د. علاء بكر - تركيا التي لا نعرفها (7)... (الانقلابات العسكرية في الجمهورية التركية) - بوابة الفتح الالكترونية
د. علاء بكر
2016-10-15 17:25:37

رجب طيب أردوغان:

ولد "أردوغان" في 26 فبراير عام 1954 م، في عائلة فقيرة بسيطة في إسطنبول، تلقى تعليمه في مدارس (إمام – خطيب) الإسلامية الدينية، ثم التحق بجامعة (مرمرة)، وتخرج من كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية.

انضم لحزب (الخلاص الوطني) بزعامة "أربكان" في نهاية السبعينيات، وتدرج في مناصب الحزب حتى أصبح رئيسا لفرع الحزب في إسطنبول.

انتقل إلى حزب (الرّفاه) بعد حل حزب الخلاص الوطني، وصار من قياداته، وشارك في إدارة معارك الحزب الانتخابية في عامي 1991م  و 1995 م، وفي حزب (الفضيلة) في انتخابات 1999م.

"أردوغان" عمدة إسطنبول:

في عام 1994م رشحه حزب الرّفاه  في الانتخابات المحلية لمنصب عمدة  إسطنبول، وفاز فيها بالمنصب، وشغله حتى عام 1998م.

وكان التحدي أمامه صعبًا، لكنه حقق نجاحا باهرا، حيث استطاع بإدارته الفعالة تحويل العجز المالي في موازنة البلدية إلى فائض. واهتم بالحدائق العامة وزيادتها كمتنفس للسكان بعد النمو الضخم للمباني في المدينة، وأطلق موقعا إلكترونيا للبلدية على شبكة الإنترنت لتلقي شكاوى ورغبات وآراء المواطنين، وكان حريصا على أن يشعر المواطن العادي بالتغيير .

وقد حقق لنفسه ولحزبه نجاحا كبيرا، كما استفاد من هذه التجربة فقد:

-           كشفت عن قدراته الإدارية والسياسية، و أكسبته شهرة كبيرة.

-           حصل على خبرة من الانفتاح على مختلف التيارات والاتجاهات، لأهمية إسطنبول كمركز اقتصادي وثقافي، مما طوّر من فكره، و زاد من رصيده في الميدان  العملي.

-           زادت التجربة من إيمانه بإمكانية -بل وجوب- التغيير الجذري في المجتمع.

-           أصبح يرى عدم الانشغال و إجهاد النفس في تحطيم ميراث الدولة العلماني، و استنفاد الطاقة في ذلك، وأن الأولى الانشغال ببناء مسار موازٍ ومنفصل  للسياسة والحكم في البلاد يُحدِث التغيير المطلوب.

-           أصبحت له رؤية سياسية وحركية مرنة، جعلته -بحكم تنشئته التعليمية البسيطة وتجربته العملية التي مرّ بها- يسعى إلى تطبيق فكرِه الديني والسياسي بوسائل يراها مرِنة وبالتدريج، في مواجهة ميراث الدولة العلماني المتشدد.

 

معاقبة "أردوغان" بالسجن:

 ورغم هذا النجاح الباهر فقد تمت محاكمة "أردوغان"  بتهمة التحريض الديني بسبب خطاب ألقاه في ديسمبر عام 1997 م، ردد فيه أبياتا شعرية حماسية تقول ترجمتها: ( إن مآذن المساجد حرابنا .. وقباب المساجد دروعنا .. وجموع المسلمين جيوشنا)، و في ترجمة أخرى: (مساجدنا ثكناتنا .. قبابنا خوذاتنا .. مآذننا حرابنا .. والمصلون جنودنا .. هذا الجيش المقدس يحرس ديننا)، فأدانته محكمة أمن الدولة بتهمة استخدام الدين لأغراض سياسية، فقضى في السجن تسعة أشهر.

