د. ياسر برهامي - وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ (13) - بوابة الفتح الالكترونية
د. ياسر برهامي
2017-08-25 00:38:19

وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ (13)

تكملة لبعض أحكام عقد الأمان 4


نستكمل في هذا المقال بعض أحكام الأمان، في مذهب الشافعية، كما ذكره الإمام النووي -رحمه الله- في كتابه "روضة الطالبين" الجزء العاشر ابتداءً من صفحة 278.

 

عَقْدُ الأمان مَبْنِيٌّ على مصلحة المسلمين

قال النووي -رحمه الله-: (قَدْ تَقْتَضِي الْمُصْلِحَةُ الْأَمَانَ لِاسْتِمَالَتِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، أَوْ إِرَاحَةِ الْجَيْشِ، أَوْ تَرْتِيبِ أَمْرِهِمْ، أَوْ لِلْحَاجَةِ إِلَى دُخُولِ الْكُفَّارِ، أَوْ لِمَكِيدَةٍ وَغَيْرِهَا.). انتهى.

[وهذا الجزء يدلنا على فقه قضية الأمان وأنه مَبْنِيٌّ على مصلحة المسلمين، وهذا يُقَدَّم فيه أمر الدعوة إلى الله -سبحانه وتعالى- واستمالة الكفار إلى دين الإسلام، وقد يكون لمصلحة المسلمين في إراحة جيوشهم، لأن القتال مقصوده نفع المسلمين لا ضررهم؛ فإذا كانت المصلحة في ذلك جاز عقد الأمان عامًا وخاصًا، وكذلك من المصالح: الحاجة إلى دخول الكفار إلى بلاد المسلمين لتجارة أو لأداء رسالة أو غير ذلك، فلابد أن يراعي المسلمون أحوالهم، ويراعوا قوتهم وضعفهم ومصلحتهم ومفسدتهم في هذا الباب، بخلاف من لا يراعي هذه الأمور ويصطدم بالمسلمين دون مراعاة مصالحهم، ودون مراعاة قوة الكفار وضعفهم، وقوة المسلمين وضعفهم؛ فيصادمون أحكام الشريعة ويضرون المسلمين أنواع الأضرار].

 

أقسامُ الأمان: عامٌّ، وخاصٌّ

قال النووي -رحمه الله-: (وَيَنْقَسِمُ [أي الأمان] إِلَى:

عَامٍّ: وَهُوَ مَا تَعَلَّقَ بِأَهْلِ إِقْلِيمٍ أَوْ بَلَدٍ، وَهُوَ عَقْدُ الْهُدْنَةِ، وَيَخْتَصُّ بِالْإِمَامِ وَوُلَاتِهِ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِهِ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى-.

وَخَاصٍّ: وَهُوَ مَا تَعَلَّقَ بِآحَادٍ، وَيَصِحُّ مِنَ الْوُلَاةِ وَالْآحَادِ.

 

ما يجوز لآحاد المسلمين

قال النووي -رحمه الله-: (وَالْبَابُ مَعْقُودٌ لِهَذَا.. وَفِيهِ مَسَائِلُ:

إِحْدَاهَا: إِنَّمَا يَجُوزُ لِآحَادِ الْمُسْلِمِينَ أَمَانُ كَافِرٍ، أَوْ كُفَّارٍ مَحْصُورِينَ، كَعَشرَةٍ وَمِائَةٍ، وَلَا يَجُوزُ أَمَانُ نَاحِيَةٍ وَبَلْدَةٍ..

وَفِي الْبَيَانِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُؤَمِّنَ وَاحِدٌ أَهْلَ قَلْعَةٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقَرْيَةَ الصَّغِيرَةَ فِي مَعْنَاهَا، وَعَنِ الْمَاسَرْجَسِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَمَانُ وَاحِدٍ لِأَهْلِ قَرْيَةٍ وَإِنْ قَلَّ عَدَدُ مَنْ فِيهَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ..

