د. أحمد فريد - أيها الملحد اركب معنا... أدلة وجود الله (2) - بوابة الفتح الالكترونية
د. أحمد فريد
2017-03-19 09:41:41

ب- دلالة العقل

أما دلالة العقل على وجود الله تبارك وتعالى، فلأن هذه المخلوقات سابقها ولاحقها لا بد لها من موجد أوجدها، قال تعالى: "أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ".

قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ" أي: من غير رب، لأن تعلق الخلق بالخالق من ضرورة الاسم.

ومعناه: أخلقوا من غير شيء خَلَقهم، فوُجِدوا بلا خالق؟ وذلك لا يجوز في العقل، فإن أنكروا الخالق لم يَجُز لهم أن يوجَدوا.

وقوله "أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ" وذلك في البطلان أشد، لأن من لا وجود له كيف يَخلُق؟! "أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ"، وذلك في البطلان أشد وأشد، فإن المسبوق بالعدم يستحيل أن يوجِد نفسه، فضلًا عن أن يكون موجِدًا لغيره.

سُئل أعرابي: ما الدليل على وجود الرب تعالى؟ فقال: يا سبحان الله! إن البَعْر يدل على البعير، وإن أَثَر الأقدام ليدل على المسير؛ فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فِجاج، وبحار ذات أمواج، أفلا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟!.

فأدل دليل على وجود الخالق جَلّ وعَلَا هو وجود المخلوق، قال تعالى: " أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ"، قال تعالى: "أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ"، قال تعالى: " قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ".

وكثيرًا ما يرشد الله تبارك وتعالى عباده إلى الاستدلال على معرفته بآياته الظاهرة، قال تعالى: " قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ".

قال البيهقي رحمه الله: "يعني والله أعلم من الآيات الواضحات، والدلالات النيرات، وهذا لأنك إذا تأملت هذا العالم ببصرك واعتبرتها بفكرتك، وجدته كالبيت المبني المُعَدّ فيه جميع ما يحتاج إليه ساكنه من آلة وعتاد، فالسماء مرفوعة كالسقف المرفوع، والأرض مبسوطة كالبساط، والنجوم منضودة كالمصابيح، والجواهر مُعَدّة كالذخائر، وضروب النبات مُهَيّأة للمطاعم والملابس والمآرب، وصنوف الحيوان مسخرة للمراكب، مستعملة في المرافق، والإنسان كالملك للبيت المخول له ما فيه، وفي هذا دلالة واضحة على أن العالم مخلوق بتدبير وتقدير ونظام، وأن له صانعًا حكيمًا تام القدرة بالغ الحكم" انتهى.

قال ابن العثيمين رحمه الله: "فإنه لو حَدّثك شخص عن قصر مشيد، به الحدائق، وجرت بينها الأنهار، ومُلِئَ بالفرش والأَسِرّة، وزُيِّن بأنواع الزينة من مقوماته ومكملاته، وقال لك إن هذا القصر بما فيه من كمال قد أوجد نفسه، أو وُجِد هكذا مُصادفة بدون مُوجِد، لبادَرْتَ إلى إنكار ذلك وتكذيبه، وعدَدْتَ حديثه سَفَهًا من القول.

أفيجوز بعد ذلك كله أن يكون هذا الكون الواسع، بأرضه وسمائه وأفلاكه وأحواله ونظامه البديع الباهر، قد أوجد نفسه؟!، أو وجد مصادفة بدون مُوجِد؟!" انتهى.

وعن الشافعي رحمه الله، أنه سئل عن وجود الخالق، فقال: "هذا ورق التوت طعمه واحد، تأكله الدود فيخرج منه الإبرسيم -أي الحرير- ويأكله النحل فيخرج منه العسل، وتأكله الشاة والبقر والأنعام فتلقيه بَعْرًا ورَوثا، وتأكله الظّباء فيخرج منه المِسْك، وهو شيئ واحد".

وسئل أبو نواس عن ذلك فأنشد:

تأمل في رياض الأرض وانظر      إلى آثار ما صنع المليك

عيون من لجين شاخصات         بأحداق هي الذهب السبيك

على قصب الزبرجد شاهدات        بأن الله ليس له شريك

وللحديث بقية.