د. علاء بكر - تركيا التي لا نعرفها... (الانقلابات العسكرية في الجمهورية التركية) (2) - بوابة الفتح الالكترونية
د. علاء بكر
2016-08-28 00:29:19

سيطرة أصحاب الفكر القومي العلماني على الجمهورية التركية:

كانت الدولة العثمانية مع أواخر القرن التاسع عشر الميلادي تموج بالتيارات الفكرية المختلفة، ومنها شريحة من الأتراك تبنت الفكر القومي وتشربت أيضا الفكر العلماني، نتيجة مؤثرات أوروبية طاغية انتقلت عبر الانفتاح على أوروبا التي كانت تعيش من بعد الثورة الفرنسية على المبادئ العلمانية المنادية بفصل الدين عن الدولة.

وكانت غاية آمال غالبية هؤلاء "أوربة" السلطنة العثمانية، بتحديثها على ما عليه الغرب، ولم يصل بها الفكر إلى الفصل الواضح بين الهوية التركية القومية والهوية العثمانية المسلمة، أي لم تتصور فكرة القومية التركية بدون المكون الإسلامي فيها.

وقد أسهمت النخبة المثقفة وبعض القادة العسكريين المعتنقين للفكر القومي في تنمية الاتجاه القومي بانتماء عناصر منها إلى حركات سياسية تتبنى الفكر القومي مثل "تركيا الفتاة" و"شباب العثمانيين" و"الوطن" وجمعية "الاتحاد والترقي"، والتي طرحت مع الهزائم العسكرية والأحداث القاسية التي تعرضت لها الدولة العثمانية أفكارا وآراء جريئة لم تكن في التصور من قبل.

وصارت لهذه النخبة القومية جناحان :

-       جناح عسكري داخل الجيش، وهو الذي تولى كبر إقامة الجمهورية التركية على الفكر القومي العلماني الغربي بالقوة، وأسقط الخلافة الإسلامية، وفرض إزالة المظاهر الإسلامية على الأتراك.    

-       جناح مدني، من مثقفين على درجة عالية من التعلم والتربية على النمط الغربي ممن تولوا الترويج للمبادئ القومية والعلمانية والتغريب بين الجماهير التركية قبل ومع وبعد إنشاء الجمهورية التركية.

لقد رأى أصحاب هذا الاتجاه القومي تحديث المجتمع التركي بتغييره جذريا ليوافق النموذج الغربي حرفيا، لاسيما في فصل الدين عن الدولة، باعتبار التجربة الغربية هذه هي الكفيلة بتقدم المجتمع التركي، وربطوا بين مفهوم الدولة العلمانية والأمة التركية وارثة القومية الطورانية –التركية- التي تقطن الأناضول، والتي تخلت عن تراثها العثماني الإسلامي بالكلية .

صناعة زعيم يقود تركيا إلى التغريب (مصطفى كمال أتاتورك):

ولد مصطفى على رضا بمدينة "سالونيكا" الساحلية التي تقع على بحر "إيجه" باليونان حاليا في عام 1881 م . توفي والده علي رضا أفندي وهو صغير، فتولت أمه تربيته.

التحق برغبته بالمدرسة الثانوية العسكرية بسالونيكا عام 1893 م . ولتميزه وتفوقه أطلق عليه "مصطفى كمال". انتقل في عام 1895 م إلى مدرسة التدريب العسكري في "موناستر" في منطقة تقع بين اليونان وألبانيا، وكانت هذه المدرسة تموج بالحركات السياسية والحزبية. وفي عام 1899 م انتقل إلى مدرسة المشاة بكلية الحرب في إسطنبول التي تخرج منها عام 1902 م برتبة ملازم. ورقي إلى رتبة رقيب عام 1905 م.

ولما كانت "إسطنبول" تعيش مناخا سياسيا مشبعا بأفكار التغيير فقد اهتم الضابط الصغير بالتثقيف السياسي لنفسه، وشارك أصدقائه -ومنهم منتمين لحركة تركيا الفتاة وجمعية الاتحاد والترقي- نقاشاتهم واجتماعاتهم السياسية، وصاغ في تلك الفترة الكثير من أفكاره وميوله. وقد اعتقل بسبب هذا النشاط السياسي السري، وتم إيداعه بالسجن العسكري لشهور، وعوقب بعد إطلاق سراحه بالنقل إلى الشام، بعيدا عن إسطنبول، حيث تنقل بين بيروت ودمشق والعقبة والقاهرة. وخلال هذه الفترة أسس جمعية سرية باسم "الوطن".

وفي عام 1907م تم تعيينه في رئاسة أركان سالونيكا، ثم رقي إلى رتبة جنرال، ثم عين ملحقا عسكريا لدى بلغاريا عام 1913م.

وخلال الحرب العالمية الأولى نجح في صد هجوم للحلفاء على القوات العثمانية عند مضيق الدردنيل عام 1915 م. وبعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى تم إحالته للاستيداع مع الكثيرين غيره من ضباط الجيش.

