زين العابدين كامل - السير عكس اتجاه الكون (2) - بوابة الفتح الالكترونية


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

فالكَون كله يسير في اتجاهٍ واحدٍ كما ذكرنا في المقال السابق، وهناك من الناس من يسير عكس اتجاه الكون بجحوده بوحدانية الله تعالى وبِشِرْكِه بالله تعالى، وبعدم طاعته لله وحده؛ فلنتأمل أحوال الكائنات، وهل هي تسير في اتجاه الكون أم تسير عكس الاتجاه.

والكائنات قسمها العلماء إلى عُلويّة وسُفليّة

أما العُلويّات فيقصدون السماء والكواكب والنجوم والفلك، والملائكة، والعرش والكرسي، ونحو ذلك.

وأما السُفليّات فالنار والهواء والماء والتراب، والرياح والسحاب، والأرض والجبال والشجر والبحار والأنهار والأحجار، والحيوانات والإنسان والنبات والطيور.

وهذه الكائنات كلها تتعبد لله تعالى، كعبادة السجود؛ يقول تبارك وتعالى: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ" [الحج:18]. "وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ" [النحل:48-50].

وهناك عبادة التسبيح؛ يقول تبارك وتعالى: "تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً" [الإسراء:44].

وأيضاً عَلَّم الله سبحانه وتعالى كلَّ كائن من هذه الكائنات كيفية التسبيح الخاصة به؛ يقول عز وجل: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ" [النور:41]، وهذه الصلاة ليست بالضرورة مكونة من ركوع وسجود ونحو ذلك، وإنما هو تسبيح خاص ألهمها الله -عزّ وجلّ- إياه، فقوله تعالى: "كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ" [النور:41]، يعني: أن الله علم صلاة كل شيء من هذه الكائنات وتسبيحها، ويقول -صلى الله عليه وآله وسلم-: (ما تستقل الشمس -يعني: ما تشرق الشمس وترتفع- فيبقى شيء من خلق الله إلا سبَّحَ اللهَ بحمده، إلا ما كان من الشياطين وأغبياء بني آدم)، حديث صحيح، صححه الألباني)، يعني: كل من لم يسبح الله في هذا الوقت فهو من أغبياء بني آدم، أو من الشياطين.

فكل هذه الكائنات مسلمة لله عز وجل، كما قال سبحانه: "أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ" [آل عمران:83]. وليس هذا فحسب، بل جميع الكائنات تؤمن بنبوة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، في حين كَفَر به  كثير من الإنس وكذَّبوا برسالته -صلى الله عليه وآله وسلم-، فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إنه ليس من شيء بين السماء والأرض إلا يعلم أني رسول الله، إلا عاصي الجن والإنس)، رواه الإمام أحمد وصححه الألباني.

فكيف يستقيم لبشر أن يسير عكس هذا الكون كله، وعكس هذه الكائنات والموجودات التي تعترف بوحدانية الله تعالى ، بل وتعبده وتطيعه، كيف لعبدٍ خَلَقَه الله أن يكفر بخالِقِه جلّ وعلا ، كيف لعبد يكون أقل من الحيوانات التي شهدت بوحدانية الله تعالى ؟!