وَضَابِطُهُ: أَنْ لَا يَنْسَدَّ بِهِ بَابُ الْجِهَادِ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ، فَإِذَا تَأَتَّى الْجِهَادُ بِغَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمَنْ أُمِّنَ، نَفَذَ الْأَمَانُ، لِأَنَّ الْجِهَادَ شِعَارُ الدِّينِ وَالدَّعْوَةِ الْقَهْرِيَّةِ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ مَكَاسِبِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَظْهَرَ بِأَمَانِ الْآحَادِ انْسِدَادُهُ أَوْ نُقْصَانٌ يُحَسُّ..

قَالَ الْإِمَامُ: وَلَوْ أُمِّنَ مِائَةُ أَلْفٍ مِنَ الْكُفَّارِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ لَمْ يُؤَمِّنْ إِلَّا وَاحِدًا، لَكِنْ إِذَا ظَهَرَ انْسِدَادٌ أَوْ نُقْصَانٌ، فَأَمَانُ الْجَمِيعِ مَرْدُودٌ..

وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: إِنْ أَمَّنُوهُمْ مَعًا فَرَدُّ الْجَمِيعِ ظَاهِرٌ، وَإِنْ أَمَّنُوهُمْ مُتَعَاقِبِينَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ أَمَانُ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ إِلَى ظُهُورِ الْخَلَلِ، عَلَى أَنَّ الرُّويَانِيَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَوْ أَمَّنَ كُلُّ وَاحِدٍ وَاحِدًا، جَازَ، وَإِنْ كَثُرُوا حَتَّى زَادُوا عَلَى عَدَدِ أَهْلِ الْبَلْدَةِ.
الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَصِحُّ أَمَانُ الْمُتَعَاقِبِينَ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ الْخَلَلُ، وَهُوَ مُرَادُ الْإِمَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

 

حكم عقد الأمان للكافر بعد أَسْرِه

وَسَوَاءً كَانَ الْكَافِرُ الْمُؤَمَّنُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ فِي حَالِ الْقِتَالِ أَوِ الْهَزِيمَةِ، أَوْ عِنْدَ مَضِيقٍ، بَلْ يَصِحُّ الْأَمَانُ مَا دَامَ الْكَافِرُ مُمْتَنِعًا، فَأَمَّا بَعْدَ الْأَسْرِ، فَلَا يَجُوزُ لِلْآحَادِ أَمَانُهُ وَلَا الْمَنُّ عَلَيْهِ..

وَلَوْ قَالَ وَاحِدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: كُنْتُ أَمَّنْتُهُ قَبْلَ هَذَا، لَمْ يُقْبَلْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقَرَّ بِأَمَانِ مَنْ يَجُوزُ أَمَانُهُ فِي الْحَالِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ..

وَلَوْ قَالَ جَمَاعَةٌ: كُنَّا أَمَّنَّاهُ، لَمْ يُقْبَلْ أَيْضًا، لِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى فِعْلِهِمْ..

وَلَوْ قَالَ وَاحِدٌ: كُنْتُ أَمَّنْتُهُ، وَشَهِدَ بِهِ اثْنَانِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا.

فَرْعٌ.. فِي جَوَازِ عَقْدِ الْمَرْأَةِ اسْتِقْلَالًا وَجْهَانِ.

صحة أمان المُسْلِم المُكَلَّف المُختار

الثَّانِيَةُ: يَصِحُّ الْأَمَانُ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ، فَيَصِحُّ أَمَانُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ سَيِّدُهُ كَافِرًا، وَالْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى، وَالْفَقِيرِ وَالْمُفْلِسِ، وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ، وَالْمَرِيضِ وَالشَّيْخِ الْهَرَمِ، وَالْفَاسِقِ، وَفِي الْفَاسِقِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ، وَلَا يَصِحُّ أَمَانُ كَافِرٍ وَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَمُكْرَهٍ، وَفِي الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَجْهٌ كَتَدْبِيرِهِ.

 

ألفاظ الأمان: صريح، وكناية

الثَّالِثَةُ: يَنْعَقِدُ الْأَمَانُ بِكُلِّ لَفْظٍ يُفِيدُ الْغَرَضَ، صَرِيحٍ أَوْ كِنَايَةٍ.

