العربية: دراسة للواقع واستشراف المستقبل" جاء فيه:
(باختصار: إذا كان الإسلاميون الذين وصلوا إلى قمة السلطة يخسرون لصالح الخصوم، سواء كانوا من الليبراليين والعلمانيين أومن رموز « الثورة المضادة »، فكيف يمكن الركون إلى القول بأن الثورات حركة، اجتماعية تدفع بالأمة نحوالتحرر من « الاستبداد » و« التبعية » و« الهيمنة »، وكيف يمكن الثقة بأن الثورات الشعبية هي الوسيلة المناسبة لإحداث التغيير ؟ والأهم: هل التغيير « خيار طوعي » لأمة  أم خيار حتمى؟ )
ثم يقول:
(الإسلاميون، مثلا ، في مصر فازوا بأكثر من ثلثي المقاعد، وتبوأوا منصب الرئاسة، لكنهم في الواقع عاجزون عن ممارسة الحكم، وعاجزون عن الدفاع عن أنفسهم، وعاجزون عن رد الاتهامات ).
  ثم أخذ يعدد مصادر هذا العجز وهوبذلك يصف حالة العجز دون أن يعرج على طريقة من فى الحكم فى التعامل معها وهى الحالة التى أوصلتنا إلى ما نحن فيه.
وقد يدعون من جهة أخرى أن الشعب نال فيها حريته وكرامته مع التصريح بأن معظم أجهزة الدولة لاسيما الداخلية لم تكن تحت طوع الرئيس مما يعنى أنه لم يكن مؤثرا فيها وجودا أوعدما.

2-      مدى واقيعة الهدف:
إن الشرعية التى ينادى بها أصحاب هذا الاتجاه كانت موجودة وقائمة، لكنها كانت مفتقرة لكثير من أسباب البقاء؛ لذلك زالت والسبب فى هذا يرجع إلى وجود حَنْقٍ شعبى وتذمر فى مؤسسات الدولة على حكم الدكتور مرسى؛ مما أدى إلى زوالها، وبلا شك أن استمرارها كان أسهل من عودتها بعد زوالها، فطالما أن العوامل التى أدت إلى زوالها ما زالت قائمة أوزادت فلمَ الإصرار على عودته؟!

3-      شفافية الهدف:
لعل ما طرح فى النقطة السابقة بالإضافة إلى النظر فى الأهداف والوسائل المعلنة، سنجد أن الوسائل المعلنة لن تؤدى بفرض نجاحها إلى الهدف المعلن؛ فإن هذه الوسائل أقصى ما يمكن أن تنجح فيه إذا نجحت أن تسقط نظام دون أن تضمن فى يد من يسقط، وفى الأعم الأغلب لا تنجح جهود إسقاط الأنظمة عن طريق افتعال الأزمات إلا بعد فترة تقاس بعشرات السنين لا بآحادها، ومن استمع إلى كلمة الدكتور محمد يسرى أمام مؤتمر رابطة علماء المسلمين (وهى من الجهات التى تؤيد هذا الحل)، عن الثور المضادة يجد أن الأمثلة التى ضربها لما سماها بـ"استعادة الثورة"، استغرقت فترات زمنية تقاس بعشرات السنين كما أسلفنا.

4-      مشروعية الوسائل:
كان للأستاذ حسن البنا (رحمه الله) موقف من الثورة، بينه الأستاذ البنا فى رسالة "المؤتمر الخامس" قائلا:
"وأما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها , ولا يعتمدون عليها ، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها ، وإن كانوا يصارحون كل حكومة في مصر بأن الحال إذا دامت علي هذا المنوال ولم يفكر أولوالأمر في إصلاح عاجل وعلاج سريع لهذه المشاكل؛ فسيؤدي ذلك حتما إلي ثورة ليست من عمل الإخوان المسلمين ولا من دعوتهم ، ولكن من ضغط الظروف ومقتضيات الأحوال ، وإهمال مرافق الإصلاح , وليست هذه المشاكل التي تتعقد بمرور الزمن ويستفحل أمرها بمضي الأيام إلا نذيرا من هذه النذر، فليسرع المنقذون بالأعمال ".
ومن خلال كلام الأستاذ البنا يتبين أنه لا يمكن أن يساهم فى عملية "تثوير" للأوضاع؛ حيث إن هذا ليس من دعوة (الإخوان)، وإن كان يمكن أن يتفاعل مع أى ثورة إذا قامت بالفعل بدون "تثوير" منه، وهذا يقترب مما تم فى ثورة 25 يناير.

