مصطفى دياب - العرجون القديم - بوابة الفتح الالكترونية
مصطفى دياب
2014-01-28 00:22:00

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبى بعده صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: " وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ" (يس: 39).

والعرجون: ما يحمل ثمار النخلة، وسُمِىَ عُرْجونا من الانعراج، وهو الانعطاف والتقوس، والعرجون القديم العتيق اليابس إذا قُطِع من النخلة صار أصفر دقيقا مقوسا؛ كما يبدو القمر فى آخر الشهر هلالا أصفر دقيقا, والآية الكريمة لها ظلالٌ كثيرة؛ فما أشبه منازل القمر بمراحل عمر الإنسان الذى يبدأ طفلا رضيعا، ثم صبيا، ثم غلاما، ثم شابا يافعا، ثم رجلا قويا، ثم كهلا ضعيفا، ثم شيخا باليا.

" اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ? يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ? وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ" (الروم: 54)، هل تخيلت نفسك أخى فى هذه المراحل؟ وأين أنت؟ وكم مضى؟ وكم تبقى؟ وكم بين الهلال والمُحَاقِ (ما يرى في القمر من نقص بعد اكتماله) من منازل؟ وأين أنت نازل؟!
وظلٌ آخر من ظلال " حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ "

أخى الحبيب، يامن أشرق هلال الالتزام في قلبه، وأضاء كما أضاء الهلال ظلام السماء، لا تقف عند أول منزلٍ؛ فإن المنازل كثيرة، واحرص على الارتقاء والتقدم، " اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ في الدُّنْيَا فإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيةٍ تَقْرَؤُهَا" (سنن أبي داود - حسن صحيح)، احرص على الثبات على الحق فى زمن المتغيرات والغربه؛ بالقرب من الرب على كل الأحوال ، فمن رام السعادة الأبدية لَزِمَ عتبة العبودية ، وكن مع الحق وأهله تدور معه حيث دار، ولا تترك صحبة الصالحين، والزم طريق الهدى ولا يضرك قلة السالكين .
 واحذر طُرق الضلالة، ولا يغرنك كثرة الهالكين؛ ولا تكن عرجونا قبل الأوان، وانعرج مع الطريق، ولا تنعرج عن الطريق .
وظلٌ آخر من ظلال " حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ "

أخى العامل فى خدمة الدين، العَالم يحتاج إلى هداية , وظهور الدعاة فى حياة الناس كظهور الهلال فى سماء الظلام، يظهر رقيقا دقيقا كخيطٍ مضيئ، ثم ينزل منازل عند الله، فينزل بها منازل عند الناس ( .. فيُكتبُ له القبول فى الأرض .. ) ( .. و محبةً فى قلوب الخلق .. )؛ ففى كل يوم يقوى هلاله، ويزداد نوره، ويُعم نفعه، وينزل فى قلوب الناس منازل ، فيملأ حياتهم هدى ونورا، وأملا وسرورا، وقربا من مولاهم تبارك وتعالى .

 وكلما تقدم الداعى وثبت فى منزله؛ يزداد قوة ونضارة وضياء وخبرة وتجربة وعطاء؛ ولذا يجب على الداعى إلى الله أن يحافظ على أسباب هذا القَبول وتلك المحبة، فيقدم مرضاة الله على كل شيء، ويقدم العمل للدين وخدمته على كل عمل وكل خدمة، وأن يرتقى كل يوم وكل حين من منزل إلى منزل أفضل منه؛ وذلك بالقرب من الله والحرص على الطاعة، والتطور فى أداء عمله، والارتقاء بوسائل دعوته، ولا يفتح على نفسه أبواب الفتن والمعاصى؛ فإن القمر فى لياليه الأولى هلال، وفى لياليه الأخيرة هلال .. لكن فى الأولى نضارة وقوة وضياء، وفى الأخيرة شحوبٌ و ذبولٌ واصفرار كأنما عاد كالعرجون القديم.

أخى الحبيب خادم الدين، هل أنت هلالٌ أم عرجون؟!
بعض العاملين يبدأ هلالا ساطعا، ثم سرعان ما يتحول إلى عرجون يابس، وقد لا يصبح بدرا!!!
إن بعض العاملين كالبدر، نورهم ساطع يغيظ العراجين البالية؛ فلا تنزعج من قذف الجاهلين والمثبطين الذين يحاولون إطفاء نورك؛ فإن الخسوف لا يأتى إلا للبدر , فالخسوف يزول ويبقى القمر, فأمضِ ولا تلتفت!

أخى الحبيب، "العرجون القديم"

ليس كل العراجين بالية أو لا فائدة منها ، أو أن مكانها الحطب ، لكن مَن ثبته الله على طريق الالتزام ونزل المنازل كلها هلالا يافعا، ثم بدرا، ثم عاد وقد أحدودَبَ ظهره وأصفر لونه، ونَحُلَ بدنه فى خدمة الدين؛ هذا حقٌ علينا أن نكرمه ونُجلُه، بل ذلك من تعظيم الله فقد قال صلى الله عليه وسلم: "إن من إجلال الله إكرام ذى الشيبة المسلم" (أبو داود - حديث حسن الإسناد)، إن مثل هذا الذى قضى حياته فى طاعة الله وخدمة دين الله حتى شاب " مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " (رواه الترمذي وصححه الألباني)، فلن نعدم منه فائدة، بل كله فوائد إن شاء الله، فلما كان العرجون رطبا حَمَلَ للنخلة الرطب،.

ولما عاد كالعرجون القديم يابسا جعله النبى ? معه يتوكأ عليه ، ولما انكسر سيف عبد الله بن جحش يوم أحد أعطاه النبى ? عرجونا وأمره أن يقاتل به، فصار فى يده سيفا فقاتل به كل المشاهد مع النبى ? حتى قُتل وورثه أبناؤه، كذلك أعطى النبى ? سلمة بن أسلم يوم بدر عُرجونا رطبا، فقال اضرب به فإذا هو سيفٌ جيد، وأعطي النبى ? قتادة بن النعمان عُرجونا فى ليلة مطيرة مظلمة، وقال له: "انطلق به فإنه سيضيئ لك ما بين يديك فيصبح كالشمعة تضيئ له الطريق".

أخى الحبيب،

فكر كيف تستفيد ممن أفاد، لا كيف تُقصى من أفاد، وتذكر أن العراجين ليست عرجونا واحدا، بل منها من لا تنعدم فائدته إلى المُحَاقِ.
فالحمد لله الذى أنزل القمر منازل، حتى عاد كالعرجون القديم.
و صلِّ اللهم على محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين!!