فَالصَّرِيحُ: أَجَرْتُكَ، أَوْ أَنْتَ مُجَارٌ، أَوْ أَمَّنْتُكَ، أَوْ أَنْتَ آمِنٌ، أَوْ فِي أَمَانِي، أَوْ لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، أَوْ لَا خَوْفَ عَلَيْكَ، أَوْ لَا تَخَفْ، أَوْ لَا تَفْزَعْ، أَوْ قَالَ بِالْعَجَمِيَّةِ: مُتَرَّسٌ..

وَقَالَ صَاحِبُ «الْحَاوِي»: لَا تَخَفْ، لَا تَفْزَعْ. كِنَايَةٌ.

وَالْكِنَايَةُ، كَقَوْلِهِ: أَنْتَ عَلَى مَا تُحِبُّ، أَوْ كُنْ كَيْفَ شِئْتَ.

 

انعِقادُ الأَمان بالكتابة والرسالة والإشارة

وَتَنْعَقِدُ بِالْكِتَابَةِ وَالرِّسَالَةِ، سَوَاءً كَانَ الرَّسُولُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، وَبِالْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ مِنْ قَادِرٍ عَلَى الْعِبَارَةِ. وَبِنَاءُ الْبَابِ عَلَى التَّوْسِعَةِ.).انتهى.

[ونحب التنبيه في هذا الموضع على قوله "وَبِنَاءُ الْبَابِ عَلَى التَّوْسِعَةِ" فإنها مسألة عظيمة الأهمية في العلاقة بين المسلمين وغيرهم؛ فإن التوسع في باب الأمان مع الاحتمال يثبت الأمان ويمنع الاعتداء والاغتيال، فإن ذلك يدلنا على مقاصد الشريعة في هذا الباب، وهو تحقيق مصالح المسلمين، ومشروعية الاختلاط بينهم وبين غيرهم، من أجل بيان محاسن الإسلام، ومن أجل تحقيق المصالح العامة والخاصة لمجتمعات المسلمين وأفرادهم ودُوَلِهم].

 

اشتراط قبول الكافر بالأَمان

قال النووي -رحمه الله- في "روضة الطالبين" ( ج 10 – ص 279):

(فَأَمَّا الْكَافِرُ الْمُؤَمَّنُ فَلَا بُدَّ مِنْ عِلْمِهِ وَبُلُوغِ خَبَرِ الْأَمَانِ إِلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ، فَلَا أَمَانَ، فَلَوْ بَدَرَ مُسْلِمٌ فَقَتَلَهُ، جَازَ..

وَإِذَا خَاطَبَهُ بِالْأَمَانِ، أَوْ بَلَغَهُ الْخَبَرُ، فَرَدَّهُ، بَطَلَ.. وَإِنْ قَبِلَ، أَوْ كَانَ قَدِ اسْتَجَارَ مِنْ قَبْلُ، تَمَّ الْأَمَانُ..

وَلَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ لَفْظًا، بَلْ تَكْفِي الْإِشَارَةُ وَالْأَمَارَةُ الْمُشْعِرَةُ بِالْقَبُولِ..

فَإِنْ كَانَ فِي الْقِتَالِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكَ الْقِتَالُ، فَلَوْ سَكَتَ، فَلَمْ يَقْبَلْ وَلَمْ يَرُدَّ، قَالَ الْإِمَامُ: فِيهِ تَرَدُّدٌ، وَالظَّاهِرُ: اشْتِرَاطُ قَبُولِهِ، وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ، وَاكْتَفَى الْبَغَوِيُّ بِالسُّكُوتِ..

وَلَوْ قَالَ الْكَافِرُ: قَبِلْتُ أَمَانَكَ، وَلَسْتُ أُؤَمِّنُكَ فَخُذْ حِذْرَكَ، قَالَ الْإِمَامُ: هُوَ رَدٌّ لِلْأَمَانِ، لِأَنَّ الْأَمَانَ لَا يَثْبُتُ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ دُونَ الْآخَرِ.

وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ الْأَمَانِ بِالْأَعْذَارِ..

