أحمد الشريف - وداعُ المحبّيّن - بوابة الفتح الالكترونية
أحمد الشريف
2016-06-25 03:29:00

إذا قارب شهر مصان الوداع؛ حان وقت البكاء والدموع، حنينًا بقدومه وأنينًا بخروجه، إذا اقترب الشهر من النقصان زِد أنت من الأعمال، إن كنت قد أحسنت فزِد، وإن كنت قصرت فَعُد، لا تفرط في لحظة الأعمال بالخواتيم، ودّع من تحب بخير ما تحب، البداية توبة من ذنوب، البداية والنهاية توبة من تقصير، النهاية الاستغفار باب خير للأبرار الأخيار، عُمْرَةٌ لمن تمكن، ونية لمن تعذّر، عُمْرة في رمضان تعدل حجة، والنية الصالحة تجارة العلماء وباب الأولياء.

ومع كل ما سبق من المعاني نؤكد أيضًا على عدة معاني أخرى، كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: "إنما الأعمال بالخواتيم"، ملازمة النية الصالحة، {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}، "وإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل أمرئ ما نوى".

من الأمور العظام التي نستودع الله –عزوجل- بها شهر رمضان اغتنام أيام الاعتكاف، وهي سنة مؤكدة، ما تركها النبي -عليه الصلاة والسلام- وعندما تركها في سفر اعتكف -صلى الله عليه وسلم- العشر الأوائل من شوال، واعتكف من رمضان عشرين يومًا صلى الله عليه وسلم.

ومن أعظم المقاصد خلوة العبد بالرب في لزوم الذكر والدعاء والاستغفار، وأن يتفرغ من الدنيا ومن شواغلها، والنبي -صلى الله عليه وسلم- من عظم ما كان يقوم به من تعليم الأمة وتلقي الوحي، ودعوة المشركين، ومحاربة الكافرين، ورعاية الأيتام والفقراء، وتعليم الصحابة، ورعاية بيته ومنزله، ومكاتبة الملوك والأمراء، ما كان يترك الاعتكاف صلى الله عليه وسلم.

ومن الأمور المحزنة أمر نردده، نقول "اعتكاف كلي واعتكاف جزئي، وما أظن أن السلف -رضوان الله تعالى عليهم- كانوا يعرفون ذلك، ولا أن هذا حدث من النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن من لم يدرك الخير كله، لا يفرط في بعضه، بقدر استطاعته.

كذلك من هذه الأمور الاجتهاد في الليالي العشر، التماسًا لليلة القدر، وكان النبي -عليه الصلاة والسلام- إذا دخلت ليالي العشر، أحيا ليله وأيقظ أهله وشد المئزر، اجتهاد في العبادة، وحرص على الخير، وحرص على نجاة أهله، وحرص على أن ينجو بنفسه، وأن يعبد ربه مع أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر صلى الله عليه وسلم، وكان عبدًا شكورًا، كما سُئل صلى الله عليه وسلم عن ذلك، عن اجتهاده في العبادة حتى ورمت قدماه، وكان يعتزل الناس مصليًا وداعيًا صلى الله عليه وسلم.

من الأمور المهمة، الاعتكاف على القرآن الكريم، وعكوف القلب على الرب، وعدم ضياع الاعتكاف في أوقات السمر، فإن المسجد وأيام العشر وأيام الاعتكاف ليسوا مجالًا ولا مكانًا لكي نحكي فيها الأخبار والقصص، وكذلك هي فرصة لإطعام المسلمين، "من فطّر صائمًا كان له مثل أجره".

وكذلك الحرص كل الحرص على إخراج الزكاة صاعًا من بر وصاعًا من أقط وصاعًا من شعير، فهي طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، وأن نحرص على تربية أولادنا، وأن نجعل هذا الشهر مرتبط في أذانهم بمعان من الكرم والجود والإحسان والبذل، وأن يرتبط هذا الشهر في أذانهم بالرحمة والرفق والسماحة واليسر التي تحل على المنزل والأسرة، وأن يتسم هذا الشهر في حياتهم بأننا نحسن التوجيه والنصح لهم، وأن نقربهم من المساجد، وأن نقربهم من القرآن الكريم، وكذلك أن نشاركهم برفق وبهدوء، وأن نعلمهم أن يحرصوا على الصيام عندما يكونون صغارًا، وأن نساعدهم وهم كبار. 

