د. علاء بكر - تركيا التي لا نعرفها( 5 ) (الانقلابات العسكرية في الجمهورية التركية) - بوابة الفتح الالكترونية
د. علاء بكر
2016-09-26 05:33:31

انزواء حزب الوطن الأم:

ضم حزب الوطن الأم منذ نشأته عام 1983م كافة الاتجاهات السياسية في تركيا، واستطاع "أوزال"، رئيس الحزب ورئيس الوزراء -في غياب الزعامات التاريخية التقليدية بسبب الحظر الذي فرض عليهم- أن يدير الحزب على ما فيه من مختلف الاتجاهات بحنكة وبراعة إلى جانب إدارة شئون البلاد . ثم جاء توليه لرئاسة الجمهورية ثم وفاته عام 1993 م  ليفقد الحزب كثيرا من قوته. ثم تولى ( يلدريم أق بولوط ) رئاسة الحزب ورئاسة الوزراء بعد تولي أوزال رئاسة الجمهورية، فخسر الحزب انتخابات 1991م  لتنتهي بذلك فترة قيادة الحزب لتركيا .

عودة الزعامات السياسية:

بدأت الزعامات المخضرمة ممارسة العمل السياسي من جديد من عام 1987م  بعد انتهاء الحظر المفروض عليها بعد الانقلاب العسكري الذي قاده كنعان إيفرين .

فأسس ديميريل حزب ( الطريق القويم )، وتزعم نجم الدين أربكان حزب (الرفاه)، الذي أسسه رفاق لأربكان منذ عام 1983م، ليتزعمه بنفسه عام 1987م بعد انتهاء الحظر المفروض عليه.

و في انتخابات 1991م فاز حزب ديميريل بالانتخابات واستطاع تشكيل حكومة بالتحالف مع أحد الأحزاب اليسارية.

تغير الخريطة الحزبية في تركيا في التسعينيات:

 شهدت فترة الثمانينيات تغيرا ملحوظا  في الحياة الحزبية في تركيا حيث بدأ خفوت تيار (اليمين الوسط) الذي تمثل في الحزب الديمقراطي بزعامة "مندريس" في الخمسينيات، ومن بعده حزب العدالة بزعامة "ديميريل" في الستينيات، ثم حزب الوطن الأم بزعامة "أوزال" في السبعينيات، ليتصدر المشهد حزبا الحركة القومية وحزب الرفاه (ومن بعده وريثه  حزب الفضيلة). ففي انتخابات 1991م حصل الحزبان على حوالي 17% من الأصوات. وفي انتخابات 1995م حصل الحزبان على 5و29 %من الأصوات. وفي انتخابات 1999م حصل الحزبان على 5و34 %.

صعود حزب الرفاه مع أربكان:

تأسس حزب الرفاه الإسلامي في يوليو 1983م بتوجيه من "أربكان" الذي كان يقضي فترة الحظر السياسي . حصل الحزب على 7%من الأصوات في انتخابات 1987م ، ارتفعت إلى 8و9% في انتخابات 1989م، وتحالف مع حزب الحركة القومية في انتخابات 1991م وما بعدها .

ويرى محللون أن صعود حزب الرفاه في فترة التسعينيات كان لأمور منها:

-              ظهور طبقة جديدة متوسطة متعلمة  لها أصول ريفية محافظة، كثير منها  تلقى تعليمه بمدارس (إمام - خطيب) الدينية، و نجح حزب الرفاه في اجتذابها، خاصة في إسطنبول.

-              الآثار السلبية الاقتصادية والاجتماعية والسلوكية لسياسة الانفتاح الاقتصادي في عهد "أوزال"، والتي استطاع الحزب استقطاب الكثير من ضحاياها، خاصة ممن نزحوا من الريف إلى إسطنبول والمدن الكبرى للبحث عن عمل فيها.

