د. أحمد حمدي - مِن أذكار وآداب فصل الشتاء - بوابة الفتح الالكترونية
د. أحمد حمدي
2018-01-25 16:47:23

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمِن العبودية، ومِن أسباب تهذيب النفس وتزكيتها وتربيتها: المواظبة على الأذكار المقيدة والمطلقة في كل المواسم والأحوال والفصول، فكل شيء في هذا الكون يذكِّرنا بالله واليوم الآخر، وما ترك النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن خيرٍ إلا ودلنا عليه، ونحن في فصل الشتاء نتعرض لمطرٍ ورعدٍ وبرقٍ، وبردٍ وريحٍ، وغير ذلك مِن الظواهر التي كان لها آثار وآداب عند النبي -صلى الله عليه وسلم-.

- عند نزول المطر كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا) (رواه البخاري)، (اللَّهُمَّ صَيِّبًا هَنِيئًا) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).

- وكذلك الدعاء مستجاب عند نزول المطر، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكشف ذراعيه لماء المطر ويقول: (لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى) (رواه مسلم)، وبعد نزول المطر كان النبي -صلى الله عليه وسلم-: يقول: (مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ) (متفق عليه).

- ولا يجوز قول مُطرنا بنوء كذا... وكذا! "والنوء هو النجم الصاعد أو الهابط في السماء"، فعن زيدٍ بن خالدٍ الجهني -رضي الله عنه- قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي إِثْرِ السَّمَاءِ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: (هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟) قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ) (متفق عليه).

فإن اعتقد أن النوء أو الكوكب هو الفاعل للمطر؛ فهذا شرك أكبر، وإن اعتقد أنه سبب في نزول المطر؛ فهو شرك أصغر، وإن لم يعتقد أيٍ مِن ذلك فبعض أهل العلم قال بكراهة اللفظ، والبعض قال بالتحريم حتى لا يكون ذريعة للشرك.

- الرعد ملك مِن ملائكة الله، والصوت الذي نسمعه هو صوت تسبيحه وهو يسوق السحاب بأجنحته، وقد ورد عن بعض السلف عند سماع صوت الرعد قول: "سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ" (أخرجه البخاري في الأدب المفرد عن عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما-، وصححه الألباني).

- عندما يشتد المطر كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (اللهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللهُمَّ عَلَى الْآكَامِ، وَالظِّرَابِ، وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ) (متفق عليه).

- عندما يخشى مِن المطر الضرر، مثل: السيول، وانقطاع الطرق، كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يرسل المؤذن، ويقول للناس: (صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ) (متفق عليه)، ويجوز جمع الصلاة عند المطر الشديد.

- عند البرد نتذكر إخواننا المشردين واللاجئين في المخيمات "في سوريا - وبورما - ... "، وكذلك نتذكر فقراء المسلمين الذين لا يجدون مأوى يقيهم مِن البرد؛ فندعو لهم ونساعدهم بشراء البطاطين وتوزيعها على الفقراء، ونتذكر نعمة الله علينا بالدفء والأمان والعافية.

وكذلك نتذكر برد جهنم؛ فنستعيذ بالله مِن عذاب جهنم: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (اشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ) (متفق عليه).

- وعندما تهب الريح كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يخرج مِن البيت ويدخل ويظهر ذلك على وجهه، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا كَانَ يَوْمُ الرِّيحِ وَالْغَيْمِ، عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ سُرَّ بِهِ، وَذَهَبَ عَنْهُ ذَلِكَ"، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: (إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ عَذَابًا سُلِّطَ عَلَى أُمَّتِي)، وَيَقُولُ، إِذَا رَأَى الْمَطَرَ: (رَحْمَةٌ) (متفق عليه).

- وكان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أدعية خاصَّة إذا عصفت الريح بالمدينة؛ فعن عَائِشَةَ -رضي الله عنها- أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ، قَالَ: (اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ)، قَالَتْ: وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ "تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَخَرَجَ وَدَخَلَ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ"، فَإِذَا مَطَرَتْ، "سُرِّيَ عَنْهُ"، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: (لَعَلَّهُ، يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا) (الأحقاف:24). (رواه مسلم).

- وكذلك نذكِّر بعبودية فصل الشتاء مِن الإكثار مِن الصيام: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ الْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، فتحصل على الثواب الكثير مِن غير مشقةٍ كبيرةٍ؛ فلا حر ولا طول نهار، ولا عطش.

وكذلك اغتنام طول الليل في القيام: كما ورد عن الحسن البصري وابن المبارك، وابن مسعود، وغيرهم مِن الصحابة والتابعين: "الشِّتَاءُ رَبِيعُ الْمُؤْمِنِ؛ طَالَ لَيْلُهُ فَقَامَهُ، وَقَصُرَ نَهَارُهُ فَصَامَهُ".

وهكذا المسلم يتقلب مِن طاعةٍ لطاعةٍ، ومِن عبوديةٍ لأخرى في كل أوقاته وأحواله حتى يلقى ربه  -عز وجل- على طاعة وحسن خاتمة، قال الله -تعالى-: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر:99).