م. عبد المنعم الشحات - مناهج الإصلاح .. (4) معالم التغيير - بوابة الفتح الالكترونية

قدمنا فيما سبق أن الإسلام دعا إلى إصلاح البشر وأن إصلاح البشر يحصل بإصلاح أفراده ثم بإصلاح مجموعة فى حال اجتماعه.

ومن هنا يتبين أهمية الإصلاح الاجتماعى وأنه لا يقل أهمية عن الإصلاح الفرد ولذلك قال الله تعالى "وإذا تولى سعى فى الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد"، وقال "ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلاحها".

وسوف نتناول فى أهم معالم صلاح المجتمع فى الإسلام من خلال بحث عدة نقاط.

أولا-الأساس الذى يقوم عليه المجتمع المسلمأ‌- المجتمع المسلم قائم على الرابطة الإيمانية:

قدمنا أن الإنسان اجتماعى بطبعه وبالتالى فإنه يسعى دائما إلى أن يكون فردا من مجموع يشعر تجاههم بانتماء خاص ويتبادل معهم المنافع، وقد عرفت البشرية أنواعا من هذه المجتمعات:

منها نظام العائلة وهو قائم على النسب الفردى وأوسع منه قليلا أن ترتبط العائلة مع غيرها من العلائلات التى تجرى بينهم مصاهرات ثم القبيلة التى تقوم على النسب البعيد نسبيا، وارتقت الروابط فى بعض الأحيان إلى درجة الأمة التى ترتبط بالنسب البعيد واتحاد الموطن واللغة.

ومن الجدير بالذكر أن نشير إلى أن العرب رغم امتلاكهم لمقومات الأمة إلا أن الروابط بينهم وقفت عند حد "القبيلة" وادخر الله لهم دعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام "ومن ذريتنا أمة مسلمة لك" ليستجيب لها مع الدعوة الأخرى "ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والرحمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم".فاستجاب الله للدعوتين معا فجعل ظهور العرب كأمة مرتبط ببعثة النبى صلى الله عليه وسلم وفى هذا يقول عمر بن الخطاب رضى الله عنه "إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بهذا الدين فمهما ابتغينا العز فى غيره أذلنا الله".

وهذه الروابط التى تعارفت عليها البشرية تتضمن عيوبا جوهرية أبرزها:

1- قيامها على أمور مادية وجبرية.2- عدم إمكان اتساعها بأى حال من الأحوال لتسع الجنس البشرى كله، ومن هنا جاء الإسلام بجعل الرابطة الأساسية فى المجتمع هى الرابطة الإيمانية ومن ثم فهى تتميز بأمور من أهمها:

1- قيامها على أمر عقلى اختيارى.

2- إمكان اتساعها لتشمل البشر جميعا.ومع هذا فلم يهدر الإسلام قيمة رابطة النسب وإنما وجه إلى جعلها وسيلة للوصول إلى الرابطة الأصلية قال تعالى "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم".

على أنه لم يسمح قط بتقديم شيء من هذه الروابط على الرابطة الإيمانية فقال "لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم".

ولا ينبغى أن يفهم من قولنا إن المجتمع المسلم قائم على الرابطة الإيمانية عدم جواز عيش غير المسلم فيه أو أنه متى عاش فيه لم يكن له حقوق، ولكن المقصود أن يعلى المسلمون شأن الرابطة الإيمانية فى أى مكان كانوا فإن كانت البلاد تحت حكمهم تعاملوا مع من يتعايش معهم من الكفار وفق قوله تعالى "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين".

ولا يجوز له أن يقيم اختياريا فى بلاد أخرى إلا إذا كان قادرا على إظهار شعار دينه.

ب‌- المجتمع المسلم قائم على العقيدة:

إذا كان المجتمع المسلم قائما على "الرابطة الإيمانية" فهذا يعنى من جهة أخرى أنه قائم على العقيدة الإسلامية، وقد تقدم فى الكلام على معالم الفرد المسلم أن جميع أموره نابعة من عقيدته وكذلك المجتمع المسلم يبنى نظمه وأهدافه وغاياته ويضبط العلاقات بين أفراده بناء على هذه العقيدة.

