مصطفى دياب - قافلة الأحزان - بوابة الفتح الالكترونية
مصطفى دياب
2016-10-11 09:41:24

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، صلى الله عليه وسلم ..

كتب الله على نفسه البقاء (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) و ما من نفسٍ خلقها الله إلا وتذوق كأس الموت (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) و قد قال الحبيب -صلّى الله عليه وسلم- (أتاني جبريل فقال يا محمد عِشْ ما شِئت فإنك ميّت، وأحبِب من شِئت فإنك مفارِقُه، واعمَل ماشِئت فإنك مَجْزِيٌّ به، واعلم أن شرفَ المؤمن قيامُه بالليل وعِزّه استغناؤه عن الناس) ولا أحد على ثقةٍ من الخلود؛ ولكن سُنةَ الدينِ.

وكم آلمنا فراق الأحباب، وليس أيّ أحباب، ولكن من كان لهم أثر في حياتنا وحياة قطاعٍ كبير من أبناء المجتمع، فقد تعدّى نفعُهم وعمّ خيرُهم وبقِيَت آثارهم.

إننا نُفجع بين الحين والحين بفقد عمودٍ من أعمدة الدعوة والعمل للدين؛ فمن نفقِدهم تذكُرُهم مواضعُ بِرِّهِم وأعمالهم، فما من موضع فيه نصرة للدين إلا وتجد أحدَهم، إنهم قضوا ما عليهم .. أما نحن فهل قضينا ما علينا ؟

أخي الحبيب: نسمع في جنائزهم من يتكلم عن حُسن أعمالِهم التي كانوا يُخفونها؛ مما يُشعِرك وكأنك كنت تعيش وسط رجالٍ حالُهم أقرب لحال الصحابة (من استطاع منكم أن يكون له خبءٌ من عمل صالح فليفعل) ولكن هل تخيلت أخي ما يُقال عنك يوم جنازتك؟؟

أخي الحبيب: اعمل بصوت خافت؛ فغداً تتحدث عنك أعمالُك بصوتٍ مُرتفع.

أخي الحبيب: لا تدَع موطِنا لنصرة الدين والعمل لخدمته إلا كنت فيه رقما مؤثِّرًا؛ فلعلنا غداً نودّعك وتكون في قافلة الراحلين، واعلم أن أعظم ما يستحق التخطيط له والعمل من أجله هو فترة ما بعد الرحيل عن هذه الحياة.

تزوّد للذي لا بُدّ منهُ *** فإن الموت ميقاتُ العبادِ

وتُبْ مما جنيتَ وأنت حيٌّ *** وكن متنبهاً قَبلَ الرَّمادِ

ستندم إن رحلتَ بغير زادٍ *** وتشقى إذ يناديك المنادِ

أخي الحبيب : اترُك أثراً .. ضَعْ بَصمَتَك .. كُن إيجابيّا .. احفر خندَقَك .. ابحث لك عن دور .. اذهب إلى مكانٍ ليس به طريق واصنع أنت الطريق.

رحل العاملون المجتهِدون، وأحدُنا يشقُّ عليه قراءة بعض آيات القرآن لضيق الوقت مع أنه يقرأ مئات المحادثات على "الواتس" وغيره .

كانوا طيفاً ورحَل، كان أحدهم حاضر المشاعر و الأحاسيس، كان إذا تكلم عن النّهر ترفع ثيابك خشية أن يصيبك البلل، وأحدنا يقصِّر في درس علم وتحضيرِ خُطبة ولا روح ولا حياة لكلماته.

أخي الحبيب: الزم مجالس العلم والعلماء، وزاحمهم بالرُكَبِ؛ فبين أيدينا اليوم شيوخ أجِلّاء وقادةٌ ربّانيين، فالتفّوا حولهم، واستفيدوا من عِلمِهم وأدَبِهم، فقد لا تراهم بعد ذلك، إنهم رُفقاء الطريق ومصابيح الدُجى وهُداة الخلق من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، فإذا ماتوا صرنا كالأيتام على موائد اللئام، حَفِظَهم الله ورَعَاهم وسدّد على الحق خُطَاهُم.

أخي الحبيب: كان أيوب السختياني رحمه الله يقول: إني اُخبَرُ بموت الرجل من أهل السنة كأني أفقِد بعض أعضائي.

هيا نتسامح ونتغافر، ونجمع شعثنا، ونغفر لبعضنا الزلّات، ونُغلق ملف القيل والقال.

من اليوم تعارفنا .. ونطوي ما جرى منا

فلا كان ولا صار .. ولا قلتم ولا قلنا

و إن كان و لابد .. من العتب فبالحسنى

فقد قيل لنا عنكم .. كما قيل لكم عنا

كفى ما كان من هجر .. فقد ذقتم وقد ذقنا

فما أحسن أن نرجع .. إلى الوصل كما كنا

أخي الحبيب : لك و لمن مات من أحبابك

قال -صلى الله عليه وسلم-: (سبعة يجري للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته: من علم علماً أو أجرى نهراً أو حفر بئراً أو غرس نخلاً أو بنى مسجداً أو ورَّثَ مُصحفاً أو ترك ولداً يستغفر له بعد موته)

اللهم اجعلنا ممن إذا مات ماتت معه سيئاتُه، واجعلنا ممن إذا مات عاشت بعده حسناته.

يا راحلين عن الحياة .. وساكنين بأضلُعي

يا راحلين وساكنين .. بقلبيَ المتصدعِ

يا شاغلين خواطري .. في هَدْأتي وتَضَرُعي

هل تسمعون تَوجُعُي .. وتَوجُع الدُنيا معي ؟!

و صلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.