وكذلك في هذا الشهر أن نعودهم سماع القرآن الكريم، والإقبال عليه، كان ذلك بالقدوة الحسنة، كان ذلك بالنصيحة، كان ذلك بالمكافأة، كان ذلك بجدول، لابد أن تكون هناك مهمات واضحة لتعليم وتربية وتوجيه ونصح الصغار، فهم المملكة التي استرعانا الله -عز وجل- إياها، والتي سنُسأل عنها، وهي الثمرة الباقية التي يجدها العبد بعد رحيله، وتكون في موازين حسناته.

والحرص كل الحرص على أن نضع شعارًا عامًا لقلوبنا، وأمام أعيننا، وفي اعتكافاتنا {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى}، وأن يقول الإنسان صم صوم مودع، وأن نتصور أن هذا هو الشهر الأخير في حياتنا، نجتهد ونبذل ما في الوسع، وأن نحسن من أخلاقنا، وأن نحسن من تعاملاتنا، فإن الله سبحانه وتعالى قد أثنى على نبيه -صلى الله عليه وسلم- فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}. 

فيتسم المؤمن هذه الأيام -خاصة في الاعتكاف- بالبسمة الدائمة، "تبسمك في وجه أخيك صدقة"، والكلمة الطيبة صدقة، ولينوا في أيدي أخوانكم، وقولوا للناس حسنى، في هذه الأيام ينبغي علينا أن نهتم بنظافة المساجد والمعتكفات، وأن لا نضيع الأوقات، وأن لا نرفع الأصوات، وأن نُطيب وأن نُطهر المساجد، وأن نُطهر ثيابنا، وأن نتطيب في صلواتنا، نجعل الناس يحبون الاعتكاف، ويحبون هذه السنة من الطهر والطهارة، ومن الحرص ومن الدقة والرقة ومن الأدب ومن الأخلاق ومن حسن الاستقبال، نحرص على البقاء على الصف الأول، لا يفوتنا ونحن في الاعتكاف، كذلك نحرص على الاقتراب من المصاحف، نحرص على طول الخلوة، نحرص على عدم إقامة معارك في الاعتكاف من أجل الإضاءة أو "المراوح"، أو من أجل الطعام، هي أيام يسيرة جدًا، ولحظات قليلة، وفرصة للغنيمة. 

ينبغى للعبد أن يغتنمها، وأن يجتهد فيها، وأن يهتم بها حتى ننال الخير، ونفوز بالبر، وكذلك يجتهد العبد في الدعوات الصالحات التي ترفع وتجاب في هذه الأيام ونحرص على لزوم الاستغفار {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا}، ومن لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا ومن كل ضيق مخرجًا، والله يقيل العثرات ويغفر الزلات ويرفع الدرجات، والله سبحانه وتعالى يتولى عبده ويغفر ذنبه ويشرح صدره ويفرج كربه ويقضي دينه.

من الأمور التي ينبغي على العبد أن يتذكرها قوله سبحانه: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ}، أن تكون لنا مساجد نعتكف فيها وصلوات نصليها، في أوقات نرى فيها إخواننا في العراق كالفلوجة، وفي سوريا في جميع أنحائها وأرجائها، وفي مناطق كثيرة في ليبيا، وفي اليمن وفي بورما، وفي غيرها كثير من مناطق المسلمين، لا يوجد عندهم مسجد ولا جمعة ولا جماعة ولا إمام ولا مأموم، حُرموا من هذه الخيرات وهذه النعم لا تدوم، إلا بشكر الله -سبحانه وتعالى- {لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}، وإنها تزول بالتقصير وبالمعاصى، {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَ?كِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا}. 

هذه المعاني التي ينبغي للمسلم في هذه الأيام أن لا يفرط فيها، وأن ينتهي من الخصومات قبل أن يدخل إلى الاعتكاف، وأن يكون حريصًا على ذلك، {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، وخيرهم الذي يبدأ بالسلام. 

وأن نسعى نحن في ذلك، في الإصلاح بين المتخاصمين، {خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ}. 

أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يوفقنا وإياكم لحسن اغتنام هذه الأيام في طاعته، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، ومن المرحومين، وأن يوفقنا لقيام ليلة القدر، وأن يكتب لنا المثوبة والأجر، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، والحمد لله رب العالمين.