د. علاء بكر - الاتحاد الأوروبي وخروج بريطانيا منه (2) - بوابة الفتح الالكترونية
د. علاء بكر
2016-07-23 14:17:00

لم تكن بريطانيا من الدول المؤسسة للاتحاد الأوروبي، إذ قادت فرنسا فكرة الاتحاد بعد المصالحة الدائمة مع ألمانيا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. وتعد فرنسا وألمانيا الغربية وإيطاليا وهولندا وبلجيكا ولكسمبورج الدول الست المؤسسة للاتحاد الأوروبي بإنشاء منطقة تجارة حرة للفحم والكوك والصلب وخام الحديد في عام 1951 م، ثم توقيع هذه الدول الست على معاهدة "روما" في عام 1957م لإنشاء "الجماعة الأوروبية الاقتصادية "، والتي عرفت فيما بعد بالسوق الأوروبية المشتركة. أما بريطانيا فقد انضمت للاتحاد في عام 1973 م –أي منذ أربعة عقود- مع أيرلندا و الدنمارك. وقد كان الرئيس الفرنسي "شارل ديجول" من المعارضين لانضمام بريطانيا للجماعة الأوروبية الاقتصادية، ويراها حصان طروادة الذي سيتسبب في تقويض الجماعة الأوروبية (فهل تصدق نبؤته ؟!).
 
وقد كان ظهور تكتل الاتحاد الأوروبي مبشرا بانتصار فكر العولمة واقتصاد السوق الحر، حيث يضم سوقا ضخما يضم 27 دولة، يبلغ تعداد سكانها قرابة الخمسمائة مليون نسمة، أي أنها أكبر منطقة تجارية حرة في العالم. بما يعلن عن ظهور عملاق اقتصادي أوروبي كبير منافس لعمالقة العالم في الاقتصاد: الولايات المتحدة الأمريكية والصين واليابان، اتحاد يحفظ لأوروبا مصالحها، ويجعل لها عملتها الموحدة في مواجهة الدولار الأمريكي، ويمنع المزيد من الهيمنة الأمريكية علي العالم، في ظل نظام عالمي جديد أعقب انهيار الاتحاد السوفيتي السابق. فجاء انضمام بريطانيا للاتحاد ليكسبه مزيدا من القوة بوجودها كقوة اقتصادية لها وزنها، إلى جانب القوة الاقتصادية لفرنسا وألمانيا، إلى جانب إيطاليا التي تعد أحد الدول الصناعية الكبرى في العالم.
 
و قد أثرت الأحداث والتطورات التي وقعت في المنطقة العربية "الشرق الأوسط" وألقت بظلالها الاقتصادية على أوروبا والعالم، إلى جانب تزايد الهجرة إلى أوروبا الغربية عامة وبريطانيا خاصة في ظل حرية الانتقال والعمل والتجارة والاستثمار في تغير نظر الكثيرين من البريطانيين للارتباط بالاتحاد الأوروبي.
 
لماذا تغيرت نظرة البريطانيين للاتحاد الأوروبي:
لا شك أن لبريطانيا وضعها الخاص كدولة استعمارية كبرى سابقة، لذا يعتز البريطانيون بقوميتهم وتاريخهم. كما أن بريطانيا تعد خامس أقوى اقتصاد في العالم، وتعد "لندن" أهم مركز مالي عالمي بعد نيويورك، كما أن بريطانيا الشريك الاقتصادي الأول لكثير من دول العالم منها الولايات المتحدة الأمريكية. وهي من أكبر الدول الداعية إلى العولمة ونظام اقتصاد السوق و إطلاق الحريات والتعايش السلمي بين الثقافات والديانات. ومع تصاعد الاتجاه اليميني العنصري في أوروبا الغربية بدأ تنامي النعرة القومية المعادية للهجرة المفتوحة، و المتململة من متطلبات والتزامات بريطانيا تجاه الاتحاد الأوروبي، و هي نعرة تؤثر المصلحة القومية الضيقة على المصلحة الجماعية الأكبر في ظل اتحاد أوروبي، في وجود أطراف لها سيطرة إعلامية تشجع هذا الاتجاه. وهذا ما أكده الكثير من المحللين، حيث ذكروا أن من أسباب تغير نظرة كثير من البريطانيين للاتحاد:
 
- تصاعد و تنامي الأحزاب اليمينية التي تقوم على الحنين للماضي، و تتبنى معاداة هجرة وإقامة الأجانب بالبلاد، واعتبارها مهددة للهوية الوطنية. خصوصا في ظل الهجرة الهائلة من المنطقة العربية "الشرق الأوسط" وشرق أوروبا إلى أوروبا الغربية وبريطانيا .
 
