د. علاء بكر - تركيا التي لا نعرفها( 6 )... ( الانقلابات العسكرية في الجمهورية التركية ) - بوابة الفتح الالكترونية
د. علاء بكر
2016-10-11 09:35:46

جاء الانقلاب العسكري الرابع (السلمي) في تركيا واستقالة حكومة "أربكان" في يونيو 1997م بمثابة طي لصفحة من صفحات ما عُرِف بـ "الإسلام السياسي" في تركيا، حيث نجح قادة الانقلاب في إصدار قرار من المحكمة الدستورية بحل حزب الرّفاة في يناير 1998م، وفرض حظر ممارسة العمل السياسي -مرة أخرى- على رئيسه نجم الدين أربكان ، وعدد من قياداته لمدة خمس سنوات.

تأسيس حزب الفضيلة:

قبل صدور قرار المحكمة الدستورية بحل حزب الرّفاة قامت مجموعة من أعضاء حزب الرّفاة  بتأسيس حزب الفضيلة في 17 ديسمبر 1997م، بتوجيه من "أربكان"، الذي كان مُصِرّا على استمرار خَطِّه السياسي.

الحالة السياسية بعد سقوط حزب الرّفاة:

بعد استقالة حكومة الرّفاه الائتلافية -المكوَّنة من حزب الرّفاه والطريق القويم- كلّف سليمان ديميريل -رئيس الجمهورية- "مسعود يلمظ" رئيس حزب (الوطن الأم) بتشكيل حكومة جديدة.

وقد عانى "يلمظ" من رقابة وتربص المؤسسة العسكرية بحكومته؛ فامتثل لفترة لكل ما طلب منه، إذ رأى الجيش ضرورة مواجهة الحالة الدينية المنتعشة في البلاد بكل حزم وقوة رغم أنف السياسيين، إذ كان الجيش –بعد تجربة الرّفاة– لا يمكنه الوثوق في أي حكومة، بل شرع الجيش في "تطهير" صفوفه مما يمكن اعتباره اختراقا للجيش من عناصر دينية، فشرع الجيش في فصل ضباط بدعوى تَدَيُّنهم، ثم عمدت المؤسسة العسكرية إلى إجراء "تطهير" موازٍ في السلطة المدنية، بل وصل الأمر إلى مطالبة الجهاز القضائي أيضا بـ"تطهير نفسه"، وهو الأمر الذي اعترض عليه وزير العدل بِشِدّة.

بعد مرور نحو عام ونصف من تشكيل الحكومة تقدم "يلمظ" باستقالته، فتم تكليف "بولنت ايجيفيت" -رئيس حزب اليسار الديمقراطي- بتشكيل حكومة انتقالية، مهمتها الأولى التحضير لإجراء انتخابات مبكّرة، وهو ما تم في أبريل 1999م.

تولّى بعدها "ايجيفيت" -الذي حصل حزبه على أعلى الأصوات- تشكيل حكومة جديدة موسعة من ثلاثة أحزاب: اليسار الديموقراطي -زعيم الائتلاف-، والحركة القومية -تيار اليمين القومي-، والوطن الأم -تيار يمين الوسط-.

جاءت هذه الحكومة تجمع أطيافا متناقضة، أحسن "ايجيفيت" قيادتها، وجعل برنامجها واضحا، و هو:

-           الإصلاح الاقتصادي و السياسي وفقا لتوصيات صندوق النقد الدولي.

-           متابعة السعي للانضمام للاتحاد الأوروبي.

-           استعادة سيطرة الحكومة على مؤسسات الدولة لطمأنة المؤسسة العسكرية؛ وبالتالي إيقاف تدخلاتها في عمل الحكومة والسياسية الداخلية للبلاد.

وقد نجحت هذه الحكومة في بداية الأمر في تحقيق برنامجها إلى حد كبير، و تم وضع تركيا في قائمة الدول المرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي.

بداية الانقسام داخل حزب الفضيلة:

رأت قيادات حزب الفضيلة ألا تكرر نفس تجربة حزب الرّفاة المُنحَلّ، لمنع الاصطدام بالمؤسسة العسكرية؛ فقامت بتقديم أطروحات جديدة لعمل الحزب، بينما رأى البعض وجوب التغيير الجذري،  للبقاء على الخريطة السياسية، إذ أن عداء الدولة للحزب ثابت حتى مع تجديد الحزب لأطروحاته.

وحيث أن القانون التركي يقضي بألا يكون أكثر من 50 %من أعضاء حزب ما من أعضاء كانوا في حزب جرى حلُّه؛ فقد تم تجديد قائمة حزب الفضيلة بنسبة 60 %، منها شخصيات كانت تنتمي لأحزاب أخرى، مع زيادة العناصر النسائية فيها؛

فساهم هؤلاء في إدخال تعديلات على برنامج الحزب، فمن ذلك:

-           تأييد الحزب لسعي تركيا للانضمام للاتحاد الأوروبي، وكان ذلك مرفوضا في حزب الرّفاه من قبل.

-           قبول الأخذ بحقوق الإنسان والحريات الفردية من منظور الديمقراطية -لا من منظور إسلامي-؛ فالمطالبة مثلا بالسماح بارتداء الحجاب -لا كفرض دينيّ ولكن- كحرية شخصية لمن تريد.

