رجب أبو بسيسة - واقع... وأمل! - بوابة الفتح الالكترونية
رجب أبو بسيسة
2017-12-31 07:28:22

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد تتعجب إذا قلتُ لك: إن مِن أشد الحروب التي يواجهها البشر هي الحرب الفكرية، وأقصد بها: ما يحدث مِن تشويهٍ متعمدٍ، ومحاولاتٍ مستميتة لتغيير الهوية في نفوس الشباب.

فالشباب الآن صارت السهام تتناهشُهم مِن كل مكان؛ أصبحوا في مرمى نيران الفتن، والمكر وكيد الأعداء، وخلو الساحة ممَن يقدِّم لهم النصيحة، أو بعبارة أدق: "تعمد تغييب الناصحين"، وهو أمر في غاية الخطورة، ولا تستطيع أن تفسّره إلا بمحاولة سريعة لتغيير تركيبة المجتمعات الإسلامية العربية، وتهيئة جديدة لعقول الشباب مِن أجل تَقَبُّلِ التبعيةِ العمياء للغرب ليصبحوا مُمْتنِّين لهم ومقلدين لهم في جميع أحولهم وشئونهم.

ويا ليتهم أرادوا أن يقلدَ الشبابُ الغرب فيما يصلح شأنهم ويساعدهم على التقدم، وتحقيق الرُّقِي الاقتصادي والعِلمي! بل الذي يبدو أن المطلوب هو قبول النموذج الغربي وحضارته بكل حذافيرها وبدون استثناء!

وهذا الذي يفعله القوم ويدفعون الشباب إليه دفعًا إنما هو تذويب متعمَّد للهوية الإسلامية والعربية، وتغيير ملحوظ ومخطط للمفاهيم، وترسيخ للتبعية الغربية والثقافة الأجنبية بدرجةٍ أكبر بكثير مما هو حادثٌ الآن.

ومِن غير المعقول أن يُترك الأمرُ هكذا دون مقاومةٍ ووقاية، وتفنيد لشبهات هؤلاء، الذين يطرحونها ليل نهار في كل مكان، وبشتى الوسائل المعروفة، وإن لم يُوجَدْ مَنْ يفنِّد الشبهات ويردها، ويبينُ الحقائق للناس "وخاصة الشباب"؛ فالمتوقع مزيدٌ مِن الانسحاقِ والذوبانِ في ضلالات الشبهات!

حراسة الهويةُ الإسلاميةُ "وخصوصًا عند الشباب" هي بمثابة حائط الصد أمام تلك الحملات المسعورة والمتكررة، بل وهي مهمةٌ تحتاجُ إلى يقظةٍ وعدم غفلة، واستمرارٍ، وعدم يأس.

خصوصًا ونحن نرى بكل وضوحٍ أن البعض يعمل جاهِدًا على عدم استيقاظ الأمة، وهم مِن جلدتنا ويتكلمون بأَلسِنَتِنا! بل وتراهم يحاربون بالوكالة عن الحضارة الغربية كأنهم لا يعيشون معنا في واقعنا!

ألا يَرَوْنَ ماذا صنعت الحضارة الغربية في العراق وأفغانستان وفي سوريا؟!

أليستْ هذه هي الحضارة الغربية في أوضح صورة؟! ولكن: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج:46).

والغريب في الأمر أن الكل يعلم تاريخ الغرب والحضارة الغربية، وطريقتهم في هدم المجتمعات وتذويب الهويات؛ فتاريخهم أكبرُ دليلٍ على مدى انحطاطِهم ومكرهِم، وكيدهم لهذه الأمة!

ونحن -والحمد لله- على علمٍ ويقينٍ تامٍّ بخبثهم؛ ولِمَ لا؟! وقد أخبرنا العليمُ الخبيرُ بذلك في كتابه، فقال: (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) (البقرة:217).

ومِن أساليبهم الماكرة ما يشهد به لسان حالهم الذي يقول: "إذا أردتَ أن تقضي على مجتمع وهويته؛ فافتح لهم جامعة بثقافتنا وتقاليدنا!"، وأوضح مثالٍ على هذا، ما فعله اليهودُ عندما أقاموا جامعة "برنام"، فقد قالوا: "اليومَ أصبح لنا دولة!"؛ لأنها فُتحت وَفْقَ هُويتهم وثقافتهم!

فإن كانت هذه نظرة اليهود؛ فماذا نقول نحن اليوم لمن يهاجم الأزهر والكليات الشرعية بلا هوادة، ويكيل لها التهم؟!