تأسيس "أردوغان" حزب العدالة والتنمية:

نال "أردوغان" مكانة بارزة في حزب (الفضيلة)، و صارت له قاعدة شعبية كبيرة، وشُهِدَ له بالكفاءة والصلابة، كما كان مقربا من أستاذه "أربكان".

ولم يكن من المتصور أنه سيخرج بهذه القاعدة عن حزبه، أو يأخذ هذه القاعدة  معه، حيث تزعم "أردوغان" التيار الإصلاحي داخل حزب الفضيلة خاصة بعد انتخابات 1999م، التي لم يحصل فيها الحزب على الأصوات التي تمكِّنه من المشاركة في الحكومة الائتلافية التي تشكلت بعدها.   

في 14 أغسطس 2001م أعلن "أردوغان" عن تأسيس (حزب العدالة والتنمية) في حفل بسيط في أحد فنادق (أنقرة)، شَهده أنصار مجموعته الإصلاحية.

وقد خلت قائمة الأعضاء المؤسسين للحزب من أي نواب برلمانيين من حزب الفضيلة لئلا يعامل الحزب على أنه امتداد لحزب الفضيلة أو الرّفاه.

ولبيان اتجاه الحزب غير المعادي للدولة:

-           زُيِّنت قاعة الحفل بعلم الجمهورية التركية، لا الأعلام الخضراء رمز الإسلام في مؤتمرات حزب الرّفاه.

-           وُضِعت في قاعة الاحتفال صورة بارزة لمصطفى كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية، وأعلن مؤسسو  الحزب أنهم ليسوا من المعارضين للجمهورية التي أنشأها "أتاتورك"، وأنهم سيقومون بزيارة لضريحه !!!

-           أُعلِن أن الحزب يحمل تيارا اجتماعيا سياسيا لمحاربة الفقر والجوع في تركيا.

-           أُعلِن أن الحزب يؤيد عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي. 

وعلى ذلك فقد صُنّف الحزب الجديد من خلال برنامجه المعلن على أنه "حزب من يمين الوسط"، له  تيار اجتماعي سياسي، لا يعادي العلمانية، ويأخذ بالديمقراطية وحقوق الإنسان، بما فيها حق المتدينين -كغيرهم- في ممارسة حياتهم وفقا لما يؤمنون به دون أي ضغوط عليهم.

صعود نجم حزب "العدالة والتنمية":

وبعد تأسيس الحزب بيومين فقط، صار للحزب  51 نائبا في البرلمان التركي،  بانضمام نواب مستقلين كانوا من قبل أعضاء في حزب الفضيلة، حيث يسمح القانون بانضمام أعضاء البرلمان لأي حزب تأسس حديثا على ألا يقل عددهم عن 20 نائبا.

كما  دخل الحزب الجديد عناصر لا تنتمي للتيار الإسلامي بل تنتمي لأحزاب علمانية لتصبح في  حزب "أردوغان"، منهم سياسيون من حزب (الوطن الأم) كانوا ينافسون زعيمه "مسعود يلمظ" على الزعامة، وشخصيات من حزب (الطريق القويم)، وشخصيات تولت مناصب وزارية في حكومات سابقة.

مما ساعد على توسع قاعدة الحزب وجماهيريته، وزيادة الخروج به من دائرة  اليمين المحافظ  -الإسلامي- إلى "يمين الوسط".

ويلاحظ أنه كان هناك صمت من المؤسسة العسكرية -لا النخبة التركية العلمانية المتشددة التي ترى أن "أردوغان" خرج من عباءة "الرّفاه"- في مواجهة نمو وتصاعد  الحزب، فسّرَه البعض بأن المؤسسة العسكرية ترى أن هذا الحزب لن يكرر تجربة "أربكان".

الحالة السياسية وقت تأسيس الحزب:

كانت تركيا تعاني عند تأسيس حزب "العدالة والتنمية" من:

-           إفلاس جميع الأحزاب السياسية.