لقد تسبب الانفتاح في تراجع سيطرة الدولة على الاقتصاد والمجتمع، وازدياد الفجوة بين الأغنياء والفقراء، و كثرة العشوائيات، و ظهور سلوكيات ومظاهر غريبة على المجتمع التركي المحافظ بطبعه، كما ظهرت فئات جديدة من الطبقة المتوسطة المتعلمة ومن صغار رجال الأعمال ذوي الأصول المحافظة، والتي وجدت نفسها خارج المعادلة التي أوجدتها فترة الانفتاح، و قد مزجت بين مبادئ الكمالية التي تتبناها الدولة  والقيم المحافظة التي نشأت عليها، مع تزايد شعورها بالفقر إلى جانب القهر السياسي، لذا وجدت  الجاذبية في أطروحات حزب الرفاه، والتي قامت على  مكافحة الفقر، والمطالبة بالعدالة الاجتماعية، ودعم الضمان الاجتماعي.

خاصة و قد  قدم الحزب كوادر بعيدة في سلوكياتها ومظاهرها عن سلوك الأغنياء التي يستنكرها المجتمع، فنجح الحزب في مخاطبة هذه الفئات الخاسرة في عملية الانفتاح، و التي تطلعت إلى حزب الرفاه لينتشلها من التهميش الذي وصلت إليه.

-              نجاح أعضاء الحزب الذين نجحوا في المحليات (البلديات) في إداراتها بشكل ملحوظ.

-              استخدام الحزب لمجموعة من المؤسسات والجمعيات الخيرية  المنتمية إليه في تقديم المساعدات الاقتصادية والاجتماعية للمهمشين، وتوفير فرص عمل مقبولة للعاطلين من المتخرجين، ممن لم تستطع الدولة استيعابهم في وظائف.

كما نشطت كوادر الحزب النسائية في مساعدة الأمهات والأرامل على مواجهة أعباء الحياة الاقتصادية.

-              النجاح الإعلامي للحزب، حيث أدار حملته في الانتخابات متخصصون في الترويج السياسي، تصدوا للحملة المعارضة للتيار الإسلامي في الانتخابات، وعبر قنوات تلفزيونية خاصة ومجلات وصحف ووسائل إعلام صححوا  الكثير من مفاهيم الجماهير ونظرتهم للإسلاميين، بطرح معالجات للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية من خلال حلول مبتكرة مبنية على التفكير العلمي والممكنة عمليا.

بالإضافة إلى أسلوب الدعاية المباشرة الذي قام به أفراد الحزب في مناطق سكنهم وعملهم، وأنشطتهم الاقتصادية، فرأى الكثيرون في الحزب وعدا جديدا للأمة.

ورغم أن "أوزال" ألغى في عام 1991م بعض مواد قانون العقوبات التي تعاقب من يقوم بالدعاية الدينية اكتفاء بتشديد قانون مكافحة الإرهاب فإن حزب الرفاه تجنب الإكثار من  استخدام العبارات الدينية أو الحزبية في حملته الدعائية ، وطرح معالجات و حلول مبتكرة ، وشعارات جذابة لاقت القبول .

ظهرت قوة الرفاه لأول مرة في الانتخابات المحلية (البلديات) في عام 1994م حين حصل على 6 بلديات رئيسية منها أنقرة العاصمة، وإسطنبول أكبر المراكز الحضارية، فجاءت تجربته في البلديات  ناجحة للغاية، خاصة  في إسطنبول بفضل إدارة عمدتها (رجب طيب أردوغان)، الذي حقق نجاحا لم يحققه أحد قبله، نال إعجاب الجميع، وهو في الأربعينيات من عمره. 

 وفي انتخابات ديسمبر 1995م تقدم حزب الرفاه على كل الأحزاب، إذ حصل على 3و21 % من الأصوات، فشكل حكومة ائتلافية برئاسة "أربكان" بالمشاركة مع حزب (الطريق القويم ).

