د. ياسر برهامي - مِن أسرار السعادة! - بوابة الفتح الالكترونية
د. ياسر برهامي
2018-06-08 20:27:10

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فشعور الإنسان بالحاجة إلى شيء يدفعه لطلبه والحصول عليه، وإذا حصل عليه شعر بالاستغناء والسعادة لحصوله عليه، لكنه سرعان ما يتعود عليه فيطلب غيره، أو يرى أن ما حصل عليه قليل ولابد مِن زيادة؛ فيظل هكذا يبغي (الحِوَل) أي: التحول والتغير عن الحال الذي هو فيه.

ولذا تجد مَن أكل أفخر الأطعمة والأشربة يمل منه، خصوصًا مع التكرار، ومَن تزوج أجمل النساء طمح إلى غيرها، ومَن وصل إلى ملك ورياسة تعود عليها وطلب المزيد مِن توسيع النفوذ والانفراد بالسلطة؛ فيظل الشعور بالفقر ملازمًا للإنسان إلى أن يهجم عليه الأجل فجأة فيترك كل ذلك الذي كان سبب شقائه وفقره في الدنيا؛ ليصبح الحساب عليه سبب شقائه في الآخرة.

أما المؤمن فإن حاجته في القرب مِن الله، وذكره وشكره، وحسن عبادته، وإنما الدنيا عنده كحذاءٍ يلبسه في رجله ولا يجعله تاجًا فوق رأسه؛ فيكفيه منها ما يبلغه الكفاية؛ فلا يشعر بالفقر إلى الدنيا، بل فقره إلى الله ربًّا وإلهًا؛ فهو يفتقر إلى ربه تمام الفقر؛ يدبر له أمره، ويصلح له شأنه، ويقضي له حاجات الدنيا والآخرة، ويفتقر إلى إلهه الحق؛ يحبه ويخضع له وينقاد، ويقوم له، ويركع له ويسجد له ويذكره؛ فيجد بذلك الغنى بالله عمَن سواه؛ فإن الفقر إلى الله هو عين الغنى به.

ولذا يجد غاية سعادة الدنيا في ركعة يصليها ولو قام حتى تتورم قدماه وتتشقق، فهو يجد فيها أجل النعم التي تستوجب الشكر (أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟!) (متفق عليه)، فهي قرة العين وطمأنينة القلب وشرح الصدر وسكينة النفس، قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني)، يظل كذلك إلى أن يأتيه الأجل وهو في هذه السكينة، فينتقل إلى سعادة الأخرى وقرة العين التي لا تنقطع بالله -سبحانه- والقرب منه.

كان في الدنيا يجد الشعور بالغنى في سجدة يتضرع فيها فوجدها سببًا لرفع الدرجات في الآخرة، كان في الدنيا يجد الشعور بالغنى في آية يقرؤها ويتدبرها فيجدها في الآخرة سببًا لسعادة أَتَمّ وغنى أعظم.

فإذا وصل الإنسان لذلك هان عليه ما يفقده مِن الدنيا ولم يجد ألم الفقر وتعاسة الحاجة التي لا تتوقف؛ فلم ينافس على الدنيا، ولم يفرح بها إذا حصلت، ولم يفتخر بها، ولم يختل على الناس بها، ولم يشح بها ولم يبخل؛ فضلًا عن أن يعتدي ويأخذ ما ليس مِن حقه.

وتَأَمَّل قول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: (مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، تجد جَلِيًّا أن الشعور بالغنى هو سبب مِن أعظم أسباب السعادة، ولكن حاجة القلب الحقيقية لا تُسَدُّ إلا بالتوجه إلى الله وحده (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (الأنعام:79).

فما في قلب المؤمن مِن الحب لله والإخلاص له، والخوف منه، وحده والرجاء له وحده؛ هو أعظم أسباب الغنى الذي هو أعظم أسباب السعادة، وهو يكون في القلب، وأما مَن جعل فقره بيْن عينيه فلا يزال مفتقرًا مهما امتلأت جيوبه وأرصدته، فلا يزال تعيسًا مهما بلغ.

فهلّا أخذنا نصيبنا مِن كنوز رمضان "وجواهر العشر الأواخر" التي هي أغلى مِن كل مالٍ أو لذة! وهلّا انتبهنا لسرعة انقضائها كما انقضى أكثر رمضان كأنه غمضة عين أو لحظة!

 والله المستعان.