د. ياسر برهامي - الحقيقة والمجاز في صفات الله تعالى (1) - بوابة الفتح الالكترونية
د. ياسر برهامي
2016-10-01 09:12:39

الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله -وحده لا شريك له- وأشهد أن محمدا -صلى الله عليه وسلم- عبده ورسوله، أما بعد..

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في رسالته المدنية في بيان الحقيقة والمجاز في صفات الله -عزّ وجلّ-، جوابا عن طلب الأسباب الأربعة التي لا بد فيها من صرف الكلام من حقيقته إلى مجازه: "فأنا أذكر ملخص الكلام الذي جرى بيني وبين بعض الناس في ذلك ...".

وظاهر كلام شيخ الإسلام هنا الإقرار بصحة تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، وقد أنكر في كتاب الإيمان ذلك التقسيم، ورده من وجوه عديدة، والبعض يجعل هذا التقسيم باطلا في نصوص الوحي دون كلام العرب.

والحقيقة أن النزاع في هذه المسألة لفظي لمن تأمله، وأن استيفاء الشروط لحمل الكلام على المجاز -سواء أسميناه مجازا، أم قلنا بل هو ظاهر اللفظ مع القرائن- هو المعتبر، وأن الخلاف مع أهل البدع إنما هو لعدم استيفاء هذه الشروط أو الأسباب الأربعة التي ذكرها شيخ الإسلام هنا، فيما ادّعوه من صحة تأويل الصفات كما سيأتي بيانه.

ولا ينبغي المنازعة في أن كلام العرب وغيرهم يستعمل على معان، تتفاوت دلالة الكلمات عليها بحسب الإطلاق، أو الاقتران، أو السياق، أو كثرة الاستعمال، فمهما سمينا الأغلب في الاستعمال ظاهرا أو حقيقة، أو قلنا هذا هو الأصل، وما عداه مما لا يستعمل الكلام للدلالة عليه إلا بقرينة، سميناه مؤولا أو مجازا أو هو خلاف الأصل أو نحو ذلك، فلا مشاحّة في الاصطلاح.

وقال شيخ الإسلام: (قال لي بعض الناس إذا أردنا أن نسلك طريق سبيل السلامة والسكوت، وهي الطريقة التي تصلح عليها السلامة، قلنا كما قال الشافعي رضي الله عنه: "آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-". وإذا سلكنا سبيل البحث والتحقيق، فإن الحق مذهب من يتأول آيات الصفات وأحاديث الصفات من المتكلمين).

وهذا قول طائفة من مبتدعة الخَلَف، قالوا: طريقة السلف أسلَم، وطريقة الخلف (يعنون التأويل للصفات) أعلَم وأحكَم، وهذا ليس بتحقيق ولا ببحث بل بدعة منكرة، وفيها الإزراء على طريقة السلف والطعن فيها، مع كون قائلها لم يحقق مذهبهم، فظن أن التفويض عندهم بمعنى تفويض المعنى، ومجرد السكوت عن ألفاظ لا يفهمون منها معنى، وهذا باطل بلا شك، كما سيأتي بيانه.

وهو ما رد عليه شيخ الإسلام بقوله: (فقلت له: أما ما قاله الشافعي، فإنه حق يجب على كل مسلم أن يعتقده، ومن اعتقده ولم يأت بقول يناقضه؛ فإنه سالك سبيل السلامة في الدنيا والآخرة، وأما إذا بحث الإنسان وفحَص، وجد ما يقوله المتكلمون من التأويل الذي يخالفون به أهل الحديث كله باطلا، وتيقن أن الحق مع أهل الحديث ظاهرا وباطنا).

وشيخ الإسلام يريد هنا أن يبين لمخالِفِه أنه ينتحل قول الشافعي رضي الله عنه، ويُصدِّره ليجذب إليه القلوب والعقول، لما جعل الله للإمام من القبول، لكنه في آخر الكلام يناقضه ويأتي بما يخالفه، فإن قول المخالف: "وإذا سلكنا سبيل البحث والتحقيق ... إلى آخره" يناقض ما نقل أولا عن الشافعي في حقيقة الأمر، مع بطلانه في نفسه.

قال شيخ الإسلام: (أمهات المسائل التي خالف فيها متأخرو المتكلمين -ممن ينتحل مذهب الأشعري- [أهل] الحديث (ثلاث مسائل):

*وصف الله بالعلو على العرش.

*ومسألة القرآن.

*ومسألة تأويل الصفات.

