زين العابدين كامل - فوبيا المظلومية وتقمص دور الضحية - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد؛                                                                                          

إن البعض قد يحلو له أن يعيش في كثير من الأحيان دور الضحية، بل ويبحث له بكل سبيل عن هذا الدور، ولو لم يجد مذبحة، لأوجدها هو لنفسه؛ ليحصل على لقب الضحية، ويرى هؤلاء المساكين أنهم بهذا الدوريسيطرون على قلوب الجماهير، ويملكون عواطفهم، ويأسرون مشاعرهم، ويحققون بذلك الانتصارات.

وتراهم يعيشون دور الضحية بدهاء وذكاء وإتقان، حتى يصل بهم الأمر الى أن يصدقوا أنفسهم، بل وينخدعون بما خدعوا به الجماهير، ولا يتقن لعب دور الضحية إلا البارعون في انتاج المشاعر وتزويرها.. وهذا خبث مع دهاء في آن واحد.

وللأسف، ترى بعض الناس لا سيما أصحاب العواطف، والحماس، والانفعال، يصدقون هذا الدور، وكأنه حقيقة، فيقومون بدور المدافع عن القائم بدور الضحية، إما جهلا منهم بحقيقة الأمر، أو لحسن ظنهم بصاحب الدور، وهذا كامرأة تبكى أمام أحد المسلسلات التلفزيونية؛ لتأثرها بمشهد درامي وهي قد نسيت أنها تشاهد مسلسلا، وهذا الدور كان الناس ينخدعون به سابقا، أي قبل الثورة لما يرونه من ظلم وبغي من النظام الحاكم ؛ لكن الضحية بعد نجاح الثورة لم تعد ضحية، وليس لها اليوم حق في أن تتاجر تارة بالدماء، وتارة أخرى بمشاعر الناس وبالمظلومية  .. . ولم يكن عاقل وقتها ليلوم الضحية، وهي مستضعفة،  لقد كان الناس يتعاطفون بلا تردد مع المظلوم.

كان يكفي مثلاً أن تقول:«إخوان مسلمين»؛ لتسمع الناس وهم يقولون: «مظلومون».

أما الآن وبعد أن فقد المظلومون  صفة الضحية؛ فسيصبح هذ الدور عبارة عن( فوبيا المظلومية، وتقمص دور الضحية(!   وعندما تسود فكرة "نحن ضحية" بين أبناء فئة، أو طائفة، أو جماعة، أو حزب  داخل المجتمع، فإنها تكون جزءاً أساسياً، وفاعلاً فى نشر الفوضى العاطفية، والفكرية فى المجتمع، وعندما يحتدم الصراع الداخلي بين القوى المختلفة فى بلد من البلدان، ويتحول إلى حرب، تحتاج الفئات الاجتماعية المتنازعة إلى تثبيت صورة اجتماعية محددة عن نفسها، صورة يجتمع عليها أبناؤها، وتجعلهم يقدمون لأجلها التضحيات، ولوحظ أن فكرة "نحن الضحية"، موجودة عند غالب  الفئات المتنازعة في الحروب الداخلية، وخطاب الشكوى من الظلم يكون بارزاً بقوة عند الفئتين، وتتنافس الفئتان في الشكوى، ويطلق العلماء على هذه الظاهرة اسم "التظلم التنافسي".

وأحيانا يكتسب المظلوم بعض صفات الظالم، ويتحول الضحية الى جبار متكبر، والعياذ بالله، و لعل أبرز مثال على ظاهرة اعتداء الضحية، نراه في أحد المشاهد من قصة بني إسرائيل، وهو مشهد قصة قارون، فإن قارون كان من بني إسرائيل، وهم الذين مروا بتجربة الاستضعاف عندما كان فرعون وآله يسومونهم سوء العذاب، وعندما تمكن قارون وقوي بماله بغى على قومه بني إسرائيل "إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ" [سورة القصص]، فكرر قارون عملية البغي، ومارسها على قومه أنفسهم ليس على قوم آخرين.
 

