م. إيهاب شاهين - المعادلة الصعبة وبناء المجتمع - بوابة الفتح الالكترونية
م. إيهاب شاهين
2016-08-10 11:21:46

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

لما هاجر النبي من مكة إلى المدينة وترك ملاعب صباه وأحب البلاد إليه بسبب أذية قريش له بدأ التفكير في بناء مجتمع جديد في أرض الهجرة الجديدة، ولم يقف عند هذا الحدث الجلل بدون تفكير إيجابي لأن الأمر عقدي، فالقائد الناجح لا يغير عقيدته وإن تغير موطنه.

هاجر النبي وبدأ بأمرين رئيسين هما بداية بناء المجتمع الصالح الذي سيغير العالم من حوله وهذان الأمران هما بناء المسجد والثاني المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، بناء المسجد المكان الذي سيكون حاضنة لتعليم هذا المجتمع كيف يتعامل مع الحياة بكل جوانبها اجتماعيا، اقتصاديا، سياسيا، عسكريا، وقبل ذلك أن يتعلم كيف يعيش بالقرآن عقيدة وشريعة وخلقا؛ فتكتمل جوانب التربية من خلال هذه الحاضنة مع المربي الأعظم النبي فمن أجل ذلك كانت البداية ببناء المسجد.

ونظرا لأن الشيطان أقسم لرب العزة أن لا يدع البشرية إلا بإغوائها، فكان لا بد من الأمر الثاني الذي يساعد النفس على تخطي عقبات مفسدات المجتمعات؛ كالغيبة والنميمة، وسوء الظن، وأكل الأموال بالباطل ،واعتداء القوي على الضعيف، وعدم احترام الصغير للكبير أو عطف الكبير على الصغير، فكان لا بد من توطيد العلاقة بين أبناء هذا المجتمع الجديد، فكانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، حتى يسد باب الشيطان في التحريش بينهم بإفساد مجتمعهم. فكانت هذه الخطوة التي لم يعرف التاريخ مثلها قط، ولولا صحة الأسانيد بما حدث ما يكاد العقل يصدق ما حدث؛ من أمر المؤاخاة بين هذا المجتمع الجديد، بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف، وما كان بين سلمان وأبي الدرداء رضي الله عن الجميع.

ودعنا أيها القارئ الكريم نتعرف على ما حدث بين سلمان وأبي الدرداء، هذه القصة أوردها البخاري رحمه الله في صحيحيه في الحديث الذي رواه أبي جحيفة رضي الله عنه يقول: "آخى النَّبيُّ بين سلمان وأبي الدَّرداء، فزار سلمان أبا الدَّرداء، فرأى أمَّ الدَّرداء متبذِّلةً، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدَّرداء ليس له حاجة في الدُّنيا. فجاء أبو الدَّرداء، فصنع له طعامًا، فقال: كُلْ. قال: فإنِّي صائمٌ. قال: ما أنا بآكلٍ حتى تأكل. قال: فأكل. فلمَّا كان اللَّيل ذهب أبو الدَّرداء يقوم، قال: نَمْ. فنام، ثمَّ ذهب يقوم، فقال: نَمْ. فلمَّا كان مِن آخر اللَّيل قال سلمان: قُم الآن. فصلَّيا، فقال له سلمان: إنَّ لربِّك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعط كلَّ ذي حقٍّ حقَّه. فأتى النَّبيَّ فذكر ذلك له، فقال النَّبي : صدق سلمان".

وفي هذا الحديث فوائد عديدة، نمر على بعضها مرورا سريعا، في هذه الفقرة: (آخى النَّبيُّ بين سلمان وأبي الدَّرداء): كان المهاجرون في هذا العقد للأنصار بمنزلة الأخوة، حتى أنهم كانوا يتوارثون بهذا العقد، حتى أنزل الله عز وجل: {وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ}. وهذا يدل على عظيم نعمة الأخوة، وأن من أنعم الله عليه بأخ ينصحه ويعظه ويدله على الخير فليعض عليه بنواجزه.

(فزار سلمان أبا الدَّرداء): وهذه فيها جزء من حقوق الأخوة؛ الزيارة في الله من أجل الاطمئنان، وتفقد الحال وإدخال السرور، فالجزاء عليها عظيم، كما قال النبي : "أَنَّ رَجُلاً زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ. قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لاَ، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ".

