عصام حسنين - الشيطان والقاصية - بوابة الفتح الالكترونية
عصام حسنين
2016-08-22 11:49:27

عن معاذ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الشيطان ذئب الإنسان، كذئب الغنم، يأخذ السيرة والقاصية والناحية، فإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد "حسن لغيره. رواه أحمد وغيره، السيرة بضم السين وفتحها: كثيرة السير بعيداً عن القطيع، والناحية التي تكون في جانب، والقاصية: البعيدة.

 والذي يجمع هذه الكلمات هو البعد عن القطيع فتكون عندئذ فريسة سهلة للذئب، وعن معدان بن أبي طلحة قال: قال لي أبو الدرداء: "أين مسكنك؟" قلت: "في قرية دون حمص"، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من ثلاثة لا يؤذن ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة فإن الذئب يأكل القاصية ". حسن. رواه أبو داود والنسائي وحسنه الألباني وهو شاهد لما قبله.

 

وعن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أراد بحبوحة الجنة فيلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد". صحيح. رواه أحمد وغيره، وبحبوحة الجنة: أي وسطها وخيارها.

في هذه الأحاديث يخبرنا -صلى الله عليه وسلم- في تشبيه رائع يجسم المعنوي في صورة حسية، نرى فيها أن البعد عن الجماعة سواء جماعة المسجد أو السفر أو جماعة المسلمين، إنما يأكله الشيطان كما يأكل الذئب من الغنم الشاذة والقاصية والجنيبة، سواء كان البعد بالخروج عن منهج الصحابة أو الخروج على المسلمين بالسلاح أو اعتزال جماعة الصلاة.

ومعلوم أن كل من ابتلي بهذا الانفراد تتمكن منه وساوس الشيطان وتكون عليه قوية بخلاف إذا كان بين إخوانه يمكنه بسهولة رد هذه الوساوس الشيطانية.

ولفظ الجماعة الناجية الذي ورد في حديث افتراق الأمة المقصود بهم الصحابة -رضي الله عنهم- ومن سار علي نهجهم بإحسان.

 سواء كانوا أفرادًا أو فردًا؛ فإن الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه وكما قال ابن المبارك -رحمه الله- لما سئل عن الجماعة قال: "أبوبكر وعمر"، قيل: "هؤلاء ماتوا. .فمن الأحياء؟" قال: "أبوحمزة السكري".

رجل واحد هو الجماعة؟

نعم من كان متمسكاً بما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام، حيث قال سبحانه وتعالى: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا}، وقال {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ}، باتفاق المفسرين أن المقصود بالناس هنا هم الصحابة -رضي الله عنهم-.

فأمرنا الله -تعالى- أن نسأله الهداية إلى صراطه المستقيم سبع عشرة مرة في اليوم والليلة في الصلوات الخمس لما في هذه الهداية من ضرورة كضرورة الماء والهواء لحياة الإنسان نفسا وجسدا، فالعبد يحتاج إلى إرشاد ربه وتوفيقه إلى صراطه المستقيم ثم تثبيته عليه ثم إماتته عليه.

ولقد بين لنا -تعالى- صراط من نسلك، فقال سبحانه: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}، والمنعم عليهم هم المذكورون في قوله تعالى: وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا ذَٰلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ عَلِيمًا}.

وأمرنا الله تعالى بلزوم العلماء وسؤالهم عندما تنزل بنا نازلة في حكم شرعي أو فتن في مال أو دم أو عرض، قال -تعالى-{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، وقال سبحانه:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}، وقال: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا}،والعلماء مصابيح الدجى وألوية الهدى لاسيما عند نزول الفتن، قال صلى الله عليه وسلم "فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب".

وكما أمرنا الله تعالى بلزوم العلماء كذلك أمرنا بلزوم الجماعة والحذر من وساوس الشيطان في الخروج عنهم والابتعاد منهم؛ فإن ذلك بداية الانفراد والضياع، ينفرد به الشيطان ويكثر له من الوساوس حتى يبعده عن إخوانه الذين كان محبا لهم متآلفا معهم، يتعاون معهم على البر والتقوى كما أمر الله تعالى ثم ينفرد به ثم يأكل دينه والتزامه أكلا كما قال صلى الله عليه وسلم، وهو من معجزاته فقد رأينا حال من انفرد كما أخبر صلى الله عليه وسلم.

قال ابن مسعود : "إن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة"، فالحذر الحذر من وساوس الشيطان؛ لتنفيرك من إخوانك، وإن وقع شيء من ذلك؛ فاعلم أنه من الشيطان وأنه نذير ضعف الإيمان!.

 وإيمانك يحتاج إلى تقوية؛ لأنها وسوسة بخلاف ما أمر الله من الاجتماع والتآلف والتعاضد والتناصر؛ لإقامة طاعة الله وأحكامه في الأرض ...والله المستعان.

نسأل الله أن يثبتنا وإياكم على الدين وأن يستعملنا فيما يحب ويرضى.