سعيد محمود - لماذا زاد الغلاء والبلاء؟! - بوابة الفتح الالكترونية
سعيد محمود
2018-02-20 17:08:08

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛                         

لماذا زاد الغلاء والبلاء؟!

هذا التساؤل هو حديث الناس في هذا الوقت؛ حديث الغني والفقير في الفترة الأخيرة، فغلاء الأسعار ألم يتضاعف كل يوم على الفقراء، بل كل ساعة، بل أقل؛ مما جعل كثيرًا مِن الفقراء الصالحين يئنون تحت وطئته، ولسان حالهم ومقالهم يقولون: (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) (البقرة:286)؛ فكيف الحال بالفقراء ضعفاء الدين والإيمان الذين صاروا يصرخون ويبكون ويجزعون؟!

وهذا السؤال تفاوتت فيه إجابات الناس، وتباينت فيه آراؤهم ونظراتهم.

فمنهم مَن يرجع ذلك إلى أسبابٍ سياسية: -مثلًا- كالضغوط العالمية لإسقاط الدولة، أو كإخفاق السياسيين في إدارة الأزمة.

ومنهم مَن يرجع ذلك لأسبابٍ اقتصادية: كالرقود العالمي للتجارة، وآثار الثورات، وتوقف الاستثمارات، وتاريخ الدَّين الطويل، ونحو ذلك.

ومنهم مَن يرجع ذلك إلى أسبابٍ اجتماعية وأخلاقية: كجشع وفساد كثيرٍ مِن رجال الأعمال والتجار، وكإمساك وشح كثير مِن الأغنياء.

والحقيقة: أن هذه كلها لا تتعارض، وكلها تصلح أن تكون أسبابًا مجتمعة لهذه الأزمة، ولكنها أسباب في الظاهر، وأما الحقيقة فهي نتائج لسببٍ واحدٍ وحيدٍ، وهو: (الإعراض عن دين الله، وانتشار المعاصي والذنوب)؛ هذا هو السبب الحقيقي، هذا هو السبب الوحيد لكل الأزمات، فأما ما تقدَّم، فهو وإن  كان في ظاهره أسباب، إلا أنه في الحقيقة نتائج للسبب الوحيد، فالانحراف عن دين الله وانتشار المعاصي والفواحش هي سبب الخراب والغلاء، والهزائم والفشل، قال الله: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) (الشورى:30).

إن أصحاب النظرات المادية، يحلو لهم أن يقفوا على الأزمات بالتحليل المادي البحت، ويكرهون التحليل الشرعي الإيماني؛ ولذلك تجد كثيرًا مِن الفاسدين في الإعلام، يقولون: سيخرج لكم المشايخ يقولون: إن هذا كله بسبب الذنوب والمعاصي!

ونقول لهم: والله هذا ليس كلام المشايخ، إنما هو كلام خالق الخلق والمشايخ والناس أجمعين، إنه كلام ربنا، وكلام رسولنا -صلى الله عليه وسلم- (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ)، وقال نبينا -صلى الله عليه وسلم-: (يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ، حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ، وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ، وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ، وَعَهْدَ رَسُولِهِ، إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ، إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ) (رواه بن ماجه، وصححه الألباني).

وكل هذه الصور -وأكثر- موجودة في حياتنا و مجتمعاتنا، ثم بعد ذلك نقول: لماذا زاد الغلاء والبلاء؟!

فلن ينصلح اقتصاد، ولن يزول الغلاء، ولن ترفع الضغوط، ولن يكون استثمار، ولن... ولن... إلا إذا رجعنا إلى الله -عز وجل- وتبنا إليه، وأقمنا دينه: أفرادًا ومجتمعات؛ فعند ذلك تتبدل الأحوال إلى خير حال، قال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ) (الرعد:11)، وقال: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) (الجن:16)، وقال: (وَالْعَصْرِ . إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر).

والحمد لله رب العالمين.