ولكن المشكلة فى تبنى الخط الثورى الآن دون تأصيل شرعى لكل الممارسات ومنها:
1-      تعمد زيادة الأزمات أو افتعالها.
2-      مواجهة قوات الأمن بما يضر، وإن كان دون الرصاص، وكانت الدعوة إلى استعمال ذلك فى حال الدفاع فقط، حتى توجهت نداءات بتعميم هذا على اعتبار أن كل سيارة شرطة إما اعتدت وإما ستعتدى، وقارن بين هذا وبين قول الدكتور بديع وغيره، أنهم قابلوا جلاديهم خارج السجون فلم يتعرضوا لهم ولو بشطر كلمة؛ مؤكدا أن هذه هى أخلاق الإخوان.
3-      المشكلة الأكبر تكمن فيما يتعلق بالنقطتين السابقتين بتعليلات تتضمن التكفير الصريح أو الضمنى، سواء للشرطة كقول بعضهم: "داخلية لا دين لها"، أو حتى للشعب كقول البعض تعليلا لحملة منع الأضحية: "شعب لا يسحتق".
4-      كذلك فإن الدعوة إلى مواجهة الرصاص بصدور عارية، فضلا عن تضمن هذا استفزازا لمن يملك الرصاص؛ يجعل صاحب هذه الدعوة مسئولا عن هذه الدماء (مع عدم إعفاء صاحب الرصاص قطعا )، وبالإضافة إلى مخالفة أصل الفعل للشريعة، فيبقى أن هذه الفتاوى سرعان ما تتغير أثناء المواجهات بعد سقوط بعض الضحايا؛ مما يجعل الأمر يبدو متناقضا، فلو كان الواجب الثبات ولو بصدر عارٍ كما يقال فى أول الأمر، فلماذا يتغير لاحقا؟! ولو كانت هناك رخصة فلماذا لم تُعطَ للناس عند وجود بادرة مواجهة؟! مما يوحى بأن المقصود وجود عدد من الضحايا ثم تتغير الفتوى، وفى هذا إهدار لحرمة دماء شباب كل ذنبهم أنهم وضعوا ثقتهم فيمن لا يتقن هذه الأمور، وأسوأ من هذا تحريض فتيات على مواجهة قوات الأمن بطريقة معلوم سلفا أنها ستؤدى جزما إلى القبض على بعضهن على الأقل، ولعل الكثيرين قد صدموا من تصريحات البعض والتي تبدى حزنا على حكم إخلاء سبيل فتيات الإسكندرية؛ مشيرا إلى أن حبسهن كان جالبا لتعاطف الكثيرين.

إن هذه الوسائل وإن فعلتها قوى لا تلتزم فى عملها السياسى أو غيره بالشريعة، فلا يبيح هذا لنا أن نفعل مثلهم، لا سيما أن الدماء والأعراض التى تتعرض للإيذاء تخص من وثقوا فيمن يقود مسيرة العمل الإسلامى أنه لا يأمرهم إلا بما يوافق الشرع.

مناقشة النماذج التاريخية:
يحتج من يسير في هذا الطريق بأنه واقعى وممكن؛ بدلالة تكرره تاريخيا ، ويذكرون لذلك أمثلة منها "ثورة يناير"، والآن يذكرون ثورة الخومينى فى إيران، وبغض النظر عن مسألة الخلاف العقدى مع الشيعة، فإن ظروف ثورة يناير تتشابه مع ظروف الثورة الإيرانية، وكل منهما تختلف تماما مع حال مظاهرات "تحالف دعم الشرعية" الآن؛ ففى "يناير" ومن قبلها "الثورة الإيرانية" كان الناس يعانون من حكم ديكتاتورى ظالم جاسم على الصدور لفترة طويلة، واتفق الناس على غاية واحدة هى الإطاحة بـ"الشاه"، ووقف الجيش لسبب أو لآخر موقفا حياديا، وهو أحد أهم شروط نجاح الثورات السلمية ضد الحكام كما بين ذلك "جوستاف لوبون" فى كتابه "روح الثورات"، وهو أن انحياز الجيش أو حياده على الأقل شرط أساسى لنجاح أى ثورة.
       