-           إخفاق اقتصادي شديد انعكس أثره السلبي على المواطن التركي. 

-           وجود حكومة ائتلافية غير قادرة على إدارة البلاد، كل همِّ أحزابها الاستمرار في السلطة.

-           التخبط الإداري، وغياب القرارات الدالة على الرؤية الواضحة من الحكومة.

كان البعض يرى أن الأحداث تنذر بقرب تدخل الجيش، إن لم تظهر أطروحات جديدة تؤيدها الجماهير، وتكتسب الشرعية، و تنال الثقة في قدرتها على إحداث التغيير المنشود، وهذا ما رآه الكثيرون في أطروحات حزب "العدالة والتنمية" بقيادة "أردوغان".

"أردوغان" وانتخابات 2002م:

مرّ الحزب الجديد بعد تأسيسه بمرحلة دقيقة لاختيار أطروحات يجد صداها بين الجماهير، إذ كانت تركيا تعاني من فراغ سياسي، سعى الحزب لملئه:

-           حيث استطاع "أردوغان" -بشخصيته البسيطة وصراحته- اكتساب تأييد المواطنين البسطاء، الذين ملّوا من حلو الكلام والوعود البرّاقة الزائفة عبر سنين طويلة.

-           كما قدم الحزب على قائمته شخصيات متميزة، و متخصصين نابغين في مختلف الميادين، وبتنوع يدل على اقتناع الحزب بمبدأ التعددية.

-           ولإثبات الشفافية التامة أمام الرأي العام تعاقد الحزب مع شركة محاسبة دولية لمراجعة نفقات الحزب وإيراداته وإعلان ذلك لدرء الشبهات.

- إظهار الحزب لقبوله مبادئ العلمانية.

- كما قام الحزب بإعداد برنامج انتخابي، وضعه أكاديميون ومتخصصون إلى جانب قيادات الحزب وكوادره، هذا البرنامج يبلوِر رؤية الحزب لحال البلاد والحلول التي يتصورها، بلغة مباشرة واضحة وتفصيلية يفهمها المواطن العادي، بعيدا عن المصطلحات السياسية والثقافية المعقدة، في وثيقة تحت عنوان (كل شيء من أجل تركيا).

- كما تعهد الحزب حال وصوله للسلطة بالحياد أمام جميع منظمات المجتمع المدني دون تمييز، و السعي لإيجاد التوافق الاجتماعي - وليس السياسي- حتى ولو كان الحزب يتمتع بأغلبية في البرلمان تغنيه عن ذلك.

لقد نجح "أردوغان" في إظهار الجانب الإصلاحي لحزبه من جهة، والتحرك بسجله الناصع البياض كعمدة سابق لإسطنبول يجمع بين النزاهة والكفاءة والنجاح، ونال بذلك تصديق الجماهير بوعوده.

وقد تم منع "أردوغان" من خوض الانتخابات بنفسه بسبب تهمة التحريض الديني، وهذا أيضا الذي منعه من رئاسة الحكومة بعد الانتخابات، فتم تكليف رفيق دربه  "عبد الله جول" بتشكيل الحكومة.

نتائج انتخابات 2002 م:

جاءت نتيجة الانتخابات مذهلة؛ إذ حصل حزب "العدالة والتنمية" على 1و34 % من الأصوات، بينما حصل حزب الشعب الجمهوري على 4و19% من الأصوات، وفشلت باقي الأحزاب كلها بما فيها أحزاب الائتلاف الحكومي عن تحقيق نسبة 10 %  المطلوبة لدخول البرلمان، فصارت بلا أعضاء في البرلمان الجديد.

ووزعت باقي مقاعد البرلمان على الحزبين الفائزين، فصار للعدالة والتنمية حوالي ثلثي مقاعد البرلمان، بما يعطيه الحق في الانفراد بتشكيل الحكومة الجديدة.