 

حرمة اغتيال من ظَنَّ الإِشَارة أَمَانًا

وَلَوْ أَشَارَ مُسْلِمٌ إِلَى كَافِرٍ فِي الْقِتَالِ، فَانْحَازَ إِلَى صَفِّ الْمُسْلِمِينَ، وَتَفَاهَمَا الْأَمَانَ، فَهُوَ أَمَانٌ، وَإِنْ قَالَ الْكَافِرُ: ظَنَنْتُ أَنَّهُ يُؤَمِّنُنِي، وَقَالَ الْمُسْلِمُ: لَمْ أُرِدْهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ وَلَا أَمَانَ، وَلَكِنْ لَا يُغْتَالُ، بَلْ يلحَقُ بِمَأْمَنِهِ، وَكَذَا لَوْ دَخَلَ بِأَمَانِ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ مُكْرَهٍ، وَقَالَ: ظَنَنْتُ صِحَّتَهُ، أَوْ ظَنَنْتُهُ بَالِغًا، أَوْ عَاقِلًا، أَوْ مُخْتَارًا.). انتهى.

[وهذا يدلنا على أنه مع عدم صحة الأمان إلا أنه لا يُقْتَل ولا يُعَامَل كالحَرْبِيِّ، وإنما يُرَدُّ إلى مَأْمَنِه؛ لأنه -مع الاحتمال- فالأصل عدم سَفْكِ دَمِه وأَخْذِ مَالِه بغير حق، وهذا أمر عظيم الأهمية في طريقة التعامل بين المسلمين وبين الكفار الذين يدخلون بلادهم، وسيأتي مزيدُ بيانٍ إذا دَخَل المُسْلِمُ بلادَهم].

قال النووي -رحمه الله- في "روضة الطالبين" ( ج 10 – ص 280):

وَلَوْ قَالَ: عَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يُرِد الْأَمَانَ، فَقَدْ دَخَلَ بِلَا أَمَانٍ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: عَلِمْتُ أَنَّهُ كَانَ صَبِيًّا وَأَنَّهُ لَا أَمَانَ لِلصَّبِيِّ..

وَلَوْ مَاتَ الْمُسْلِمُ الْمُشِيرُ قَبْلَ الْبَيَانِ، فَلَا أَمَانَ وَلَا اغْتِيَالَ.


فَرْعٌ.. حكم من دخل بلادنا بسبب

مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ اعْتِبَارِ صِيغَةِ الْأَمَانِ هُوَ فِيمَا إِذَا دَخَلَ الْكَافِرُ بِلَادَنَا بِلَا سَبَبٍ، فَلَوْ دَخَلَ رَسُولًا، فَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الرَّسُولَ لَا يُتَعَرَّضُ لَهُ..

وَلَوْ دَخَلَ لِيَسْمَعَ الذِّكْرَ، وَيَنْقَادَ لِلْحَقِّ إِذَا ظَهَرَ لَهُ، فَكَذَلِكَ..

وَقَصْدُ التِّجَارَةِ لَا يُفِيدُ الْأَمَانَ، وَلَكِنْ لَوْ رَأَى الْإِمَامُ مَصْلَحَةً فِي دُخُولِ التُّجَّارِ، فَقَالَ: مَنْ دَخَلَ تَاجِرًا، فَهُوَ آمِنٌ، جَازَ، وَمِثْلُ هَذَا الْأَمَانِ لَا يَصَحُّ مِنَ الْآحَادِ..

وَلَوْ قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّ قَصْدَ التِّجَارَةِ يُفِيدُ الْأَمَانَ، فَلَا أَثَرَ لِظَنِّهِ وَيُغْتَالُ إِذْ لَا مُسْتَنَدَ لَهُ..

وَلَوْ سَمِعَ مُسْلِمًا يَقُولُ: مَنْ دَخَلَ تَاجِرًا، فَهُوَ آمِنٌ، فَدَخَلَ وَقَالَ: ظَنَنْتُ صِحَّتَهُ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُغْتَالُ.

وللحديث بقية -إن شاء الله تعالى-.