د. بسام الزرقا - أردوغان.. ومثال "بائع القلقاس" - بوابة الفتح الالكترونية
د. بسام الزرقا
2016-07-25 18:07:24

المصريون صاغوا الكثير من المعاني العميقة في صورة جمل سهلة بسيطة، إنها الأمثال الشعبية، ومن تلك الجعبة مثل كانت جدتي –رحمها الله وكل أموات المسلمين والموحدين من آدم إلى يوم الدين- تقوله: «شتت على بتاع القلقاس غرَّقت بتاع الملح»، الحدث واحد يثيب الكل لكن نتائجه مختلفة باختلاف من يقع عليه الحدث أو تناله نتائجه.

 

جال هذا المثل بخاطري وأنا في نهاية متابعتي لأخبار تركيا مساء الأحد حتى صباح الإثنين، ونحن نشاهد على الهواء مباشرة أحداث انقلاب عسكري، وبصراحة كانت ساعات في قمة الإثارة خصوصا لمن هم في جيلي، جيل القناة التلفزيونية -أبيض وأسود- حيث تأتيك الأخبار بعد أيام من حدوثها، ما الذي حدث وكيف حدث؟ وأسئلة تفرض نفسها.

 

لكن هناك أسئلة أخرى لابد أن نجيب عليها: ما أثر ما حدث على تركيا المستقبل؟ ثم ما أثر هذا الأثر على الوضع الإقليمي دون مبالغة، وكذلك دون إهمال؟ فهي وإن لم تبلغ أن تكون قوة عالمية لكنها إحدى أهم القوى الإقليمية الفاعلة، جنبا إلى جنب مع المملكة العربية السعودية، وإيران، والكيان الصهيوني المحتل –إسرائيل-، بل لو نظرنا للأرقام فسوف يكون لتركيا مكان مميز بالإقليم، فهي في الترتيب الخامس عشر عالميا على المستوى العسكري، وبـ 600 ألف مقاتل هي أكبر قوة برية في أوروبا، إلى كونها في العشرين الأوائل اقتصاديا في العالم، وهذا يعني ببساطة أن أي شيء يؤثر داخليا في تركيا هو مؤثر في جزئين مهمين بالعالم غرب آسيا حتى وسطها ذي الأغلبية المسلمة، خصوصا من هم من العرقية ذات الأصول التركية، بالإضافة لشرق أوروبا وروسيا، بل أثبتت الأزمة السورية أن هناك أحوال يكون لتركيا دور مؤثر على كل أوروبا.

 

تركيا لكل ما سبق، وبعدد لا بأس به من السكان يقارب عدد سكان مصر –أين أنتِ يا بلدي؟- وموقع فريد؛ -قنطرة آسيا بأوروبا-، وتتحكم في مضايق الدردنيل والبسفور، بكل ما سبق وما تقدمه كمحاولة لحل معضلة الهوية بين الإسلام والعلمانية، يجعلها موضع اهتمام من دول الجوار ودول الإقليم، وكذلك من القوى العالمية، فالكل يريد أن تكون نتائج الأحداث في تركيا لصالحه؛ لذلك لم يكن غريبا أن تتباين ردود الأفعال تجاه المحاولة الخامسة للانقلاب في تركيا الحديثة.

 

المحاولات الأربع السابقة كانت ناجحة وكانت في أعوام (1960-1970–1980-1997) عندما تم إقصاء نجم الدين أربكان ذي التوجه الإسلامي، أما المحاولة الخامسة في 15يوليو 2016 فكانت محاولة فاشلة بدأت وانتهت في خلال الفترة من الليل إلى الفجر، لقد كان فعلا خارج سياق التاريخ يسبح في اتجاه مضاد للتطورات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية التي حدثت سريعا منذ تولي حزب «العدالة والتنمية» للحكم، ووصول هذا الحزب للسلطة له قصة نجاح كبير في الظاهر، وهو في عين الوقت قسمة الفشل، إنها قصة المكر الذي بأهله.

 

وتبدأ القصة بفترة اضطراب سياسي تركي ونشاط ملحوظ للاتجاه العلماني اليساري ومحاولات بعث -أو قُل إن شئت بحث- للاتجاه الإسلامي، ويظهر لأول مرة عاليا باسم البروفيسور نجم الدين أربكان رئيس حزب السلامة، بتحالفه مع بولنت أجاويد لتشكيل حكومة ائتلافيه يناير 1974، ولكن الائتلاف يسقط أمام الضغوط السياسية بعد ستة أشهر فقط، وتدخل تركيا فترة عدم استقرار سياسي حسمها الجنرال كنعان إيفرين بالانقلاب الثالث في سبتمبر 1980 ليضع "دستور تفصيل" يرسخ سلطة المؤسسة العسكرية سنة 1982، وفيه أيضا حل مشكلة تشرذم الساحة السياسية في البرلمان، هذا الحل هو الذي حوّل الفتى المجهول في كوادر حزب السلامة إلى رجل تركيا القوي "أردوغان".

 

قرر انقلاب 1980 في دستوره حلا لمشكلة التشرذم في البرلمان؛ تعديلا دستوريا بمقتضاه تمنع الأحزاب التي لا تجتاز عتبة الـ10% من الدخول وتوزع أصواتها على الأحزاب التي اجتازت هذه العتبة، ويظل أثر ذلك كامنا حتى عام 2002 حيث حصلت 5 أحزاب على ما بين 5% إلى 9% لتوزع تلك الأصوات من جديد، وهكذا حزب «العدالة والتنمية» الحاصل على ثلث أصوات الناخبين يصير له ثلثي الأصوات في البرلمان، وقبل ذلك حلت عقبة أخرى أمام أردوغان وحزبه ألا وهي وجود أستاذه نجم الدين أربكان وحزبه «حزب الرفاه» فكيف تمت إزاحته في 27/2/1997 اجتمع مجلس الأمن القومي وطلب من "أربكان" عدة طلبات (18 طلبا) ليوقع عليها "أربكان"، لكن ذلك لم ينفعه، فبعد ثلاثة أشهر يضع الجيش "أربكان" في السجن بحكم قضائي وفقا للقانون (1982) بتهمة السعي إلى تطبيق الشريعة الإسلامية.

هكذا ولد "أردوغان" وحزبه من رحم انقلابين، وتُهدِيه محاولة الانقلاب الفاشلة الفرصة للتخلص من كل خصومه الآن.