أحمد السيد الحمدون - دور المجتهد في بيان حكم الله - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛
إن المجتهد إذا استنبط حكمًا ما في مسألة اجتهادية، فهو ليس حاكمًا، إنما هو مخبر عن أنه يظهر له أن حكم الله تعالى في المسألة هو كذا، أو كذا، مما أخبر به، ثم إن شرع الله يأمره بالعمل في خاصة نفسه بما غلب على ظنه أنه الحق، وأن يفتي به من استفتاه وأن يبينه للناس بقدر الحاجة، فكل مجتهد محكوم عليه في اجتهاده ألا يجتهد إلا فيما يحتمل الاجتهاد، فإنه لا اجتهاد مع نص، ومحكوم عليه كذلك في اجتهاده أن يرجع إلى نصوص الوحيين، ويعمل فيها فكره، وعقله، وحكم شرع الله على المجتهد كذلك أن يعمل في خاصة نفسه بما غلب على ظنه أنه الحق، وأن يفتي من استفتاه به، وألا يلزم به مجتهد آخر.
ومن آثار فهم هذا الكلام، أن يكون المتكلم في بيان الأحكام الشرعية متثبتًا فيما يقول، فهو إن قال: كذا حرام، أو كذا حلال، إنما يخبر عن الله تعالى أنه حرم أو أحل، كما قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، ولذلك سمى الإمام ابن القيم كتابه "إعلام الموقعين عن رب العالمين) فكأن المجتهد والمفتي يوقع عن الله في فتواه.
فيحمله هذا على طلب الدليل المثبت لما يقول، فإن لم يجد دليلا صحيحا كف عن القول إلا عند الضرورة، ويقول حينئذ: هذا رأيي، أو أحب كذا، أو أكره كذا، ولا ينسبه إلى الشرع، كما هو أدب الأئمة في ذلك رضي الله عنهم، فلا إلزام إلا بكلام الله عز وجل، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وما وافق ذلك .... وقد غفل عن ذلك كثير.
فلسنا ملزمين بقول أي قائل، وإن نسب هذا القائل كلامه إلى الشرع، مالم يأت بالدليل الذي يثبت أن هذا القول من الشرع، فإن الشرع لا يثبت بأقوال الرجال، قال تعالى: ـ {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ....} ـ إلى قوله ـ {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] وللحديث بقية.