وفي مايو 1919 م وفي مواجهة حركة تمرد لأقلية يونانية في شمال الأناضول قرب ساحل البحر الأسود استدعت وزارة الدفاع بإسطنبول مصطفى كمال، وكلفته بإخماد التمرد اليوناني، فقبل على الفور، وانتهز فرصة السلطات التي منحت له بمقتضى هذا التكليف في تجميع خلايا المقاومة الوطنية المتناثرة في الأناضول لتحرير البلاد من المحتلين، كما عاود اتصالاته بالقوميين، ونجح في طرد اليونانيين والحلفاء، وإعادة وحدة الأناضول من جديد، وإنقاذ الدولة العثمانية من خطر التمزق والتفتت في آخر معاقلها، حتى لقبه الأتراك بـ"الغازي".

كان الأتراك يقاتلون في حرب الاستقلال مع مصطفى كمال دفاعا عن السلطنة العثمانية وهو يظهر لهم ذلك، ولكنه يرتب أمره على خلاف ما يظهر. فبعد انتهاء حرب التحرير وتوقيع معاهدة لوزان أعلنت الجمعية الوطنية التركية بزعامة مصطفى كمال قيام الجمهورية التركية في عام 1923م، وانتخب مصطفى كمال أول رئيس لها، فتظاهر بالاحتفاظ –مؤقتا- بالخلافة، واختير عبد المجيد بن السلطان عبد العزيز خليفة بدلا من السلطان محمد السادس، وعليه غادر محمد السادس تركيا على متن بارجة بريطانية إلى مالطة، ولم يمارس السلطان عبد المجيد سلطات الحكم، إذ تولى مصطفى كمال حكم البلاد بعد أن ضمن تأييد الدول الكبرى له، وألغى الخلافة الإسلامية في 3 مارس 1924م، وقام بنفي الخليفة في اليوم التالي، وقام بمصادرة أمواله، ونفي أنصاره .

وبدأ مصطفى كمال إجراءات التغريب البشعة لتركيا، مع إخماد أي صوت معارض لها باستعمال القوة المفرطة، ومن ذلك:

* أزال من الدستور المادة التي تشير إلى أن الإسلام دين الدولة.

* ألغى وزارة الأوقاف وعهد بشئونها إلى وزارة المعارف.

* استبدل الشريعة الإسلامية بقانون مدني مأخوذ من القانون السويسري، وألغى العمل بالتقويم الهجري.

* فرض إجباريا استخدام الحروف اللاتينية في كتابة اللغة التركية وطبع مؤلفاتها بدلا من الحروف العربية، ومنع تعليم اللغة العربية في البلاد. وجعل أذان الصلاة باللغة التركية.

* منع ارتداء النساء للحجاب الإسلامي في الحكومة والمؤسسات الرسمية للدولة، وحظر العمامة والطربوش في زيّ الرجال، وعدها من رموز الماضي.

* قام بتغيير المناهج الدراسية، وتنقية اللغة التركية من الكلمات العربية، واستبدلها بكلمات أوروبية لاتينية. وأعاد كتابة التاريخ بصورة تبرز الماضي التركي القومي.

* حدد عدد المساجد، ولم يسمح بغير مسجد واحد في كل دائرة من الأرض محيطها 500 متر، وخفض عدد الوعاظ الذين تدفع الدولة رواتبهم إلى 300 واعظ فقط، وأغلق أشهر مسجدين في تركيا: مسجد آيا صوفيا، ومسجد الفاتح.

* جعل العطلة الرسمية يوم الأحد بدلا من يوم الجمعة.

* أهمل التعليم الديني في المدارس، ثم تم إلغاؤه، وأغلقت كلية الشريعة الإسلامية في جامعة إسطنبول لقلة عدد الطلاب المتقدمين لها.

* أصدر قانونا ينظم اسم العائلة، وألزم المواطنين بتسمية أنفسهم من جديد بمقتضاه.

وطوال فترة حكم مصطفي كمال وحتى وفاته عام 1938م اعتبر مصطفى كمال عدم امتثال أي أحد لأي من إجراءاته هو رفض منه للجمهورية التركية بأكملها، ورأى أن كبح المشاعر الدينية للأتراك كفيل بتحقيق نفس نتائج النموذج العلماني الغربي، لذا نصب المشانق لكل من ينتقد أو يخالف "إصلاحاته الجمهورية"، أو يراها هدما لأسس المجتمع الدينية، وأصبحت ممارسة الدين أو الإعلان عن الانتماء للقيم الدينية المحافظة -ولو في حدودها البسيطة- من الأمور الممنوعة، والغير ممكنة، واستمر ذلك طوال حكم مصطفى كمال ولفترات طويلة بعد وفاته.

إن أقل ما يقال عن فترة الجمهورية الأولى التي قادها مصطفى كمال –بل ورفاقه من النخبة العسكرية التي سارت على نهجه من بعده– أنها تجاوزت في مسألة التعامل مع الدين وبصورة مبالغ فيها حدود متطلبات إنشاء دولة قومية، وإن النخبة القومية العلمانية في تركيا حكمت الدولة والمجتمع منذ إعلان الجمهورية عبر جناحها العسكري حكما أوتوقراطيا جعل تركيا هي "الكمالية" كما أرادها لها مصطفى كمال، فلم يكن غريبا أن تلقبه هذه النخبة بلقب "أتاتورك"، والتي تعني بالتركية (أبو الأتراك).