زين العابدين كامل - تربية الأجيال وصناعة الأمم (عبد الله بن ياسين أنموذجا) - بوابة الفتح الالكترونية

من تدبر أحوال المسلمين منذ بعثة النبى صلى الله عليه وسلم، يرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه الله تعالى في بيئة شركية تعبد الأصنام من دون الله تعالى، وقد نشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فى واقع مليء بالمنكرات والضلالات والشركيات والخرافات، لذا مقت الله تعالى هذا الواقع وهؤلاء الناس الذين ابتعدوا عن طريق الحق، وفي صحيح مسلم رحمه الله عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: "ألَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا – ومما قاله -: وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا، وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَقَالَ إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ". والمراد بهذا المقت والنظر ما كان قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد ببقايا أهل الكتاب هم الباقون على التمسك بدينهم الحق من غير تبديل. وقوله: "إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك".معناه: لأمتحنك بما يظهر منك من قيامك بما أمرتك به من تبليغ الرسالة، وأبتلي بك من أرسلتك إليهم، فمنهم من يؤمن ومنهم من يعاند ويستكبر ويكفر، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده هو من يقول لا إلا إلا الله، ثم أمن عدد قليل في بداية الدعوة إلى الله، وكانوا قلة مستضعفة، منهم من هاجر إلى الحبشة ومنهم من عاش فى مكة مضطهدا متعرضا للتعذيب والتنكيل. واستمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الدعوة إلى الله تعالى ،حتى كانت الهجرة من مكة إلى المدينة بعد ثلاثة عشر عاما من الدعوة في مكة المكرمة، وقد بلغ عدد المسلمين ما يقرب من مائتين فقط، ثم أسس رسول الله صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام الأولى، وأخذ يربى الصحابة على العقيدة الصحيحة وكمال الإيمان وإصلاح القلوب ونحو ذلك، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فاتحا منتصرا فى العام الثامن من الهجرة ومعه عشرة ألاف مسلم، ثم كانت غزوة تبوك فى العام التاسع من الهجرة ومعه ثلاثون ألف مقاتل، ثم كانت حجة الوداع فى العام العاشر وخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة ألف من المسلمين، ثم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك هؤلاء الذين تخرجوا من تحت يديه مع وجود التفاوت بينهم، لكنهم استطاعوا بفضل الله تعالى أن يفتحوا البلاد ويعبدوا العباد لرب العباد جل وعلا، وهكذا كان التغيير فى عصر النبوة، ثم جاء عصر التابعين وظهرت نماذج أيد الله بها دينه، ولن تعدم الأمة من هذا الخير على مدى العصور.

وفي صفحات التاريخ المشرقة نلمح نموذجا قاد حركة تغيير وإصلاح سجلها له التاريخ، هو عبد الله بن ياسين بن مكوك بن سير بن علي الجزولي، ولد فى بداية القرن الخامس وتوفي في جمادى الأولى 451 هـ، هو داعية ومجاهد ومربى وفقيه وقائد، من زعماء الإصلاح الإسلامي، جدد الإسلام بإفريقيا، وهو الذى وضع اللبنة الأولى لدولة المرابطين في المغرب الأقصى. ويلقبه البعض بالزعيم الديني لدولة المارابطين، قال  عنه الذهبي: «كان عالمًا قوي النفس، ذا رأي وتدبير».

عاش الشيخ عبد الله بن ياسين في جنوب موريتانيا حيث قبيلة جُدَالة، وقد كثرت المنكرات فى الناس، فتمعر وجه الشيخ لما يرى من ارتكاب المنكرات، ولا يُنْكِر عليهم مُنْكِر، بدأ يُعَلِّم الناسَ؛ ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وكان الناس في جهل شديد يصفه القاضي عياض -رحمه الله- بقوله: كان الدين عندهم قليلًا، وأكثرهم جاهلية، ليس عند أكثرهم غير الشهادتين، ولا يعرف من وظائف الإسلام سواهما.