(فرأى أمَّ الدَّرداء متبذِّلةً): وكان هذا قبل أن يفرض الحجاب، ومتبذلة أي ليس عليها ثياب جميلة، وهذا دليل على أن الأصل في المرأة المتزوجة أن تتزين لزوجها بأحسن المجملات، وهذا من حق الزوج على زوجته، كما من حقها أيضا أن تراه ليس متبذلا بل عطرا متزينا، يقول ابن عباس: "إني لأحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي". ولكن الواضح هنا أن المرأة إذا أهملت كانت النتيجة إهمال الحقوق والواجبات، وإن كان هذا الأمر الذي حدث به الإهمال للمرأة بسبب الانقطاع للعبادة والطاعة، وأنكر ذلك سلمان رضي الله عنه، لأن العبادة وإن كانت حق من حقوق الله وإشباع حق النفس لكن هناك حقوق للآخرين، فلا بد من الموازنة، فإذا كان الانشغال عن حق المرأة بالعبادة قد أنكره سلمان رضي الله عنه، فما بالك بمن ينشغل عن حقوق بيته وأبنائه بأمر من أمور الدنيا؟ فالإنكار عليه أعظم، لأن هذا يؤدي إلى وجود الشقاق بين الزوجين وترك الحقوق، ومن ثم الهدم لا قدر الله.

فليتق الله أناس استرعاهم الله رعية أن يحيطهم بالنصح والرعاية والحفظ، ومن هنا يبدأ بناء المجتمع عند الاهتمام بالمجتمع الأصغر بيت الأسرة.

(قالت: أخوك أبو الدَّرداء ليس له حاجة في الدُّنيا): وهذا من فقه هذه المرأة وحيائها، قالت كلاما لا تعيب به زوجها. وهكذا المرأة الوفية الذكية ذكرت حاجتها دون التعرض لزوجها بالذم، فتم المراد، وفهم سلمان كلامها بألطف عبارة وأوجز إشارة.

(فجاء أبو الدَّرداء، فصنع له طعامًا): وهذا من حقوق الضيف دون تكلف من المزور، فطعام الواحد يكفي الاثنين.

(فجاء أبو الدَّرداء، فصنع له طعامًا فقال: كُلْ. قال: فإنِّي صائمٌ. قال: ما أنا بآكلٍ حتى تأكل. قال: فأكل): من حقوق الضيف أيضا أن صاحب البيت إن كان صائما متطوعا فالأولى له أن يأكل مع ضيفه لئلا يشعره بالحرج، لأن الزائر يكون حييا من أن يأكل دون أن يشاركه صاحب المكان، ومن جميل صنع أبي الدرداء أنه أخبره بصيامه، ثم لما أمره سلمان أن يأكل أكل. ما أعظم هذا الخلق والتعامل الرفيع المستوى بين هذين الصحابيين رضي الله عنهم.

(فلمَّا كان اللَّيل ذهب أبو الدَّرداء يقوم، قال: نَمْ. فنام، ثمَّ ذهب يقوم، فقال: نَمْ. فلمَّا كان مِن آخر اللَّيل قال سلمان: قُم الآن). وهنا يريد سلمان رضي الله عنه أن يبين له أنك وإن كانت صلاة الليل محببة إليك فلا تنس حق زوجك وأبنائك عليك، فإن لهم فيك نصيبا، سبحان الله هذا فيمن يصلي ويقرأ ويصوم، فكيف بمن يشغل ليله بالنظر إلى الأفلام الإباحية والمسلسلات الماجنة؟ أو السهرات المحرمة أو الجلوس على المقاهي الساعات الطوال؟ ويترك زوجه وأولاده بين أربعة حوائط دون أن يشعر بحقوقهم عليه.

(فصلَّيا): ظاهره أنهما صليا جماعة، ويحتمل أنهما صليا جميعًا في الزمن، وكل يصلي وحده لكن في الجملة هذا يدل على جواز صلاة الليل في جماعة.

(فقال له سلمان: إنَّ لربِّك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعط كلَّ ذي حقٍّ حقَّه): بدأ سلمان رضي الله عنه ببيان حق الله أولا، لأن من كان لحق الله راع كان لغيره أرعي، ومن كان لحق الله مضيعا كان لغيره أضيع.

ثم ذكر سلمان رضي الله عنه الموازنة في المعادلة الصعبة على كثير من الناس، الموازنة بين حق الله وحق النفس وحق الناس، فلا بد من إعطاء كل ذي حق حقه.

ما أروع هذا الدين في حياتنا كلها لو أننا طبقناه بهذا الفهم السليم الصحيح، وحققنا هذه الموازنة والمعادلة الصعبة؛ من خلال تعاليم الإسلام العظيمة، لما كان هذا الكلام من سلمان رضي الله عنه كلاما عليه نور، ويبدو عليه المنطق الحكيم والذوق السليم، فصدّق النبي على الكلام فصار بالإقرار سنة للنبي بقوله: "صدق سلمان". والحمد لله رب العالمين.