د. أحمد حمدي - حدث في مثل هذا الشهر.. جمادى الأول (2) - بوابة الفتح الالكترونية
د. أحمد حمدي
2017-02-16 08:51:32

حدثت عدة وقائع وفتوحات إسلامية هامة وعظيمة في التاريخ الإسلامى في هذا الشهر..

منها غزوة "ذات الرِّقاع" فى عهد النبي والتي شرعت فيها صلاة الخوف..

وموقعة "أجنادين" 13 هــ، والتي انتصر فيها المسلمون بقيادة عمرو بن العاص وأبو عبيدة بن الجراح على الروم، وقتل فيها القبقلار  قائد الروم..

وحدث أيضًا في هذا الشهر الكريم فتح "تكريت" 16 هــ..

وكذلك استشهاد عمر المختار على يد الطَّلْيان، بعد إعدامه في "بنغازي" في ليبيا 1350 هــ..

وكذلك فتح "القسطنطينية" على يد محمد الفاتح 857 هــ..

وفي هذه السطور نذكر بعض الدروس المستفادة من إحدى هذه الوقائع، وهي فتح القسطنطينية 857 هــ على يد محمد الفاتح العثماني.

·      لقد بشر الرسول بذلك حينما سُئِلَ "أَيُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلًا قُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُومِيَّة؟" -ورُومِيَّة هي روما عاصمة إيطاليا- فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : "مَدِينَةُ هِرَقْلَ تُفْتَحُ أَوَّلًا يَعْنِي قُسْطَنْطِينِيَّةَ" -وهي عاصمة الروم البيزنطيين- وحدث ذلك بعد بُشراه بثمانمائة عام، ويستفاد من ذلك أن عمر الأمم والدول لا يقاس بالأيام والشهور والسنين، وإن كان للباطل دولة فدولة الحق إلى قيام الساعة، والعاقبة للمتقين، وستفتح روما عاصمة الغرب -بإذن الله- ولو بعد حين، مِصداقًا لبشرى النبي ..

·     كان فتح القسطنطينية وبداية ازدهار الخلافة العثمانية في بلاد الشرق في نفس الوقت الذي كانت تسقط فيه الأندلس في بلاد الغرب بسبب الخنا والغناء والرقص والمجون والخمور وموالاة الكفار والنزاع والشقاق والخلاف على المناصب والدنيا والرئاسة.

·     فُتِحَت القسطنطينية على يد محمد الفاتح  بعد عدة محاولات عبر تاريخ الإسلام منذ عهد الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري الذى مات عند أسوار القسطنطينية في عهد معاوية -رضي الله عنه- وستفتح فتحًا ثانيًا في آخر الزمان كما أخبر النبي -قبل ظهور المسيح الدجال ونزول المسيح عيسى بن مريم- في ملاحم آخر الزمان.

·     محمد الفاتح حظي بتربيةٍ علمية خاصة، منذ طفولته، فقد اهتم والده السلطان مراد الثاني بتنشئته تنشئةً علمية وجسدية جادّة، فمرَّنه على ركوب الخيل والرمي والمبارزة، وجعله يتتلمذ على يد خيرة أساتذة عصره، ومنهم الشيخ "آق شمس الدين سنقر" الذي كان أول من زرع حُلْمَ "فتح القسطنطينية" في ذهنه منذ الصغر، فكان يأتي به وهو صغير عند شاطىء البحر وينظر إلى أسوار القسطنطينية ويقوي عنده الرغبة والأمنية في أن يكون هو البطل القائد الذي تتحقق على يديه نبوءة النبي ، وكان يربي فيه معاني الجهاد والنصر والقيادة، واليقين في أن المستقبل للإسلام وإن طالت ظلمة الليل، وألا ييأس، وأن يستبشر بفضل الله وتأييده، ويثق بوعد الله ورسوله ﷺ، قال تعالى: "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ".. وهذا دليل على أهمية الاهتمام بالنشء الصغير؛ فالتعليم في الصغر كالنقش على الحجر، فهم أمل الأمة ومستقبلها وبُنَاة الأجيال.

·     وما إن تولَّى محمد الثاني مهام السلطنة خلفًا لوالده مراد الثاني، حتى وضع فتح القسطنطينية هدفًا نصب عينيه؛ فاعتنى بتقوية الجيش العثماني، وحرص على نشر العلماء بينهم، حتى يغرسوا فيهم روح الجهاد، ويذكِّروهم بحديث النبي في الثناء على جيش الفتح -وإن كان قد ضعَّفَه بعض أهل العلم- الذي يقول: "لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ فَلَنِعْمَ الْأَمِيرُ أَمِيرُهَا وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ" حتى يجتهدوا في فتح القسطنطينية؛ عسى أن يكونوا هم الجيش المقصود..

فأخذ يستعين بأهل الخبرة والعلم، وسألهم: لم لا نستطيع أن نفتح القسطنطينية؟ فحددوا له ثلاثة أسباب، وهي: عدم وجود حصون للمسلمين عند بداية الحصار، وعدم وجود مدفع يستطيع أن يخترق سمك الأسوا، وامتداد سلسلة بعرض الخليج تمنع سفن المسلمين من دخول الخليج.

·     لقد وضع محمد الفاتح خطة عبقرية، تحدّث عنها المستشرقون بانبهار شديد، فتغلّب على العائق الأول، و تم بناء قلعة عظيمة -يستغرق بناؤها سنة كاملة- في ثلاثة أشهر فقط..

وتغلب على العائق الثاني، فقد صنع ثلاثة مدافع، بينها مدفع ضخم عملاق..

وتغلب على العائق الثالث، فقام بعمل ممر تسير فيه السفن على اليابسة خلال الجبل، حتى تصل مباشرة إلى داخل الخليج بدون المرور عبر السلسلة، وهذه المسافة تقدر بثلاثة أميال.. واستعمل في ذلك قضبانًا خشبية دُهِنت بالزيت لتسهل حركة السفن عليها، وكان عددها سبعين سفينة..

وقد استمرَّ الحصار ثلاثةً وخمسين يومًا حتَّى قيض الله الفتح للجيش.

·     وهذا درس عظيم في الأخذ بالأسباب؛ فالأخذ بالأسباب واجب، والاعتقاد فيها شرك، قال "احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ "، وقال تعالى: "وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ"

فانظر إلى حسن التخطيط والتدبير في فتح القسطنطينية، بعد أن استعصت هذه المدينة الحصينة بأسوارها العالية على الفاتحين قبل ذلك؛ فلابد من الأخذ بأسباب القوة العسكرية، من التدريب والتسليح الحديث وفنون القتال، والتخطيط والتقدم التقني وكافة الوسائل الحديثة، مع التوكل على الله -عزّ وجلّ- قبل ذلك وبعده..

ولا منافاه بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، بل إن الأخذ بالأسباب من التوكل على الله -عزّ وجلّ-.