ثم  ثار عليه بعض الناس من أصحاب المصالح الدنيوية ممن يفرحون بالمنكرات ويصدون عن سبيل الله تعالى، فهم أكبر مستفيد من هذا الواقع، فبدأ الناس يجادلونه ويصدُّونه عمَّا يفعل، ولم يستطع يحيى بن إبراهيم الجُدالي زعيم القبيلة أن يحميه.لم يقنط الشيخ عبد الله بن ياسين، وحاول المرَّة تلو المرَّة، فضربوه وأهانوه، ثم هَدَّدُوه بالطرد من البلاد أو القتل، إلا أن موقف الشيخ لم يَزْدَدْ إلاَّ صلابة، ومرَّت الأيام وهو لا يكل ولا يمل، حتى طردوه بالفعل.

عبد الله بن ياسين ونواة دولة المرابطين

جلس عبد الله بن ياسين يُفكِّر فى أمره، فإن الداعى إلى الله لا يستطيع أن يعيش دون العمل فى حقل الدعوة فما كان منه إلاَّ أن تعمَّق في الصحراء ناحية الجنوب بعيدًا في أعماق القارة الإفريقية، حتى وصل إلى جزيرة يُرَجَّح أنها تقع في منحنى نهر النيجر على مقربة من مدينة تنبكتو، ويصف ابن خلدون هذه الجزيرة بقوله: «يحيط بها النيل ضَحْضَاحًا في الصيف، يخاض بالأقدام، وغمرًا في الشتاء يُعْبَر بالزوارق».

صنع عبد الله بن ياسين لنفسه خيمة متواضعة، وكان من الطبيعي أن يكون في جُدَالة بعض الأشخاص الذين تتجه قلوبهم وفطرتهم لهذا الدين، فحين علموا بمكان عبد الله بن ياسين، نزلوا إليه من جنوب موريتانيا ولم يتجاوز عددهم في بادئ الأمر سبعة نفر من جدالة، على رأسهم الأمير يحيى بن إبراهيم الجدالي، الذي ترك قومه ومكانته فيهم ونزل مع الفقيه.

وفي خيمته المتواضعة أخذ الشيخ عبد الله بن ياسين يُعَلِّمهم الإسلام بنظامه الشامل المتكامل.

تربية المرابطين

ثم كثرت الخيام وأخذ العدد يزداد رويدا رويدا ومع كثرة الخيام وازدياد العدد أصبح من الصعب على الشيخ توصيل علمه إلى الجميع، فقسَّمهم إلى مجموعات صغيرة، وجعل على كلٍّ منها واحدًا من النابغين المتميزين ، وهذا هو منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان يجلس مع صحابته في مكة يُعَلِّمهم الإسلام، وفي بيعة العقبة الثانية حين قسم الاثنين والسبعين رجلًا من أهل المدينة المنورة إلى اثني عشر قسمًا، وجعل على كل قسم منهم نقيبًا عليهم، ثم أرسلهم مرَّة أخرى إلى المدينة المنورة حتى قامت للمسلمين دولتهم.

وهكذا كان منهج الشيخ عبد الله بن ياسين، حتى بلغ العدد في سنة 440هـ -  1048 م، بعد أربعة أعوام فقط من بداية دعوته ونزوحه إلى الجزيرة إلى ألف نفس مسلمة، (نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (الصف: 13).

فبعد أن طرده قومه وبعد أن أُوذي في الله وضُرب وهُدِّد بالقتل، إذا به ينزل بمفرده إلى أعماق الصحراء حتى شمال السنغال وحيدًا طريدًا شريدًا، ثم في زمن لم يتعدَّى أربع سنوات يتخرَّج من تحت يديه ألف رجل على أفضل ما يكون من فهم الإسلام وفقه الواقع. وعلى التضحية والبذل والفداء والجهاد والعطاء.

وسار كل رجل منهم إلى قومه وعشيرته، فوعظهم وأنذرهم ودعاهم إلى الإقلاع عمَّا هم عليه من الباطل، فلم يكن منهم من يقبل ولا يرجع، فخرج إليهم عبد الله بن ياسين، فجمع أشياخ القبائل ورؤساءهم وقرأ عليهم حجة الله، ودعاهم إلى التوبة، وخَوَّفهم عقاب الله، فأقام يُحَذِّرهم سبعة أيام وهم في كل ذلك لا يلتفتون إلى قوله، ولا يزدادون إلا فسادًا، فلمَّا يئس منهم قال لأصحابه: قد أبلغنا الحجة وأنذرنا، وقد وجب علينا الآن جهادهم، فاغزوهم على بركة الله تعالى.