ج- المجتمع المسلم قائم على إنكار العصبية الجاهلية: 

المقصود بالعصبية التناصر بالحق وبالباطل لاشتراك المتناصرين بالنسب أي نسب القبيلة أو السلالة أو الأسرة، وكان هذا المفهوم للعصبية هو الشائع عند العرب قبل الإسلام، فكان أفراد القبيلة ينصر بعضهم بعضا في الحق وفي الباطل لانتسابهم إلى قبيلة واحدة.

وقد أنكر الإسلام هذه العصبية، وأمر بنبذها، فقد جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم "ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من مات على عصبية"، وقال عليه الصلاة والسلام عن العصبية: "دعوها فإنها منتنة".

وبعد أن كان شعار الجاهلية: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، بمعنى كن بجانبه في الحالين، أصبح الشعار في الإسلام: انصر أخاك ظالمًا – بأن تمنعه من الظلم – أو مظلومًا بأن تقف بجانبه ضد ظالمه..

وذم العصبية في الإسلام لا يقف عند حد العصبية القائمة على أساس المشاركة في القبيلة أو الجنس، وإنما تتعداها إلى كل عصبية قائمة على سبب آخر ما دام جوهر العصبية موجودا وهو نصرة الغير بالباطل بسبب هذه المشاركة.

وعلى هذا فانتصار أصحاب الإقليم الواحد أو الحرفة الواحدة أو المذهب الواحد بعضهم لبعض في الباطل هو من العصبية المقيتة المذمومة.

إن خلو المجتمع الإسلامي من العصبية بأنواعها يقلل فرص الاعتداء والظلم والبغي، ويساعد على شد الأفراد إلى معاني الحق والعدل وفي هذا كله خير مؤكد للمجتمع ولأفراده.

ثانيا- سمات المجتمع المسلم:جاء الإسلام بكثير من الصفات التى يجب أن يتحلى بها المجتمع المسلم وبعضها يتعلق بعلاقة  أفراد المجتمع فيما بينهم، وبعضها يتعلق بعلاقة الأفراد بالدولة، وكثير منها متداخل فالمواساة من الغنى للفقير تدخل فى النوعين معا حيث يشرع أن يقوم به الأفراد تجاه بعضهم البعض، كما أن الدولة مسئولة عن تنظيم بعض صور هذه المواساة كالزكاة.

فمن هذه السمات التى يبرز فيها دور المجتمع أكثر:

1-  قيام المجتمع على مكارم الأخلاق

2-  السعى نحو إقامة المجتمع الفاضل (الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر).

3-  المواساة.  

ومن السمات التى يظهر فيها دور الدولة أكثر:

1- تحقيق قدر متوازن من الحرية – العدالة – المساواة.

2- حفظ المال العام وإدارته.3- حماية البلاد.وسوف يأتى الكلام على هذا النوع عند الكلام على سمات الدولة.

وهذا توضيح يسير للسمات المذكورة فى النوع الأول: السعى نحو إقامة المجتمع الفاضل (الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر)

1-  قيام المجتمع على مكارم الأخلاق.

2-  السعى نحو إقامة المجتمع الفاضل (الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر).

هذا المجتمع ينبغي أن يشيع فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] .

3-  المواساة: لابد أن يوجد تراحم وتواد بين هذا المجتمع "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى" وهذه خطوط عامة بداخلها تفاصيل؛ فالتراحم منه جزء واجب كأداء الزكاة ومنه جزء مستحب كالصدقات والنفقة على الأقارب تجب في أحوال ولا تجب في أحوال, وكذلك الإخوة الإيمانية وحقوقها, وحقوق الإخوة ومنها حقوق واجبة ومنها حقوق مستحبة فهذا هو المجتمع المسلم.

