م. إيهاب شاهين - المَلاحِدة .. وقِصّة الخلق (1) - بوابة الفتح الالكترونية
م. إيهاب شاهين
2017-04-18 21:22:52

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

بَيَّنَ لنا الله -عزّ وجلّ- في القرآن كيف خلق السموات والأرض وكيف خلق الإنسان؛ لأن هذا العلم يستحيل أن يُتَوَصَّل إليه إلا من خلال الوحي، والسبب في ذلك أمر بدهي، لأن الإنسان لم يشهد خلق السموات والأرض ولا حتي خلق نفسه, كما قال الله تعالى (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ)..

ولكن أبى المُلحِدون إلا أن يطوفوا بعقولهم في غير نطاقها، ومن هنا حدث الخلل؛ لأن العقل له نطاق واسع يتجول فيه، وإذا تخطى هذا النطاق وذهب يبحث عن علل لأشياء تفوق قدرته تعطل وتوقف عن أداء وظيفته، كمن يكلف أحدًا أن يسمع بأذنه فوق مداها فلن يستطيع، وهذا الذي يؤدي إلى تعطيل الأذن..

وهذه القضية ليس للعقل إدراكها؛ لأن الأمور التي لم يشهدها الإنسان لها طريقان للمعرفة: إما المشاهدة، أو الإخبار عن طريق الثقات..

والسبيل الأول في قضية خلق السماوات والأرض -وكذلك الإنسان- سبيلٌ معدوم؛ لأن الإنسان لم يشهد ذلك..

والسبيل الثاني مقطوع إلا عن طريق خالق السماوات والأرض والإنسان, وهذا في حد ذاته إثبات لربوبية الله تعالى.

هذا الأمر البدهيّ أَنكَرَه المَلاحِدة؛ ولذلك سعوا بكل سبيل لإثبات  نظريات في الكون والإنسان، وأن هذا الكون أَزَلِيّ، أو أن المادة هي الأَزَلِيّة الخالِقة، وأن الإنسان وُجِدَ عن طريق جرثومة في البِرَك مَرَّت بمراحل تتطورت فيها عبر ملايين السنين حتى وصلت إلى صورة الإنسان الحالي!؛ كل هذا الصراع والهروب من الفطرة والبدهيات من أجل إنكار وجود الله الخالق!!

وصعوبة الحوار مع هؤلاء تكمن في إنكارهم للبدهيات؛ لذلك قال العلماء: "مِن المُعضِلات تبيين الواضحات"، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يتمثل هذا البيت للرد على أمثال هؤلاء:

ولا يصح في الأذهان شيئ ... إن احتاج النهار إلى دليل!

ولذلك يجدر بنا أن نعود إلى الوحي حتي نعرف كيف بدأ الخلق..

تعود قصة الخلق إلى سورة البقرة، ثم فُصِّلَت، والنازعات، وق..

في سورة البقرة ذَكَر اللهُ -عَزَّ وجَلَّ- أنه خَلَق الأرض أولًا، ثم السماوات، في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، وفي سورة فُصِّلَت بَيَّنَ مُدَّة ذلك فقال: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)..

ولكن قد يَرِدُ على هذا الترتيب البديع إشكالٌ، تَمَسَّك به المَلاحِدة للطعن في الدين, وسنعرف هذا الإشكال وحَلَّه في المقال التالي بإذن الله.. والحمد لله رب العالمين.