د. علاء بكر - تركيا التي لا نعرفها (9)... (الانقلابات العسكرية في الجمهورية التركية) - بوابة الفتح الالكترونية
د. علاء بكر
2016-10-28 01:08:11

استطاع "أردوغان" أن يحقق في فترة حكومته الأولى ما كان يتطلع إليه الأتراك من تنمية اقتصادية واستقرار داخلي في البلاد  بشكل ملحوظ. لقد أكد  أردوغان بقيادته القوية وشخصيته الكاريزمية ما توسمه فيه ناخبوه  بسبب سمعته الجيدة ومصداقيته ونزاهته وقدرته على التغيير، وهذا ما كان يتعطش إليه الأتراك.

لقد نجح "أردوغان" في مراعاة كل أطياف الشعب التركي، من خلال التركيز على القضايا محل الإجماع الوطني، بعد معرفة تطلعات الجماهير ورغباتهم، والسعي لتحقيقها، خاصة المستويات الأكثر فقرا، فتضاعفت شعبيته بين الفقراء إلى جانب شعبيته بين  المتدينين.

كما فتح  "أردوغان" الأبواب أمام رجال الأعمال، وأطلق قوى مؤسسات المجتمع المدني بدون قيود إذ رأي في ذلك حماية لتجربته، ورصيدا لها  يعززها.

كما  اعتنى "أردوغان" بالجانب الإعلامي؛ فأسس بمساعدة رجال أعمال شبكة إعلامية نمت بمرور الوقت لتصبح سفير الحزب لدى الشعب تعلن عن إنجازاته.

باختصار.. تعامل "أردوغان" في ظل ظروف تركيا التي عاشها بالرهان على النفس الطويل في التطوير، و إعادة  ترتيب أولويات العمل بالبدء بقضايا المعاش، ومقاومة الفساد، والمساواة أمام القانون، ومراعاة حقوق الإنسان، والتفاعل مع أبناء الشعب بتبني مشاكلهم الحياتية.

الموقف من الجيش:

في مواجهة ما كان من  تسلط الجيش على الحياة السياسية سعى "أردوغان" بهدوء ومثابرة إلى تقليص سيطرة الجيش عن طريق:

-           مهادنة الجيش من جهة، وتجنب الدخول معه في صدام ومعارك جانبية.

-           تقوية نفوذه من خلال إنجازاته التي تكسبه المزيد من الأنصار.

-           السعي إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؛ حيث رأى "أردوغان" في الأخذ بالمعايير الأوروبية بغيته في التصدي  للعلمانيين المناوئين، والحد من سيطرة العسكريين المطلقة، إذ ترفض معايير الاتحاد الأوروبي وأجواء الديموقراطية  واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون تدخل المؤسسة العسكرية والجيش في شئون الحكم. فقد ورد في وثيقة الضم والشراكة التي قدمتها أوروبا لتركيا في مؤتمر (هلسنكي)  عام 1998 م توبيخا للجيش التركي على انقلابه في 1997 م، واشترطت التزام تركيا بمعايير ( كوبنهاجن) حول الديمقراطية والحريات والحفاظ على حقوق الإنسان والأقليات، وحل قضية الأكراد وتقييد الحريات الشخصية، وقد قبلت تركيا والمؤسسة العسكرية وقتها كل هذه الشروط، لتحقيق رغبة غالبية الشعب التركي في الانضمام للاتحاد الأوروبي، والذي يرون فيه وصول تركيا لما ترنو إليه من الازدهار والتقدم. وعلى ذلك:

-           أصدرت الحكومة في عام 2003م حزمة من القوانين صدق عليها البرلمان تهدف إلى إعادة هيكلة مؤسسات الدولة  لتتوافق مع المعايير الأوروبية لتهيئة تركيا للانضمام لأوروبا، ومنها قوانين تنظم العلاقة بين العسكريين والمدنيين داخل مجلس الأمن القومي وأمانته العامة، قلصت من هيمنة المؤسسة العسكرية عليهما، بالسماح بتولي شخصية مدنية منصب الأمين العام للمجلس، وبالفعل تم تعيين أول شخصية مدنية في هذا المنصب في أغسطس 2004م, وتم قصر مهمة المجلس على رسم وتطبيق سياسة الأمن القومي، وتقديم أرائه لمجلس الوزراء، ثم تنفيذ ومتابعة ما يسنده إليه مجلس الوزراء من مهام، أي تحويل المجلس إلى جهاز استشاري، وتقليل وضعيته التنفيذية.

-           وفي مايو 2004م تم تعديل دستوري بإبعاد الرقابة العسكرية عن المجلس الأعلى للتعليم، وعن اتحاد الإذاعة والتليفزيون، كمؤسستين مدنيتين، بإلغاء وجود  عضوية جنرال عسكري في كل منهما.

-           تم السماح برفع الدعاوى القضائية لاستجواب ومقاضاة الجنرالات القدامى  في قضايا الفساد، وإلغاء محاكمة المدنيين أمام  المحاكم العسكرية، وقصر التصريحات الإعلامية للعسكريين على الشأن العسكري والأمني.

