شريف طه - الذكاء لا يعني الإلحاد - بوابة الفتح الالكترونية
شريف طه
2017-03-22 22:33:21

ظاهرة الإلحاد ليست جديدة في المجتمعات الإسلامية، بل عرف التاريخ الإسلامي عددًا من كبار الملاحدة، منهم من لاقى عقابه الرادع، ومنهم من تراجع، أو حُكِي تراجعه، والمتأمل في هذه النماذج يجد سمات مشتركة، في مقدمتها الذكاء، وكثرة الاطلاع، خاصة على العلوم الفلسفية، ومجافاة الكتاب والسُنّة بل وازدراء المشتغلين بهما، مع قلة الديانة والورع.

كثيرًا ما يكون الذكاء والموهبة الفطرية سببًا في إعجاب المرء بنفسه، واحتقاره لمن سواه، وهذا الاحتقار مرض متلازم مع الكبر الذي عَرّفَه النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: (الكِبْرُ بَطَرُ الحَقّ وغَمْطُ الناس)  [رواه مسلم]، حيث تُحَدِّثه نَفْسُه دومًا بإمكانياته التي فاق بها من حوله ممن يراهم من الأراذل وضعاف العقل  الذين انقادوا للحق أول ما عرض عليهم لموافقته فطرتهم، ولكنها مَسَبّةٌ وانتقاصٌ عند القوم أن يُؤْمِن الشخص دون مراء وجدل! كما قال الكُبَراء من قوم نوح لنبيهم عليه السلام: ﴿ما نَراكَ إِلّا بَشَرًا مِثلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذينَ هُم أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأيِ وَما نَرى لَكُم عَلَينا مِن فَضلٍ بَل نَظُنُّكُم كاذِبينَ﴾ [هود: ٢٧] ولذا كان أكثر أتباع الأنبياء من الضعفاء، من غير الملأ الذين امتلأت قلوبهم كِبرًا وعُجْبًا، كما في الحديث حينما سأل هرقلُ أبا سفيان عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم، ثم قال هرقل معقبًا: وهم أتباع الرسل" [رواه البخاري].

ويوم القيامة تنكشف الحقيقة لهؤلاء المُغتَرّين بعقولهم حينما ينكشف الغطاء فيقولون: ﴿لَو كُنّا نَسمَعُ أَو نَعقِلُ ما كُنّا في أَصحابِ السَّعيرِ﴾ [الملك: ١٠]؛ فالذكاء لا قيمة له ما لم يقترن بإيمان وتقوى وعقل.

والذكاء ليس مرادفًا للعقل، فالعقل الحقيقي هو الذي ينتفع صاحبه بما معه من علم وما وهبه الله من الذكاء، وقد يكون الشخص كثير العلم، وافر الذكاء، قليل العقل، خاليًا من التقوى؛ فيكون الهلاك والعطب.

في ترجمة أحد قدامى الملاحدة  "الشهاب السهروردي ت٥٨٧هـ" الفيلسوف، يقول عنه الذهبي في تاريخه ( ٨٤٤/١٢): "شابٌ فاضِلٌ، مُتَكَلِّم، مُناظِرٌ، يَتوقّد ذَكاءً. كان أوحد في العلوم الحكمية [يقصد بها: العلوم الإنسانية العقلية]، جامعًا لفنون الفلسفة، بارعًا في أصول الفقه، مفرط الذكاء، فصيح العبارة، لم يناظِر أحدًا إلا أربى عليه [تفوق عليه]، وكان علمه أكثر من عقله..

ثم نقل عن فخر الدين المارديني قوله: ما أذكى هذا الشاب وأفصحه إلا أني أخشى عليه لكثرة تهوره واستهتاره تلافَه. ثم قال فيه الذهبي: سائر كتبه فلسفة وإلحاد. نسأل الله السلامة في الدين"..

وقال ابن كثير في ترجمته في طبقات الشافعيين (ص:٧٣٥) بعد ذكر قتله: "ولو أنه اقتفى بالآثار النبوية والأخبار المصطفوية المنقولة بالسند الصحيح عن خير البرية لأحسن من هذه البلية ولرفع يوم القيامة إلى الجنة العلية".

وهذا أنموذج آخر لأحد المرتكسين  في ظلمات الإلحاد، في ترجمة "ابن الراوندي ت  ٢٨٩هـ" في السير ( (٦١/١٤) يقول الذهبي: "قال البلخي: لم يكن في نظراء ابن الراوندي مثله في المعقول، وكان أول أمره حسن السيرة، كثير الحياء، ثم انسلخ من ذلك لأسباب، وكان علمه فوق عقله".

ليس الأمر بوفرة الذكاء، ولا كثرة الاطلاع، وإنما المعيار بحصول التقوى، ورحم الله الذهبي حينما قال مُعَلِّقًا على سيرة الأخير: "لعن الله الذكاء بلا إيمان، ورضي عن البلادة مع التقوى".