د. أحمد حمدي - آيات كونية (1-2) - بوابة الفتح الالكترونية
د. أحمد حمدي
2014-01-04 15:23:00

الفرق بيننا وبين السلف، أن السلف كانوا يتذكرون في شيء أو أمر من أمور الكون أو الحياة، فكان أحدهم مثلاً إذا شعر بحر شديد، أو شعر ببخار ماء حار في حمام، تذكر السَموم، وحر جهنم، أو رأى شيئًا يقلى في الزيت، أو يشوى، تذكر المهل والحميم والنار؛ فاستعاذ بالله من نار جهنم، ونحن في فصل الشتاء هناك كثير من العبر والعظات والآيات، تمر علينا دون اعتبار أو تفكر، أو أن نربط الأمر بالأخرة، فلابد لنا من عدة وقفات، خاصة أننا في فصل الشتاء، فهذا هو وقت الحاجة لهذه التذكرة، من باب قوله تعالى:{وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55]، فالريح، والبرد، والشتاء، والرعد، والبرق كل ذلك من خلق الله، وخير الله.

أولاً : الريح :- قال صلى الله عليه وسلم" الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ، وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ، فَلَا تَسُبُّوهَا وَسَلُوا اللَّهَ مِنْ خَيْرِهَا، وَعُوذُوا بِهِمِنْ شَرِّهَا" [أخرجه أحمد في مسنده: 10714]، فالريح قد تكون عذابًا، قال تعالى:{فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَأَ أوْدِيَتِهِمْ قَالُواهَذَاعَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَاعَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25)} [الأحقاف: 24، 25]، وقد أهلك الله عاداً بالريح {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ} [القمر: 19]، وقد كان النبي قال صلى الله عليه وسلم إذا اشتد الريح اضطرب وظهر ذلك في وجهه وخرج من بيته ودخل وتقول عائشة متسائلة عن سر ذلك فيقول الرسول قال صلى الله عليه وسلم : " يَا عَائِشَةُ مَا يُؤْمِنِّي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ؟ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ العَذَابَ، فَقَالُوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ". [أخرجه البخاري،4829]، والرياح أيضًا هي التي تسوق السحاب إلى بلد مميت، وهي سبب المطر، والرحمة، والغيث، والنبات، والخير.وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا اشتد الريح أن يدعو فيقول: «اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ» [أخرجه مسلم: 899]

فالرياح أحيانًا تصل سرعتها إلى مئات الكيلو مترات فيالساعة، تقتلع البيوت والأشجار، وترفع السيارات في الهواء، وتخرج أمواج البحر، وتكون عواصف عاتية، يعذب بها الله من يشاء، فليس كما يدعى الملحدون أنها ثورة الطبيعة، وقوى الطبيعة، بل هو قدرة الله على عبادة، مهما بلغوا منالتقدم والحضارة والتكنولوجيا، فإنهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئًا أمام الهواء الذى هو جند من جنود الله، قال تعالى:{وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ } [المدثر: 31]، فكم رأينا أعاصير كإعصار أندرو، وكاترينا، وغيره، يضرب سواحل أمريكا ودولاً كثيرة،يخلف دمارًا عظيمًا، وتقتل الآلاف من البشر، ويقف البشر عاجزين أمام قدرة الله .

الوقفة الثانية مع البرد: -انظرإلى البرد الشديد الذي أصابنا في الأيام الماضية، خاصة في الأماكن المفتوحة وكمكاد الدم يتجمد في عروقك من الماء البارد، فلنا في ذلك عدة وقفات:

1-إسباغ الوضوء على المكاره: -قال صلى الله عليه وسلم "أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ "[أخرجه مسلم: 251].

2-إذا كان البرد قاتلاً يجوز التيمم رحمة من الله؛ لرفع المهلكة.

3-تذكر برد جهنم،والاستعاذة بالله منه، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال" اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ " [أخرجه البخاري: 3260]، فاستعيذوا بالله من عذاب جهنم، انظرإلى الحكمة من قوله تعالى للنار:{قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًاوَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ } [الأنبياء: 69]؛ لأنها لوصارت بردًا فقط، لربما قتلته. فسبحان الله النار لها برد يقتل، فبدلاً من أن نشتكي من البرودة، ونهرع إلى الدفايات، والسخانات، والملابس الثقيلة، والأغطية وفقط، نتذكر، فنستعيذ بالله من النار.

4-من الرخص أن يمسح المسلم على الجوربين، أو الخفين (الشراب)،إذا لبسهما على طهارة، إذا كان مقيم يوم وليلة.

5-أنتتذكر إخوانك المظلومين المأسورين في السجود، وكذلك المجاهدين في سوريا (فهناك 4 مليون في سوريا يعيشون في مخيمات في العراء، حيث البرد القارس، وظروف صعبة يحتاجون،إلى تبرعاتنا للغذاء،والدواء، والغطاء، فلا ننساهم من صدقاتنا)، وأفغانستان الذين يعيشون في الجبال، حيث البرد الشديد والثلوج، فتحمد الله على ما أنت فيه من العافية، ونستشعر ضعفنا، وتنطلق ألسنتنا بالدعاء لهم، أن يحفظهم الله، وأن ينصرهم، وأن ينزل عليهم السكينة والرحمة.

6-تذكر إخوانك الفقراء، الذين لايجدون غطاء، أو ليس لهم ما يغلقون نوافذهم؛ فتتصدق عليهم، وتحث الناس وأهل الخير في المساجد على شراء بطاطين أو التبرع بملابس الشتاء لهم، وهذا من حقوق الأخوة الإيمانية، والمواساة، والتكافل بين المسلمين، قال صلى الله عليه وسلم:"مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى" [أخرجه مسلم: 2586].
وللحديث بقية عن آداب أخرى في فصل الشتاء.