مهادنة المشكلات الخارجية:

امتدت سياسة المهادنة التي اتبعها "أردوغان" إلى القضايا والمشكلات الخارجية لتركيا، فبدأ الحزب بسياسة بث رسائل طمأنة للخارج بعدم تأثر المصالح المشتركة الإقليمية والدولية بوصول الحزب للحكم، فكانت رحلة "أردوغان" الرسمية الأولى إلى بروكسل –مقر الاتحاد الأوروبي– لطمأنة الأوروبيين، وإبداء الرغبة الحقيقية  في  الانضمام للاتحاد الأوروبي، والإعلان عن تبني خطابا منفتحا على الغرب، ومدافعا عن حقوق الإنسان. كما زار "أردوغان" أمريكا وعددا من الدول الأوروبية، وقام عبد الله جول الذي شغل منصب وزير الخارجية بزيارة العديد من الدول العربية والإقليمية لتأسيس علاقات طيبة معها.

وعندما طلبت أمريكا من تركيا استخدام الأراضي التركية -وهي عضو في حلف الناتو- في حربها على العراق أحال "أردوغان" الأمر  في براعة -تجنبا لإغضاب العسكريين- إلى البرلمان الذي رفض الطلب الأمريكي، فكانت صدمة غير متوقعة لأمريكا.  

ولكسب ثقة الأقلية الكردية داخل تركيا، حيث يمثل الأكراد نحو 17 % من عدد السكان خاصة في شرق الأناضول وجنوب شرق تركيا، يطالبون  بإنشاء دولة كردية في شرق البلاد، وانتهج بعضهم نهج العنف  لتحقيق ذلك، ودخل الجيش التركي معهم في حالة حرب، منعت تقديم أي خدمات للمنطقة، وتسببت في هجرة الكثيرين إلى المحافظات الغربية بحثا عن الأمان، وخلفت الآلاف من القتلى، واحتاج الأمر إلى أعادة الثقة المتبادلة بين الدولة والأكراد، لذا أكد "أردوغان" للأقلية الكردية على مبدأ الحقوق والحريات، ومنحهم جملة منها، فسمح باللغة الكردية في التعليم والإعلام في المناطق ذات الكثافة الكردية، وزاد من تقديم الخدمات المختلفة لهم، وزاد من البرامج التليفزيونية باللغة الكردية، وأكد على الحرية الدينية للجميع، مما ساهم في أن يسود السلام والهدوء هذه المنطقة من البلاد.

"أردوغان" والقضية الفلسطينية:

شهدت تركيا توسعا في العلاقات مع دولة إسرائيل من أكثر الحكومات التي سبقت حكومة حزب العدالة والتنمية، أسفر عن اتفاق للتنسيق العسكري عام 1996م، وإجراء مناورات مشتركة بين البلدين بمشاركة أمريكية مطلع 1998م. جاء بذلك بدافع من الجيش، ولكون تركيا موالية لأمريكا بحكم عضويتها في حلف الناتو الذي تقوده أمريكا، رغم أن ذلك لا يحظى بتأييد غالبية الشعب التركي المتعاطف مع الفلسطينيين. و عليه  فقد  قام  أردوغان  بـ :

- تحجيم العلاقة مع إسرائيل من باب مراعاة مصالح تركيا مع الدول الكارهة لسياسة الكيان الصهيوني.

- الاعتراف بحكومة "حركة حماس" بعد فوزها بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني في الانتخابات التشريعية الفلسطينية في يناير 2006 م.

- استقبلت حكومته وفد "حماس" بقيادة "خالد مشعل" رئيس المكتب السياسي للحركة -بوصفه ممثلا للشعب الفلسطيني بعد فوزه بالانتخابات- متجاهلة رد الفعل الأمريكي والإسرائيلي.

- أدانت حكومة "أردوغان" الحظر السياسي والاقتصادي الذي فرضته إسرائيل على الشعب الفلسطيني، وكذلك اعتداءاتها على غزة والضفة الغربية من منطلق إعاقتها لعملية السلام في الشرق الأوسط.

لقد أظهرت هذه المواقف أن تركيا تعيد -بالتدريج-  نظرتها لعلاقتها  من مرحلة الموالاة والشراكة الإستراتيجية مع إسرائيل إلى مرحلة ربط هذه العلاقة بمصالح تركيا الخاصة وتعزيز السلام  في المنطقة.

فوز أردوغان بانتخابات 2007 م:

جرت الانتخابات البرلمانية الجديدة في يوليو 2007 م، وحصل  فيها حزب العدالة والتنمية على 47 % من الأصوات -في ضوء نسبة مشاركة شعبية عالية في الانتخابات بلغت 85 % من الناخبين-  وشغل الحزب 341 مقعدا في البرلمان الجديد، مما أتاح له تشكيل حكومته الثانية على التوالي وبمفرده مرة أخرى.