- اعتبار الأجانب قوى عاملة منافسة وافدة من شرق ووسط أوروبا إلى بريطانيا تؤثر على سوق عمل البريطانيين داخل بلادهم.
 
- تخصيص مكتسبات للمهاجرين إلى بريطانيا من الضمان الاجتماعي يرى الكثيرون أنها تزيد على ما كانت توفره لهم وظائفهم في بلدانهم الأصلية التي جاءوا منها.
 
- تأثير السياسات التي تفرضها المفوضية الأوروبية لمعالجة الأزمات الاقتصادية التي تتعرض لها بعض دول الاتحاد كاليونان، والتي يلتزم الاتحاد بالمساهمة في حلها، وتحمل فيها بريطانيا تبعات وكأنها تنفق على هذه الدول الفقيرة اقتصاديا.
 
- الرغبة في الاستقلال بالرأي بعيدا عن إملاءات الاتحاد الأوروبي، خاصة القوى المهيمنة عليه خاصة ألمانيا.
 
وقد عاشت بريطانيا حالة من الانقسام و التخوف من الاستمرار في الانضمام للاتحاد الأوروبي حتى داخل الحزبين الرئيسيين في بريطانيا: المحافظين والعمال، وهو ما دفع رئيس وزراء بريطانيا "ديفيد كاميرون" إلى التفكير في إجراء استفتاء شعبي على خروج بريطانيا من الاتحاد في شهر يونيو الماضي حسما لحالة الانقسام، خاصة وأن بعض أعضاء حزبه الحاكم غيّر وجهته إلى أحزاب أخرى تؤيد الخروج، في خطوة اعتبرت بعد نتيجة الاستفتاء خطوة لم تكن محسوبة العواقب جيدا؛ إذ أن التصويت بخروج بريطانيا من الاتحاد –الذي لم يكن في حسبان الكثيرين- يؤثر سلبا على بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي بصورة كبيرة، لذا لم يكن غريبا أن يتم جمع توقيعات من أكثر من ثلاثة ملايين مواطن بريطاني يطالبون بإعادة الاستفتاء، وطالب آخرون باعتبار نتيجة الاستفتاء إرشادية لا ملزمة.
 
من نتائج التصويت بالخروج من الاتحاد الأوروبي :
- اعتبر الكثيرون أن خروج بريطانيا يعد ضربة قوية لمشروع الاتحاد الأوروبي، وما يمثله من توجه نحو مزيد من العولمة والليبرالية وتعايش الثقافات والديانات.
 
- تسببت نتائج الاستفتاء في انخفاض قيمة الجنيه الاسترليني -عملة بريطانيا-، و "اليورو" الأوروبي -عملة الاتحاد الأوروبي-.
 
- توقع اتجاه أنظار المستثمرين الأجانب إلى خارج بريطانيا خشية التعديلات التشريعية المتوقعة في قوانين الاستثمار في بريطانيا في أعقاب عدم التمتع بالمعاهدات والاتفاقيات التي كانت في ظل الاتحاد الأوروبي.
 
- خشية إقدام دول أوروبية أخرى على إعادة النظر في استمرار بقائها بالاتحاد مما يزيد الاتحاد تفككا، وقد يستلزم ذلك اتخاذ إجراءات أشبه بالعقوبة ضد بريطانيا تمنع غيرها من دول الاتحاد أن تحذو حذوها، وتحفظ الاتحاد من الانهيار.
 
- وفقا لمعاهدة "لشبونة" 2009 م المادة 50 المنظمة لآلية الانسحاب من الاتحاد الأوروبي من طرف واحد فعلى بريطانيا التفاوض على "اتفاق للانسحاب" تقره أغلبية أعضاء مجلس الاتحاد الأوروبي، و بمقتضاه لا تطبق المعاهدات الأوروبية على بريطانيا من تاريخ دخول الاتفاق حيز التنفيذ، أو بعد سنتين من إبلاغ بريطانيا الاتحاد برغبتها في الانسحاب.
 
وفي حالة عدم التوصل إلى اتفاق فهناك عدة خيارات محتملة لعلاقة بريطانيا بالاتحاد منها:
- الدخول كعضو في "القضاء الاقتصادي الأوروبي" كالنرويج وأيسلندا مما يمنحها منفذا إلى السوق الداخلية، شريطة الالتزام بقواعد السوق، وتسديد مساهمة مالية كبيرة.
 
- إبرام عشرات الاتفاقيات للحصول على خدمات استثنائية من الاتحاد الأوروبي في قطاعات محددة كما هو الحال مع سويسرا.
 
- ابرام اتفاق تبادل حر مع الاتحاد أو وحدة جمركية مثل تركيا.
 
وما عدا ذلك ستعد بريطانيا دولة أخرى خارج الاتحاد كالولايات المتحدة الأمريكية والصين.