ثالثا- اللبنة الرئيسية للمجتمع: الأسرة  

إصلاح المجتمع يأتي من خلال هذه المجتمعات الصغيرة, بل إن أردت الدقة تقول كأن نقطة البداية دائما ما تكون فى هذه المجتمعات الصغيرة وهي الأسرة, ومن ثم تجد الشرع قد اعتنى بها عناية بالغة فهناك كلام عن المجتمع ككل وهناك كلام مفصل جدا على الأسرة فلا نكتفي بقواعد:" كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته "فهذه قاعدة عامة تنطبق على المجتمع الكبير وتنطبق على الأسرة, ولكن نجد الأسرة تحديدا فيها تفاصيل على اختيار الزوج واختيار الزوجة من بداية تكون الأسرة, والأساس التي تقوم عليه العلاقة وواجبات الزوج وواجبات الزوجة, وحقوق كل منهما على الآخر, والأبناء, وتربية الأبناء كل هذه أمور تفصيلية لأن الأسرة هي اللبنة الأساسية للمجتمع.

رابعا-المحضن التربوى الرئيسى:المسجدوالمسجد هو أخص المجتمعات الصغيرة في المجتمع الإسلامي،  لماذا؟   لأننا نريد مجتمعًا فيه إخوة إيمانية والمسجد هو المكان الذي يأتي إليه الناس من أجل تجديد الإيمان أو من أجل القيام بواجبات إيمانهم هو المسجد فإذا هذه هي الصورة المثالية.     

كذلك نريد مجتمعا فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والمسجد هو المكان الذي يفترض أن يكون خاليا تماما من المنكرات, فحتى من يفعل المنكرات لا يدخل بها المسجد.كذلك نريد مجتمعا متراحما, والانتظام في الصفوف والالتحام وتلامس الأكتاف بين الفقير والغني هو التراحم بعينه, إذا المسجد هو المكان الذي يمكن أن تنمي فيه كل هذه الأمور.

ثم إن المسجد هو المكان المثالي لتربية الأفراد, فهو أفضل مكان يمكن أن يتلقى قيّم الأسرة أو رب الأسرة ما ينبغي أن يقوم به في أسرته, أما في تربية الأسر فأنت لا تستطيع أن تصل للأسر في واقع الأمر وإنما تصل إلى بعض أفرادها.

إذا في منهج الصلاح والإصلاح الذي نتحدث عنه يكون للمسجد دور جوهري في إصلاح الأفراد وإصلاح المجتمع وإصلاح الأسرة التي هي اللبنة الرئيسية للمجتمع.

ويجدر بنا هنا أن نؤكد معنى وهو أن بعض الاتجاهات الإسلامية لها منهج في الصلاح والإصلاح فوجدوا أن الإسلام اعتنى عناية خاصة بالأسرة فقالوا: لا بأس بأن نستنسخ نظام الأسرة ونكون أسرة صناعية بمعنى أن كل خمسة أو ستة أفراد يكونون أسرة ويكونون على درجة ترابط شديدة جدا يتدارسون معا ويجلسون معا ونحو ذلك, وهذه لها فوائد كثيرة ولكن لا يمكن أبدا أن تقارن بأن يتم هذا كله في المسجد, فالمسجد يحقق لك معادلة صعبة وهي أنه مكان فيه معايير الصلاح كاملة, وفي الوقت نفسه مفتوح على المجتمع الذي يعاني من مشكلات فلا يجعلك تشعر بعزلة عن هذا المجتمع ولا تقتطع نفسك منه, وكل أفراد المجتمع يمكنهم الدخول والخروج بحرية, ليتم التواصل الطبيعي التلقائي بين من يريد أن يوظف وقته وجهده في عملية الإصلاح وبين جميع أفراد المجتمع, بينما إذا اعتُمدت محاضن تربوية تحقق درجة عزلة حقيقية عن المجتمع بأن تتم دائما هذه التربية في مواطن خاصة فربما تعمق عزلة غير مرغوب فيها, لأن الواجب هو الانفتاح على الناس لا سيما إذا انضم لفكرة الأسر الخاصة مركب فكري يتحدث عن العزلة الشعورية التي تحدث عنها بعض المفكرين وعممها لتعم المجتمعات المسلمة, ونحن دائما نحذر من أن تأخذ روشتة مكتوبة لشخص غيرك, فأحذر أن تأخذ روشتة مكتوبة لمجتمع جاهلي بما تعنيه كلمة جاهلي من أنه كافر ومعاد للشريعة وتطبقها علي مجتمع مسلم فيه انحرافات, أو فيه جاهلية ففرق كبير جدا بين مجتمع جاهلي ومجتمع فيه جاهلية, فالروشتة هنا تقول لك احتضن الجميع لأنهم مسلمون ويحبون الإسلام وإن كان فيهم انحرافات إلا أنه يسهل جدا أن تُعالج لو وجدوا من يحنون عليهم, ووجدوا من يعلمهم, ووجدوا من يشعر معهم بشعور الجسد الواحد.