ومن  الملاحظ في هذه المشاهد أن المظلوم قد يتعلم الظلم من ظالمه، وقد يسعى لإقامة ظلم جديد، ولعل أقرب تفسير لهذه العملية هو "تعلق المغلوب بالغالب"، وهي ظاهرة تحدث عنها العالم العربي ابن خلدون في "مقدمته"، واعتبرها من ضمن  ظاهرة التظلم التنافسي، فالمستضعفون قد يتلقون من ظالميهم طريقة العيش ومنهج الحياة، وقد يتمثلون بعضاً من قيم مجتمع الظالمين، وربما يستقر في عقولهم أن هذه الطريقة هي سبيل التفوق، وأن المعايير التي تحملها هذه القيم هي معايير التميز. والسؤال الذي نطرحه، وهو يفرض نفسه على واقعنا المعاصر، هل سينجح صاحب دور الضحية في خداع بعض الجماهير؟ أقول: لعله ينجح نجاح الراسب الذي فرح بتقدير مقبول، بعد اعادة اختباره، ولكن لن يستمر طويلا فى الخداع لماذا؟ لأنك لن تستطيع أن تخدع بعض الناس طول الوقت، أو أن تخدع كل الناس بعض الوقت ؟ ومن باب  الدين النصيحة.                                                                                 

أنصح إخوانى، أن ينتبهوا لمثل هذا الدور الذي يبرع البعض فى القيام به، وكأنه حقيقة. لاسيما ونحن نراه يتلذذ بهذا الدو، لأنه يشعر بانتصار عند خداعه بعض أصحاب العواطف. إن حياة المظلومية التي يحلو للبعض أن يحياها، لن تدوم طويلا، وستذكرون ما أقول لكم. وكان من الأولى والأجدر لهؤلاء أن يتراجعوا قليلا، ويراجعوا أنفسهم، ويقفوا مع أنفسهم وقفة المخلص الصادق مع نفسه ومع ربه، كما فعل الصحابة رضى الله عنهم بعد غزوة أحد، فلقد هٌزم المسلمون فى أحد، وقائد الميدان هو سيد الأنام، صلى الله عليه وسلم، ولكنهم لم ينكروا خطأهم، ولكنهم اعترفوا به، وحاولوا مرة أخرى وانتصروا بعد ذلك، لما تخلصوا من الوهن، وحب الدنيا، قال تعالى: { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165].

أوَ حين أصابتكم أيها المؤمنون،مصيبة وهي القتلى الذين قتلوا منهم يوم أحد، والجرحى الذين جرحوا منهم بأحد، وكان المشركون قتلوا منهم يومئذ سبعين نفرًا . قد أصبتم مثليها"، أنتم أيها المؤمنون، من المشركين مثلي هذه المصيبة، التي أصابوا هم منكم، وهي المصيبة التي أصابها المسلمون من المشركين ببدر، وذلك أنهم قتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين "قلتم أنى هذا"، يعني: قلتم لما أصابتكم مصيبتكم بأحد "أنى هذا"، من أيِّ وجه هذا بأى سبب هذا؟ لماذا الهزيمة؟.
 

وأنا أقول وأسأل، لماذا الفشل؟ لماذا ضاع النصر؟ لماذا ضاع التمكين ؟ لماذا هٌزمنا؟ لماذا ضاع الحٌلم؟ أين المشروع الاسلامى؟ هكذا قال الصحابة رضى الله عنهم:  من أين أصابنا هذا الذي أصابنا، ونحن مسلمون وهم مشركون، وفينا نبي الله صلى الله عليه وسلم يأتيه الوحي من السماء، وعدوُّنا أهل كفر بالله وشرك؟ فأجاب الله تعالى "قل" يا محمد للمؤمنين بك من أصحابك "هو من عند أنفسكم"، قل لهم: أصابكم هذا الذي أصابكم من عند أنفسكم، بخلافكم أمري وترككم طاعتي، لا من عند غيركم، ولا من قبل أحد سواكم "إن الله على كل شيء قدير"، إن الله على جميع ما أراد بخلقه؛ من عفو، وعقوبة، وتفضل، قدير سبحانه وتعالى والله المستعان.