سعيد الروبي - ما فيش بيت مِن غير بلوى! - بوابة الفتح الالكترونية
سعيد الروبي
2018-03-17 17:36:15

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

"ما فيش بيت مِن غير بلوى!"؛ هذه العبارة سمعتها في الطريق مِن أناسٍ كانوا يتحدثون بصوتٍ عالٍ، ولكن لم أتبيَّن كلامهم جيدًا بسبب بُعدي عنهم، وبسبب أنني لم أنشغل بحديثهم، فلما حاذيتهم سمعتُ هذه العبارة جيدًا: "ما فيش بيت مِن غير بلوى!" -والبلوى: هي المصيبة-، واخترقتُ هذه العبارة أذني.

والعجيب أن هذه العبارة تكررت في أذني أو في سمعي عدة مرات بعد أن ابتعدتُ عن المتكلمين.

كان المتكلم بهذه العبارة يواسي مَن معه، ويهوِّن عليه ويخفف عنه، ويصبره، وكأنه يقول له: لستَ وحدك المصاب ببلوى في بيتك، ولكن كل بيت فيه بلوى!

لقد فكرتُ في هذه العبارة ومدى صحتها وصوابها، فبدأت بنفسي ثم كل البيوت حولي؛ فإذا بالعبارة صحيحة، كل البيوت التي تذكرتها فيها بلوى بصورة أو بأخرى، فيها معاناة وألم، ووجع وحزن.

ثم توسعتُ في دائرة التفكير فتجولت بفكري في بيوت كثيرة وبعيدة عني ممن أعرفهم، وإذا بي أتوصل لنفس النتيجة: "ما فيش بيت مِن غير بلوى!".

وزاد تعجبي أنه تقريبًا لا يوجد بيت ممَن فكرت فيهم يخلو مِن همٍّ أو غمٍّ أو مصيبة أو معاناة، أو مشكلة أو حزن أو تعب، وعدتُ بذاكرتي إلى الوراء، إلى الماضي حتى أحدد بدايات هذه البلايا؛ فإذا هي حديثة جديدة، فكثيرٌ مِن البيوت كانت هادئة مستقرة لم تعرف الحزن؛ اللهم إلا مؤخرًا في السنوات الأخيرة فقط.

 والعجيب أيضًا أنني وجدتُ هذه البيوت فيها أكثر مِن بلوى، وليس بلوى واحدة!

لقد زادت هذه البلايا وتعددت وتوسعت، وتطاولت واستمرت وتمادت؛ لقد سيطرت الهموم والغموم على البيوت، وسادت المنازل واستولت على مشاعر الناس، وكل يوم أو كل أسبوع أو كل شهر تستجد بلوى أو معاناة جديدة في مجالٍ جديد؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله.

والسبب هو كثرة المعاصي الشخصية أو العامة، وبُعدنا عن الله -تعالى-، ولا حل لإيقاف هذه البلايا إلا بالرجوع إلى الله بالتوبة والندم والاستغفار، وإصلاح أحوالنا مع الله على المستوى الشخصي وعلى المستوى العام.

كنت أسمع هذه العبارة في السابق: "ما حدش مرتاح!"، ولكني كنتُ أرى مرتاحين كثيرين، أما الآن فلا!

وكنت أسمع هذه العبارة أيضًا: "ما حدش خالي!"، ولكن كنتُ أعرف أناسًا خاليين مِن المنغصات؛ إلا المنغصات الخفيفة جدًّا، أما الآن فلا أعرف أحدًا خاليًّا مِن المنغصات الثقيلة! فلا حول ولا قوة إلا بالله.

فعلًا نحتاج إلى توبة جماعية، وعودة إلى الله بكل معاني الكلمة؛ عودة قوية وشاملة وعامة وواسعة؛ هذا هو المخرج، وهذا هو الحل، وهذا هو المطلوب؛ وإلا فالأمر مرشح للزيادة؛ فالمشكلات زادت، والصعوبات زادت، والأحزان والآلام والهموم والغموم كأنها طوفان أو سيل، تتابع وتتوالي، ولا يتوقف!

هذه مشكلات أو بلايا كل بيت؛ فضلًا عن البلايا العامة التي تتعلق بالأمة ككل، وناهيك عن الأخبار المتنوعة العامة التي تستجد باستمرار ولا تتوقف، والتي تؤلمنا وتوجعنا وتحزننا.

فلنستغفر الله ونتوب إليه، ونستقيم مع الله ونلجأ إليه، ونعتصم به ونلوذ به، ونحتمي به ونستجير به؛ هو سبحانه كافينا وحامينا وحافظنا وراحمنا، بيده مقاليد الأمور، ومشيئته هي النافذة، ولا يعجزه شيء.

فالله -تعالى- قادر على أن يغير أحوالنا في لمح البصر إن عدنا إليه؛ حتى ترجع البيوت كما كانت قديمة مِن غير بلوى، وحتى تعود النفوس إلى الراحة على المستوى الشخصي الفردي، وعلى المستوى العام للأمة كلها.

ويجب أن تصل هذه الرسالة لكل الناس حتى يعرفوا المخرج مما نحن وهم فيه، ولا أقصد مقالي هذا، ولكن فحواه ومعناه.

والله ولي التوفيق.