فان اعتُرض على ذلك بحالة "تشافيز"؛ فيمكن أن تضيف إلى الحالتين اللتين تحدث عنهما "لوبون" حالة ثالثة ذكرها  
الروسي "ليون تروتسكي" فقال: "مصير كل ثورة يتحدد عند نقطة معينة بالانقسام في صفوف الجيش".
وهذا أحد أهم الفروق بين الحالة المصرية وحالة "تشافيز".
وحيث إن "الثورة" المراد إشعالها هى ضد الجيش؛ فلا مجال لانحياز الجيش أو لانحيازه، فبقى "الانقسام" وهو أمر غير حادث، ولا ينبغى تمنى حدوثه لمجرد تحقيق مصلحة أخرى دون النظر لعواقب الأمور فى حالة لو تحول هذا الحلم إلى حقيقة، لا سيما والجيش المصرى هو الجيش الوحيد الذى يقف فى وجه إسرائيل الآن.
وقد يحتج محتج على هذا بأن الجيش المصرى يرعى اتفاقية السلام الجائرة و... إلخ، رغم أن قائل هذا الكلام يعلم أن الدكتور مرسى التزم بهذه الاتفاقية، وأن كل الأحزاب السياسية (لا سيما الإسلامية) قالت إنها لم تكن موافقة على عقد هذه الاتفاقية، لكنها تحافظ عليها وفاء بالتزام الدولة بتعهداتها.
ولا ينبغى أن ينسى كل مدافع عن "مرسى" أنه كان ولآخر لحظة يثني على الجيش وقياداته. 
موقف "دعم الشرعية" يتعلق بالمبادئ أم بالمصالح:
النقطة الأخيرة التى ينبغى أن نناقشها في هذا الاتجاه، هي البحث فى هذا الموقف "هل هو مبنى على  مصلحة راجحة،
أم أنه ينطلق من نظرة مصلحية"؟
إن الإجابة التى تنطلق بسرعة من أنصار هذا الاتجاه هو أن القضية قضية مبادئ، فى حين أن رموز هذا الاتجاه تعاملوا مع مواقف مشابهة أو أشد تعاملا مصلحيا، كما تعامل الأستاذ البنا مع حكومات ما قبل ثورة يوليو، ومنها حكومات أتت إلى الحكم على ظهر دبابات إنجليزية، ثم تعامل "الهضيبى" مع ثورة يوليو، وتعامل "نحناح - الجزائري" مع العسكر، وتعامل إخوان العراق مع الأمريكان.
وأما قضية الحكم والشريعة، فقد كان الوصول إلى سدة الحكم فى هذه المرحلة مخالفا لمقتضى الحكمة والعقل، كما قرره الأستاذ البنا فى رسالة "المؤتمر الخامس" فقال: "وعلى هذا فالإخوان المسلمون لا يطلبون الحكم لأنفسهم، فإن وجدوا من الأمة من يستعد لحمل العبء وأداء هذه الأمانة والحكم بمنهاج إسلامي قرآني؛ فهم جنوده وأنصاره وأعوانه، وإن لم يجدوا فالحكم من منهاجهم وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله" .
وعلى هذا، فالإخوان المسلمون أعقل وأحزم من أن يتقدموا لمهمة الحكم ونفوس الأمة على هذا الحال , فلا بد من فترة تنتشر فيها مبادئ الإخوان وتسود , ويتعلم فيها الشعب كيف يُؤثر المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.
وإذا اعترض معترض بأن كلام الأستاذ البنا لا ينطبق على حال مصر الآن؛ فإليكم نصيحة من معاصرٍ منتمٍ لنفس المدرسة والدستور، وهو الأستاذ أحمد محمد كنعان (من إخوان سوريا) ، وهو أيضا عضو مؤسس في اتحاد (منظمات المجتمع المدني السورية) ، قال في تصريحات لمراسلة وكالة أنباء الشرق الأوسط في عمَّان على هامش مشاركته في مؤتمر (الإسلاميون والعلمانيون – نحو رؤية توافقية لاجتياز مرحلة الانتقال للديمقراطية)، الذي اختتم أعماله يوم الأحد الماضي بالأردن: "إننا كنا قد التقينا مع قيادات الإخوان في مصر، وعلى رأسهم المرشد العام الدكتور محمد بديع، والدكتور عصام العريان، وباكينام الشرقاوي، وغيرهم؛ بغرض تقديم النصيحة الأخوية لهم ، إلا أنهم لم يقبلوها؛ وهو ما أوقعهم في الخطأ ، أحسسنا وقتها أنهم يعيشون نشوة النصر خاصة بعد الفوز بالسلطة بعد سنوات طويلة".
وتابع: "إن إخوان مصر انتقلوا ، فيما بعد 30 يونيو، من حالة "السياسة" إلى "المصارعة" ، ومع ذلك وجهنا لهم عدة رسائل طالبناهم فيها بأن ينسحبوا وأن يمتصوا هذه الأزمة ، إلا أنهم لم يستجيبوا؛ وهو ما جعلهم يدفعون الثمن".
إن هذه الاصوات القديمة والحديثة لَتنادى على الإخوان بأن يستجيبوا لصوت العقل بدلا من الانزلاق إلى وسائل لا تناسب الدعوة الإصلاحية السلمية، وأخطر من ذلك ما تطلبه هذه الوسائل من تنظيرات تنتمى لمدارس مخاصمة للمجتمعات المسلمة ومستعلية على أفرادها، لا سيما أن فى الجماعة أجنحة مشبعة بهذه الأفكار.
نسأل الله السلامة من كل مخالفة للحق، ونسأله السداد فى القول والعمل اللهم آمين!