وإن كان الاحتلال الغربي للمجتمعات العربية والإسلامية تراجع بسلاحه ودباباته، لكنه لا يزال متغلغلًا ومتمكنًا بفكره وثقافته وأجنداته، وعملائه ووكلائه في عصب المجتمعات العربية الإسلامية، فكما قدَّمنا أولَ كلامنا أن مِن المعلوم أن الحرب الفكرية والثقافية أشدُّ ضراوة وأكبر تأثيرًا مِن الحروب العسكرية، بل الحرب بالسلاح والدبابات تُولِّدُ رُوحَ المقاومةِ والتحدي والاعتزاز بما عند الشعوب مِن هُوية وثقافةٍ، والواقعُ يشهدُ بِذلِكَ، بخلاف الغزو الفكري والمناهج المستوردة التي يصفِّق لها الكثير؛ فهي أشدُّ تأثيرًا في تغيير المجتمعات مِن الحروب العسكرية!

كما لا يخفى على كل لبيب أن انتصار الأمة في حرب أكتوبر (العاشر مِن رمضان) كان منطلقًا مِن هويتها؛ حيث انصبغت روح المجاهد المسلم آنذاك بالتكبير، والشعارات التي منبعها الوحي المنزَّل، وقد كان "للأزهر" الدورُ الرائعُ قبْل وأثناء المعركة في إيقاظ معاني الجهاد والتضحية مِن أجل كنانةِ الله في أرضه، ومذكرات قائد الأركان تؤكِّد ذلك حيث قال: "طريقُنا إلى النصر عقيدتي"، نعم، ففي الحقيقة هو طريقٌ لكل نصر.

وقال "هتلر" يومًا: "كلما أسمع كلمة (ثقافة) كنت أتحسس مسدسي!"، وكأنه يقول تحدثوا معي عن الحرب بكل أريحية، ولكن لن أقبل الحديث عن تغيير ثقافتي وهويتي.

وللأسف... العرب تهوي سفينتهم إلى القاع منذ زمنٍ، وهم في لهوهم وغيهم يلعبون، ويَحسبُون أنهم يُحسنون صنعًا! وأصبح الكثير منهم مثل الطائر الذي يبيض في غير عشه، وكل سعيهم البعيد عن الوحي وهويتهم وشريعتهم، مثل الحمل خارج الرحم مهما كبر فهو سقط!

لذلك فإن النصر الحقيقي الذي ننطلق به مِن هويتنا، ورسالة السماء التي أُنزلتْ علينا واختصنا الله بها هو ما لَخَّصَه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في مقولته: "إنَّا كنَّا أذلَّ قوم فأَعزنا الله بهذا الدين، فمهما ابتغينا العزةَ في غيره أذلنا الله".

والمخرجُ مما فيه الأمةُ الآن هو كما في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)؛ وهذا يحتاج إلى الاستسلام للشرع، والاستعداد لقبوله والعمل به؛ إذ لا حياةَ ولا كرامة، ولا نصرَ إلا مِن خلاله: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (الجاثية:18)، وقال -تعالى-: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) (الجن:16).

ولن تعود المقدسات إلا إذا حققنا ما في الحديث: (حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ)، والطريق للقدس يبدأ بعودتنا لديننا، والانتصار على اليهود و"ترامب" والأمريكان يكمن في استقامتنا، وعودتنا إلى شريعتنا؛ فإذا استطعنا أن نحوِّل شريعتنا وهويتنا إلى واقعٍ ملموس، وإيجاد جيل يتحمل ويعتز ويعمل لهذا الدين العظيم؛ كان النصرُ حليفَنا، ولا شك في ذلك.

لكن المهم أن نبدأ، وأن يوجد مَن يبدأ!

نعم الطريق طويل... وأنا أقول: سيزداد طوله؛ إن لم نبدأ ونتحرك الآن.

وليعلم الجميع: أن العمل اليوم رغم مرارة الواقع، وكثرة تحدياته، وتفاقم أزماته، وكثرة وسائل الباطل وأدواته؛ إنما هو بمثابة بداية حياة وأمل للأجيال القادمة، وفي الحقيقة الشباب هم عماد الأمة ووقودها، وعلى كواهلهم تحمل الأمة وبهم تنتصر؛ لذلك كان مِن الطبيعي لأعداء الأمة وأذنابهم أن يوجِّهوا سهامهم إليهم؛ ليبعدوهم عن التفكير في نصرة أمتهم ليسلكوا سُبُل الغواية!

قتلوهم، ولكن ليس بالسلاح، بل بالتبعية والهزيمة النفسية، وفتحوا عليهم أبواب الشهوات والشبهات، والفواحش والرذائل، وللأسف هناك مِن شبابنا مَن لعب به الهوى، وتمكنت منه الشهوات؛ فأصبح غارقًا لا يفكر، أعمى لا يبصر، أصم لا يسمع؛ إلا ما يوافق هواه!

ونسي ما قاله الله -سبحانه وتعالى-: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) (الزخرف:36)، وقوله -عز وجل-: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) (الأنعام:44)، وقوله -تعالى-: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) (النساء:66).

فيا شباب... أنتم الأمل، واستقامتكم لها ما بعدها؛ فلا تعينوا أعداءكم بمعاصيكم وذنوبكم، ولكن اجتهدوا للعمل بالمستطاع والممكن، وعندها يأتي الفرج، قال الله -تعالى-: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (العنكبوت:69).

ولنا أمل.