فإذا، عندما نتحدث عن بلاد المسلمين فالمحضن التربوي الرئيسي هو المسجد, وفي مرحلة من مراحل دعوة النبي صلى الله عليه وسلم كان المحضن التربوي الرئيسي هو دار الأرقم ابن أبي الأرقم لماذا؟ لأنه مجتمع كافر وعدد المسلمين قليل والمجتمع يواجههم بعنف وإيذاء ولا يوجد فرصة لكي يتعلم الأفراد ويتربون إلا بالاجتماع في مكان منعزل، فكانت دار الأرقم بن أبي الأرقم في هذا الوقت وكانت خارج مكة علي جبل الصفا (1), فلجأ إليها النبي صلى الله عليه وسلم, أما من كان يملك من الصحابة منعة أو نحو ذلك فكان يخرج إلى المجتمع مع كفر ذلك المجتمع, وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يرغبهم في ذلك فلا يأتي أحد الآن ويستنسخ هذه التجربة, فمن جهة نحن أمام مجتمع مسلم, ثم إن وجد إيذاء فلا يبلغ أبدا أن تغلق على نفسك, فلماذا تغلق على نفسك بنفسك وتقتل نفسك بنفسك.  

إذا، فالصورة الأنسب لوضعنا الآن هو أن المسجد هو المحضن التربوي الرئيسي وليس أنه مسجد نحرص على أنه يكون مغلق الأبواب والشبابيك, لا بل مسجد مفتح الأبواب والشبابيك منفتح علي المجتمع خارجه, متفاعل مع المجتمع في تعليم الشرع والتربية عليه, ومصالح المجتمع ككل في أنشطة كالعلاج المجاني والعلاج المخفض والتصدق بالأدوية الزائدة وفصول التقوية , فأي نشاط يستطيع المسجد أن يضيفه إلي ملحقاته ففيه خير , وليس المقصود بالمسجد المكان المعد للصلاة ولكن نقول أن يكون ذلك المسجد هو الموطن الذي يري الناس فيه العلم بالشرع والتطبيق للشرع, وتيسير حاجات الناس المباحة بأسرها, فيتطبق المجتمع القائم علي الإخوة الإيمانية, القائم علي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, القائم علي التراحم والتواصل وغيرها من سمات ذلك المجتمع المسلم, إذا فمن صلاح المجتمع ما ذكرنا.

خامسا- أنظمة المجتمع

ما سبق أن قررناه هو معالم للنظام الاجتماعى فى الإسلام وهو موزع كما سبق بين المجتمع والدولةـ وثمة أنظمة أخرى قد يرى البعض أنها أقرب إلى واجبات الدولة ولكن الفقه الإسلامى مستقر على أن جميع فروض الكفايات واجبة على الأمة ابتداء والإمام نائب أو وكيل عنها مع مشاركة الأمة له فى ذلك، وفى حال غيابه أو تقصيره فيجب على الأمة أن تتعاون فيما بينها على أداء الممكن منها وما عجزوا عنه انصرف الأمر إلى الأخذ بأسبابه.

ومن ثم فيجب أن يكون من معالم إصلاح المجتمع تبصيره بجوانب الحياة التى ينظمها الإسلام ودور المجتمع والدولة فيها.  

ومن هذه الجوانب التعلم والتعليم ونظام الإفتاء ونظام الإعلام و نظام المال أو نظام الاقتصاد بالإضافة إلى نظام الحكم والأنظمة التى تقتضى المصلحة ألا يتولاها إلا الممكن كنظام الجهاد ونظام الجريمة والعقاب.

وسوف يأتى مزيد إيضاح حول بعض هذه المعانى فى الكلام على إصلاح الدولة إن شاء الله.     

----------------------------------------------------------------------------------------------------------                

1) كانت خارج مكة بمعايير ذلك الزمان فكانت في أقصى أطراف مكة.