معنى المرابطين

أصل كلمة الرباط هي ما تُربط به الدابَّة، ثم قيل لكل أهل ثغر يدفع عمَّنْ خلفه رباط، فكان الرباط هو ملازمة الجهاد وروى البخاري بسنده عن سهل بن سعدٍ الساعديِّ رضى الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا» ولأن المرابطين أو المجاهدين كانوا يَتَّخِذُون خيامًا على الثغور يحمون فيها ثغور المسلمين، ويُجاهدون في سبيل الله؛ فقد تَسَمَّى الشيخ عبد الله بن ياسين ومَنْ معه ممن كانوا يُرابطون في خيام على نهر السنغال بـ "جماعة المرابطين"، وعُرفوا في التاريخ بهذا الاسم.

كما تُطْلِق عليهم بعض المصادر الملثَّمِينَ، فيُقال: أمير الملثمين، ودولة الملثمين. ويرجع سببُ هذه التسمية كما يذكر ابن خلّكان في وفيات الأعيان: (هم قوم يتلثَّمُون ولا يكشفون وجوههم؛ فلذلك سَمَّوْهُم الملثَّمين، وذلك سُنَّة لهم يتوارثونها خلفًا عن سلفٍ).

إنَّ من يتدبر سيرة الشيخ عبد الله بن ياسين والمرابطين الذين كانوا معه، يظهر له جليا قيمة التربية الصحيحة المستمدة من منهاج النبوة، فهؤلاء جماعة من الناس اعتزلوا قومهم ليعبدوا الله  وكان هذا الاعتزال جزءًا من خطة كبيرة، يتمُّ تنفيذها خطوة بعد خطوة، بفهم سليم وعمق في التفكير، ودقَّة في التخطيط، وبراعة في التنفيذ.

عندما وصل عدد المرابطين إلى ألف، بعثهم الشيخ ابن ياسين إلى أقوامهم لينذرونهم، ويطلبوا إليهم الكف عن البدع والضلالات، واتباع أحكام الدين الصحيح، ففعلوا ما أُمروا به، ودعا كل قومه إلى الرشد والهدى ولما لم يستجب لهم الناس بدءوا يستعدُّون لغزو البلاد والقبائل المحيطة بهم، وأرسلوا يُنذرون ويُعذرون، ثم بدأت غزواتهم بالفعل للقبائل والبلاد، ففتحوا الكثير منها، وأخضعوا القبائل المحيطة بهم، وتسامع بهم فقهاء بعض البلاد الأخرى، فأرسلوا إليهم ليُخَلِّصُوهم من حكامهم الطغاة.

وبدأ أمرهم يقوى وأعدادهم تزداد، وبدأ المرابطون يصلون إلى أماكن أوسع حول المنطقة التي كانوا فيها في شمال السنغال، فبدءوا يتوسعون حتى وصلت حدودهم من شمال السنغال إلى جنوب موريتانيا، وأدخلوا معهم جُدَالة، فأصبحت جُدَالة ولَمْتُونة -وهما القبيلتان الموجودتان في شمال السنغال وجنوب موريتانيا- جماعة واحدةً تمثِّل جماعة المرابطين.

ثم تنتهي قصة المؤسس والمربى الشيخ عبد الله بن ياسين بمقتله فى إحدى الحروب بعد أن أمضى أحد عشر عامًا من تربية الرجال على الجهاد.

فهذه إحدى النماذج المشرقة فى تاريخ أمتنا، كيف استطاع بفضل الله تعالى أن يغيرا واقعا طغى فيه المنكر واشتد، كيف قام بتربية جيل مسلم يصلح لتحمل الأمانة، و إن المتأمل فى حياة الصحابة رضى الله عنهم والتابعيين يرى أنهم تحولوا فى فترة زمنية يسيرة من رعاة فى الصحراء للإبل والغنم إلى قادة للدول والأمم، كيف تحقق ذلك؟ وكيف تم هذا التحول العجيب؟ فتحوا بلاد فارس والروم وهزموا أعظم إمبراطوريات العالم وفتحوا مصر وبلاد إفريقيا ووصلوا إلى الصين والهند وعبروا البحار، حدث ذلك لأنهم تربو على منهج متكامل يجمع بين العلم والعمل، وبين العبادة والأخلاق والسلوك، هكذا كانوا وهكذا يجب أن نكون، والله المستعان.