ورغم ذلك فقد هددت النخبة الحاكمة بحَلِّ الحزب بعرضه على المحكمة الدستورية، مما أثر على وضعه أمام الناخبين؛ وحصل الحزب في انتخابات 1999م  على نسبة 15 % -مقابل 21 % حصل عليها حزب الرفاة من قبل في انتخابات 1995م-  مما حرَمه من المشاركة في تشكيل الحكومة الائتلافية.

لذا بعد الانتخابات انقسم الحزب بين جناح تقليدي وجناح إصلاحي.

وقبل صدور حكم المحكمة الدستورية بإغلاق حزب الفضيلة أُعلن عن تأسيس الجناح الإصلاحي لحزب جديد باسم "حزب العدالة والتنمية" في أغسطس 2001 م،  بقيادة رجب طيب أردوغان، الذي نجح بجدارة في الفوز بأغلبية الأصوات في  انتخابات 2002م.

"سيزر" رئيسا  لتركيا:

مع قرب انتهاء فترة ولاية الرئيس "ديميريل" في أبريل 2000م، ظهرت مشكلة الاختلاف حول اختيار من يخلُفه في رئاسة الجمهورية التركية، فتم الاتفاق على ترشيح (أحمد نجدت سيزر) -رئيس المحكمة الدستورية- من خارج الأحزاب السياسية، لضمان توافق أحزاب الائتلاف عليه؛ فتم انتخابه في البرلمان في مايو 2000م، ليكون الرئيس العاشر للجمهورية. 

-           لم يكن لسيزر خبرة أو تجربة سياسية من قبل، ولكنه كان يتمتع بمكانة شخصية وقانونية.

- سلك في حياته الخاصة سلوك المواطن العادي دون حاشية تحيط به، مكتفيا بحد أدنى من المرافقين والحراس، فنال إعجاب المواطن البسيط، واكتسب شعبية إعلامية ودعائية في وقت قصير.

-           طالب بالحد من صلاحيات رئيس الجمهورية في الدستور، إذ  كان لـ "أوزال" و"ديميريل" من قبله أدوارا  بارزة في الحياة السياسية، رغم أن تركيا تأخذ بالنظام البرلماني في الحكم.

-           لم يرض أكثر السياسيين عن أداء "سيزر"، إذ كان في نظرهم يتناول المسائل المطروحة عليه من منطلق قانوني بحت دون النظر للأبعاد السياسية، مع الانشغال بالأمور الشكلية دون تقديم الحلول الحقيقية للمشكلات.

-           بدأت الأزمات تتصاعد بين الرئيس والحكومة إلى حد الاصطدام العلني، وبدرجة أثرت بالسلب على الاقتصاد التركي، و تسببت في أزمة اقتصادية في البلاد، لحساسية السوق المالي للتقلبات السياسية.

-           رفض "سيزر" توقيع قرار من الحكومة بفصل مئات من الموظفين المدنيين لاتهامهم بالانتماء لجماعات دينية أو لحركات انفصالية -للأكراد- لكون القرار مخالف في نظره للقانون، دون النظر للاعتبارات السياسية.

- رفض التوقيع على مرسوم حكومي بخصخصة ثلاثة بنوك حكومية.

- رفض قرارا من الحكومة بمنح عفو جزئي عن ما يقرب من نصف المسجونين في تركيا .

-           طالب في خطاب ألقاه في أكتوبر 2000م بإدخال تعديلات جذرية على الدستور بما يتفق مع مبادئ الحرية والتعدُّدية والمشاركة.

-           كلف في فبراير 2001م هيئة تفتيش الدولة بالتحقيق في فضائح فساد البنوك.

ومع تدهور الأحوال الاقتصادية، و تدهور الحالة الصحية لرئيس الوزراء "ايجيفيت"، و انهيار الائتلاف الحاكم، أجريت انتخابات مبَكّرة في نوفمبر 2002م، فاز بها حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان.

 

صعود حزب العدالة والتنمية وزعيمه "أردوغان":

 

عقب انتخابات 1999م وعدم حصول حزب الفضيلة على نسبة من الأصوات تُمكِّنه من المشاركة في الحكومة؛ وقع الجدل والانقسام داخل الحزب، بظهور فريق من الإصلاحيين من أبرزهم رجب طيب أردوغان -عمدة إسطنبول السابق-، وعبد الله جول، وبولنت أرينش.

وفي محاولة لقيادة الحزب رشح جناح الإصلاح عبد الله جول لرئاسة الحزب في أول مؤتمر للحزب بعد الانتخابات، و لكن مرشح الجناح التقليدي (رجائي قوطان) فاز برئاسة الحزب.

و قد كشف هذا المؤتمر عن درجة الانقسام في حزب الفضيلة  في غياب زعيمه الحقيقي "أربكان"، و قوة الجناح الإصلاحي، وقد زاد الانقسام مع مرور الوقت؛ فأعلن قادة الجناح الإصلاحي عن عزمهم تأسيس حزب جديد، فتأسس في 14 أغسطس 2001م  حزب العدالة والتنمية بقيادة "أردوغان"، والذي خاض الانتخابات المبكرة في 2002م  بفكر جديد نال أغلبية أصوات الناخبين و بدرجة سمحت له بتشكيل الحكومة منفردا، بل و نجح في المحافظة على هذا التفوق ورئاسة الحكومة لثلاث انتخابات تالية متتالية.