أحمد السيد الحمدون - حافظ مش فاهم! - بوابة الفتح الالكترونية

هناك من طلبة العلم أو حُفّاظ القرآن من يحفظ ولا يفهم، فتراه لا يفقه ما يقرأ أو يحفظ، كالآلة تحفظ البيانات فقط، وهذا أمر مذموم..

وقد كنت أستبعد هذا الأمر حتى عايَنْتُه وخَبرْتُه؛ فترى أحدهم حافظًا للقرآن ثم هو لم يطلب عِلمه ولا تفسيره وفقه آيات أحكامه، وترى أحدهم يحفظ متون الحديث أو متون العلم ويفهمها على غير وجهها أو لا يفهمها أصلًا، ولا ينشغل بذلك وإنما هو جامِعٌ، وهناك من يتعامل معها تعاملًا ظاهريًا دون تأمل، ويضرب النصوص بعضها ببعض، بل وينكر على الذين يجتهدون في فهم النص وتأمله وتطبيقه على واقعهم..

ومن ذلك أني رأيت بعض طلاب الحديث يصب اهتمامه على رجال الأسانيد في كتب السُنّة وكتاب التقريب للحافظ وهو أجهل من الدابّة في معاني الأحاديث وفقهها، وإذا حاول فإنه يخرج إلى فهم ظاهري محض يجهض معه فقه النصوص وعِلَل الأحكام..

وقد نَبَّهَ السلفُ على ذلك، وعابوه وذَمّوه؛ فمن ذلك:

قال معن بن عيسى: كان مالك يقول: "لا يؤخذ العلم من أربعة، ويؤخذ ممن سوى ذلك؛ لا يؤخذ من سفيه، ولا يؤخذ من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من كذاب يكذب في أحاديث الناس وإن كان لا يتهم على أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا من شيخٍ له فضلٌ وصلاحٌ وعبادةٌ إذا كان لا يَعرِف ما يُحَدِّث به".

وسُئِل مالك: أيؤخذ العلم عمن ليس له طَلَب ولا مُجالَسَة؟ فقال: لا، فقيل: أيؤخذ ممن هو صحيحٌ ثقةٌ غير أنه لا يحفظ ولا يفهم ما يُحَدِّث؟ فقال: "لا يُكتب العلم إلا ممن يَحفظ، ويكون طَلَب، وجَالَسَ الناس، وعرف، وعَمِل، ويكون معه وَرَع".

فلم يكتفوا بمن حفظ دون أن يضم إلى ذلك الفهم والمعرفة والتمرّس والتفَقُّه.

قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى:

{فترى المُحَدِّث يكتب ويسمع خمسين سنة ويجمع الكتب ولا يدري ما فيها، ولو وقعت له حادثة في صلاته لافتقر إلى بعض أحداث المتفقِّهة الذين يترددون إليه لسماع الحديث منه؛ وبهؤلاء تمكن الطاعنون على المُحدِّثين، فقالوا: زوامل أسفار لا يدرون ما معهم..

فإن أفلح أحدهم ونظر في حديثه فربما عمل بحديث منسوخ، وربما فهم من الحديث ما يفهم العامي الجاهل وعمل بذلك وليس بالمراد من الحديث، كما رُوّينا أن بعض المُحدِّثين روى عن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه نهى أن يسقي الرجل ماءه زرع غيره فقال جماعة ممن حضر قد كنا إذا فضل عنا ماء في بساتيننا سرحناه إلى جيراننا ونحن نستغفر الله، فما فهم القارئ ولا السامع ولا شعروا أن المراد وطء الحُبالى من السبايا}.

قال الإمام الخطابي: {وكان بعض مشايخنا يروي الحديث أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن الحَلْق قبل الصلاة يوم الجمعة بإسكان اللام، قال: وأخبرني أنه بقي أربعين سنة لا يحلق رأسه قبل الصلاة. قال: فقلت له إنما هو الحِلَق -جمع حَلقة- وإنما كره الاجتماع قبل الصلاة للعلم والمذاكرة، وأمر أن يشتغل بالصلاة وينصت للخطبة. فقال: قد فَرّجْتَ عَلَيّ. وكان من الصالحين.

وقد كان ابن صاعد كبير القدر في المُحَدِّثين، لكنه لما قَلّت مخالطته للفقهاء كان لا يفهم جواب فتوى.. قال أبو بكر الأبهري الفقيه: كنت عند يحيى بن محمد بن صاعد فجاءته امرأة، فقالت: أيها الشيخ، ما تقول في بئر سقطت فيه دجاجة فماتت، فهل الماء طاهر أو نجس؟ فقال يحيى: وَيْحَكِ، كيف سقطت الدجاجة إلى البئر؟ قالت: لم تكن البئر مغطاة. فقال يحيى: ألا غَطَّيْتِها حتى لا يقع فيها شيء؟! قال الأبهري: فقلت: يا هذه، إن كان الماء تَغَيَّرَ فهو نجس، وإلا فهو طاهر.

وكان ابن شاهين قد صَنّف في الحديث مُصَنّفات كثيرة، أقَلّها جزء، وأكثرها التفسير وهو ألف جزء، وما كان يعرف من الفقه شيئًا..

وقد كان فيهم من يقدم على الفتوى بالخطأ لئلا يُرَى بعين الجهل؛ فكان فيهم من يصير بما يفتي به ضحكة، فسُئِل بعضهم عن مسألة من الفرائض، فكتب في الفتوى: تقسم على فرائض الله سبحانه وتعالى!..

وعن إبراهيم الحربي قال: بلغني أن امرأة جاءت إلى علي بن داود وهو يُحَدِّث وبين يديه مقدار ألف نَفْس، فقالت له: حلفت بصدقة إزاري، فقال لها: بكم اشتريتيه؟ قالت: باثنين وعشرين درهمًا، قال: اذهبي فصومي اثنين وعشرين يومًا، فلما مَرَّت جعل يقول: آه آه، غلطنا والله، أمرناها بكفارة الظهار.

قلت: فانظروا إلى هاتين الفضيحتين، فضيحة الجهل وفضيحة الإقدام على الفتوى بمثل هذا التخليط..

وقد رأينا في زماننا من يجمع الكتب منهم ويُكثِر السماع، ولا يفهم ما حصل، ومنهم من لا يحفظ القرآن ولا يعرف أركان الصلاة، فتشاغل هؤلاء -على زعمهم- بفروض الكفاية عن فروض الأعيان، وإيثار ما ليس بمُهِمٍّ على المُهِمّ من تلبيس إبليس.}

وقال ابن كثير في قوله تعالى (تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ): "قال الضحاك: حق على من تعلم القرآن أن يكون فقيهًا، وقال (تُعَلِّمون): أي تُفَهِّمون، (وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ): أي تحفظون ألفاظه".