وعلل الكثيرون تقدم الحزب في هذه الانتخابات إلى  رفض الناخبين فساد الحكومات والأحزاب السياسية التي سبقت حزب الرفاه، وتنامي شعور الرأي العام ضدها من جهة، وجاذبية الشعارات الدعائية التي أطلقها حزب الرفاه، وكان لها تأثيرها على البسطاء من الناس. وقبل ذلك أداء الحزب العملي في المحليات (البلديات).

بالإضافة إلى أن تركيا شهدت في منتصف الثمانينات وبداية التسعينيات ازدياد الإحياء الإسلامي، الذي ساهمت فترة حكم "أوزال" في ظهوره خاصة، وأن "أوزال" كان يصلي الجمعة في المسجد علنا وأمام الكاميرات أسبوعيا، مما أعطى الانطباع بأن الدولة  لا تمانع إظهار مظاهر الدين في الحياة العامة.

اتجاه "أربكان" الإسلامي في الحكم:

اتخذ "أربكان" العديد من القرارات التي تنبع من توجهه الإسلامي، والتي تخالف ما كانت عليه تركيا قبله، فمن ذلك:

-              الابتعاد عن الغرب: إذ  أعلن رفضه للانتماء الغربي لتركيا، وأبدى رغبته في انسحاب تركيا من حلف الناتو، ورفض الاقتراض من  صندوق النقد الدولي.

-              التركيز على الهوية الإسلامية لتركيا وماضيها العثماني المجيد، و كانت أول زياراته الخارجية –رغم التحذيرات- إلى إيران وليبيا.

-              دعوة زعماء بعض الطرق الصوفية إلى حفل رمضاني، وكانت الدول قد حظرت من سبعين عاما أنشطة  هذه الطرق الصوفية العلنية.

-              تنظيم احتفالية في فبراير 1997م بمناسبة يوم القدس، حضرها السفير الإيراني، الذي ألقى كلمة دعا فيها تركيا إلى تطبيق الشريعة الإسلامية.

 

الانقلاب العسكري الرابع وإقصاء "أربكان" من الحكم:

 جاء اهتمام "أربكان" بدعم  الفعاليات الإسلامية في البلاد ليجعله تحت مراقبة المؤسسة العسكرية والعلمانيين في تركيا، والتي كانت ترى أن مجرد وصوله للسلطة كارثة على الجمهورية الكمالية التي أقاموها، وتولوا الدفاع عنها، فتمت مراقبة سياسات الحكومة وسلوكيات الوزراء وكبار الموظفين.

ورغم أن "أربكان" لم يمس فعليا علاقة تركيا بالغرب، واتبع المهادنة مع الغرب في السياسة الخارجية لتركيا، ولم يتعرض لالتزامات تركيا الدولية مع الغرب وحلف "الناتو" على عكس ما كان يتوعد، بل حافظ على علاقة تركيا بإسرائيل –ربيبة أمريكا والغرب– ووقع اتفاقا للتعاون العسكري معها، إلا أن المؤسسة العسكرية أبت إلا مواجهته بشدة، فقدمت المؤسسة العسكرية لحكومة "أربكان" في اجتماع مجلس الأمن القومي قائمة من المطالب لمواجهة تنامي الأنشطة الدينية في البلاد و إنهاء (الحالة الأصولية) في البلاد، والتي لم يقدر "أربكان" على الاستجابة لها وتنفيذها، لكونها فوق طاقته، وتهدد مكانته أمام القاعدة الجماهيرية التي اختارته.

كما قادت المؤسسة العسكرية -من وراء ستار- حملة إعلامية ضد حزب الرفاه شاركت فيها مؤسسات اقتصادية وإعلاميون أظهروا للرأي العام عدم رضاهم عن سياسات الحكومة ورفضهم لها، وأنها تهدد نظام البلاد وأمنه، وتم الضغط على نواب من الائتلاف الحاكم للانسحاب منه، مما أفقد الحكومة الائتلافية أغلبيتها، مما اضطر معه "أربكان" إلى تقديم استقالة حكومته في يونيو 1997م، فيما وصف بأنه انقلاب سلمي هادئ قادته المؤسسة العسكرية.