محمود عبد الحفيظ البرتاوي - ميزان الصلاح والإصلاح - بوابة الفتح الالكترونية


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ففي أزمنة الفتن تنتشر الشهوات، وتكثر البدع والشبهات، وتتعدد المشارب والأهواء، حتى إن الحقائق قد تلتبس على كثيرٍ مِن الخلق والعباد، فلا يَعرف أكثرهم -إلا مَن رحم الله- الصلاح مِن الفساد، والغي مِن الرشاد، (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) (البقرة:220)، (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ) (يونس:40).

ويزداد الأمر خطرًا مع وجود أشباه العلماء مِن الجهلاء والدهماء، وادعاء أهل الهوى والضلال أنهم أهل الصلاح والإصلاح، وما هم إلا مسرفون، يفسدون في الأرض ولا يصلحون.

وقد بيَّن الله أن كل مَن خالف شريعته "كتابه وسنة رسوله" فقد رام في الأرض الفساد، وهو ممن يسعى فيها بالخراب، فقال: (وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا) (الأعراف:56)، والأرض إنما صلحتْ ببعثة النبي -عليه السلام-؛ فحذر الله مِن السعي فيها بعد ذلك بالإفساد.

قال أبو بكر بن عياش: "إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَهُمْ فِي فَسَادٍ؛ فَأَصْلَحَهُمُ اللَّهُ بِمُحَمَّدٍ، فَمَنْ دُعِيَ إِلَى خِلافِ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ؛ فَهُوَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ" (تفسير ابن أبي حاتم).

وقال أبو العالية: "مَنْ عَصَى اللَّهَ فِي الْأَرْضِ فَقَدْ أَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ صَلَاحَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ بِالطَّاعَةِ" (تفسير ابن كثير).

وقد حذر الله مِن المنافقين المدعين للإصلاح: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) (البقرة:11)، فجمعوا بيْن الإفساد في الأرض وإظهار أنه ليس بإفسادٍ، بل إصلاح! وهذا قلب للحقائق؛ فأكذبهم الله، وحصر فيهم الإفساد (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ) (البقرة:12).

وذكر لنا قول فرعون: (ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) (غافر:26)! ففرعون -وهو مَن هو في الظلم والفساد- يدعي النصح والإصلاح زاعمًا أن موسى مِن الساعين في الأرض بالفساد! وقال الله عنه: (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) (غافر:29).

فبينت الآيات: أن مِن الناس مَن يكون رأسًا في الفساد والإفساد ثم يزعم أنه مِن أهل الإصلاح، وأن مِن الناس مَن يتبع هواه فلا يصلح كما أمر الله ورسوله، ولكن وفق ما يمليه عليه هواه، وهو مع ذلك يطعن في أهل الإصلاح ويرميهم بصفات التنفير والإبعاد، كما قال -تعالى- عن هؤلاء: (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) (الذاريات:52).

فإذا كان أهل الإصلاح والتنوير الحقيقيين مِن صفوة الخلق مِن المرسلين والنبيين -وتابعيهم بإحسان- قد تعرضوا لأعظم الكيد والاضطهاد والتشويه "ومع ذلك لمْ تَمُتْ دعوتهم"؛ فكذلك غيرهم ممن يسير على طريقهم؛ ولا يضرهم ما يقوله أعداؤهم عنهم.

فليس إذن ميزان الحكم على أحدٍ بالصلاح أو الفساد ما يُشاع من مدحٍ أو ذمٍّ.

وإنما ميزان ذلك أن يكون الداعي إلى الإصلاح والآمر به مِن الصالحين والمعظـِّمين لحرمات الله وشعائر الدين؛ يمارس ذلك، ويدعو إليه؛ فهذا صالح مصلح وإن رُمي بغير ذلك.

وكل معارض لشريعة الله، منتقص منها، معرض عنها؛ فهو فاسد مفسد وإن زعم خلاف ذلك، وبقدر القرب مِن الوحي الشريف أو البعد عنه "كتابًا وسنة" بقدر ما يكون عند الإنسان مِن الصلاح والخير.

ولا يمكن أن يسير أحدٌ على طريق الإصلاح الحقيقي دون أن يتأسى بالنبي -صلى الله عليه وسلم-.

نسأل الله أن يجعلنا مِن أهل الهدى والرشاد، وأن يجعلنا مِن الصالحين المصلحين.