قلت له: نبدأ بالكلام على (مسألة تأويل الصفات)، فإنها الأم؛ والباقي من المسائل فرع عليها. وقلت له: مذهب (أهل الحديث)- وهم السلف من القرون الثلاثة(1)، ومن سلك سبيلهم من الخلف: أن هذه الأحاديث تُمَرّ كما جاءت(2)، ويُؤمَن بها وتصدَّق، وتصان عن تأويل(3) يُفضي إلى تعطيل(4)، وتكييف(5) يفضي إلى تمثيل(6)).انتهى.

(1) القرون الثلاثة: هم الذين شهِد لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالخيرية في قوله: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" رواه البخاري ومسلم. وهم الصحابة والتابعون وتابعوهم ومن سار على طريقتهم من أئمة أهل السنة والجماعة.

(2) تُمَرُّ كما جاءت: أي دالّة على معانيها اللائقة بجلال الله وعظمته.

(3) التأويل في الاصطلاح هو: صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى مرجوح لدليل يقترن به، فإن كان الدليل صحيحا، كان التأويل صحيحا، وكان في حقيقة الأمر من باب التفسير الذي هو بيان مراد المتكلم، وإذا كان الدليل ضعيفا كان التأويل ضعيفا، وإذا كان الدليل باطلا كان التأويل باطلا.

ومن هذا تأويل الصفات الذي أجمع السلف على الانكفاف عنه وعدم الخوض فيه، وإجماعهم يُقِرُّ به المخالف كما قاله "الجويني" -وهو من أئمة من فتح باب التأويل- فهذا الإجماع حجة لا تجوز مخالفتها، وهذا التأويل الباطل هو الذي يقصد هنا بقوله: "وتصان عن تأويل يفضي إلى تعطيل"، فهو تأويل اصطلاحي، فَقَدَ أحد شروط صحته وهو الدليل المقترن.

(4) التعطيل: هو النفي للصفات، والتأويل الباطل يفضي إلى تعطيل الصفة ونفيها، فمن قال: اليد القدرة، فهو ينفي أن يكون لله يدان، ويقول: لا يليق بالله -عزّ وجلّ- أن يوصف بأن يداه مبسوطتان، أو أنه خلق آدم بيده، فحقيقة التأويل التعطيل، إلا أن أصحابه لا يصرحون كما يصرح سلفهم من الجهمية والمعتزلة، الذين قالوا صراحة: "لم يُكلِّم موسى تكليما""، "لم يَتخِّذ إبراهيم خليلا"، "لم يَستَوِ على العرش" والعياذ بالله من هذا الكفر والتكذيب الصريح بالقرآن.

(5) التكييف: أعم من التمثيل، فقد يتصور الإنسان في ذهنه كيفية معينة ليس لها نظير في الخارج، كما لو صمم سيارة مثلا بشكل جديد ليس له نظير في عالم السيارات، فهذا الذي وقع في ذهنه قبل ابتكارها وصناعتها هو كيفية معينة، وأما التمثيل فإنه يقع في الذهن مشابها لصورة في الخارج كمقلِّدي السلع مثلا، فإنهم لم يبتكروا هذه السيارة أو السّلعة، بل قلَّدوا الصورة الموجودة، فجاءت مثيلتها، والتكييف لا بد فيه من تمثيل بدرجة ما؛ لأن الذهن الإنساني إنما يحامي ما رآه أو سَمِعَه أو عَلِمَه موجودا مع تعديل فيه، ولذا قال: "تكييف يفضي إلى تمثيل"، والتمثيل هو الذي نص القرآن على نفيه، قال تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، ونفي الكيف ورد عن السلف كقول مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".

ويلاحظ أن الكيف إنما يُنفى علم المخلوقين به، لأنه إحاطة بالمعلوم، والله -سبحانه وتعالى- لا يحيط به أحد من خلقه علما: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}. وليس النفي لوجود كيفية، بل هناك كيفية لصفات الله، لكن الخلق لا يعلمونها، لأن الكيفية هي حقيقة الصفة، وكذا الذات، أما التمثيل فالمقصود من نفيِه نفيُه بالكلية، لأن الله تعالى لا مِثل له مطلقا، ولا كفؤ له: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}.

فالخلاصة أن نفي التمثيل نفي مطلق، ونفي الكيف هو نفي علمِنا بالكيفية، ونفي إثبات كيفية معينة تقع في الأذهان عن الذات أو الصفات.

ونستكمل في مقالات قادمة بإذن الله..