م. عبد المنعم الشحات - صوم أصحاب المهن الشاقة - بوابة الفتح الالكترونية

أولا: الصيام أحد أركان الإسلام الخمسة الواردة في حديث: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله الا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا».
 
ثانيا: شرع الله في الصيام أنواعا من الرخص، بيّن القرآن أصلها في قوله تعالى: ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ). وكان مما شرع الله في أول الأمر التخيير بين الصوم أو الفطر مع الفدية في قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهٌ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ).
 
وثبت عن ابن عباس رضى الله عنهما أن الآية وإن نُسخت في حق عموم الناس إلا أن حكمها قد بقي في حق الشيخ الكبير والمرأة العجوز والحامل والمرضع. 
 
وثبت أن الحيض مانع من صحة الصيام، وموجب للفطر مع القضاء في حديث أبي سعيد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم، فذلك نقصان دينها». ومن حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "لقد كنا نحيض عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة".
 
ثالثا: لا شك أن في الصيام مشقة، وهذه المشقة إنما شرعت لتحصيل التقوى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). وقد رخص الله في الفطر في المواطن التي هي مظنة المشقة غالبا، فصارت هي العلل الظاهرة التي تضبط بها الرخص، ولا تعطى الرخصة حتى لمن اشتدت به المشقة حتى لا يؤدي ذلك إلى تضييع أركان الإسلام، إلا إذا بلغ الأمر إلى حد الضرورة كما سنبين في النقطة التي تليها.
 
بل قد كان الصيام شديدا في أول الإسلام ليبقى هذه حجة على بقية الأجيال؛ فكان لا يباح الفطر إلا فترة وجيزة من الليل من المغرب إلى العشاء أو إلى النوم أيهما أقرب، وقدر الله أن يسبب هذا جهدا ومشقة لصحابي جليل وهو قيس بن صرمة رضى الله عنه فتحملها، وشرع التخفيف على الأمة ككل من أجله، ولكن حتى بعد هذا التخفيف يوجد من يريد التفلُّت، وقصة قيس بن صرمة رواها البخاري عن البراء رضي الله عنه، قال: كان أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال: لها أعندك طعام؟ قالت: لا ولكن أنطلق فأطلب لك. وكان يومه يعمل فغلبته عيناه، فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبة لك. فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- فنزلت هذه الآية: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ).
 
وفيه صيامه رضى الله عنه مع أنه يعمل في مهنة في غاية المشقة؛ وهي جمع الحطب، وكيف غلبه النوم قبل أن يطعم فلزمه الصوم حينئذ، ومع هذا صام حتى أغشي عليه، وكان في صبره هذا سبب للتخفيف عن الأمة ككل.
 
وصار هذا التخفيف فيه رفع لكثير من الحرج عن الأمة وعن أصحاب الأعمال الشاقة؛ والذين أصبح لديهم متسع لأن يجعلوا عملهم ليلا في وقت الإفطار.
 
رابعا: في ضوء ما تقدم بحث العلماء قديما وحديثا مسألة أصحاب المهن الشاقة، وبنوا كلامهم فيها على أنه لا توجد رخصة خاصة لهم، فلا يرخص لهم في الفطر إلا بالوصول إلى حالة الضرورة التي تبيح ارتكاب المحظور، وقد جمعت الموسوعة الكويتية أقوال بعض علماء المذاهب في هذه الحالة تحت عنوان: (ارهاق الجوع والعطش) فقالت:
 
(إِرْهَاقُ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ:
64 - مَنْ أَرْهَقَهُ جُوعٌ مُفْرِطٌ، أَوْ عَطَشٌ شَدِيدٌ، فَإِنَّهُ يُفْطِرُ وَيَقْضِي (1). وَقَيَّدَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَمْرَيْنِ:
 
الأْوَّل: أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْهَلاَكَ، بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، لاَ بِمُجَرَّدِ الْوَهْمِ، أَوْ يَخَافَ نُقْصَانَ الْعَقْل، أَوْ ذَهَابَ بَعْضِ الْحَوَاسِّ، كَالْحَامِل وَالْمُرْضِعِ إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا الْهَلاَكَ أَوْ عَلَى أَوْلاَدِهِمَا.
 
قَال الْمَالِكِيَّةُ: فَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ حُرِّمَ عَلَيْهِ الصِّيَامُ، وَذَلِكَ لأِنَّ حِفْظَ النَّفْسِ وَالْمَنَافِعِ وَاجِبٌ (2).
 
الثَّانِي: أَنْ لاَ يَكُونَ ذَلِكَ بِإِتْعَابِ نَفْسِهِ، إِذْ لَوْ كَانَ بِهِ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، وَقِيل: لاَ (3).
 
وَأَلْحَقَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِالْمَرِيضِ، وَقَالُوا: إِنَّ الْخَوْفَ عَلَى النَّفْسِ فِي مَعْنَى الْمَرَضِ (4). وَقَال الْقَلْيُوبِيُّ: وَمِثْل الْمَرَضِ غَلَبَةُ جُوعٍ وَعَطَشٍ، لاَ نَحْوُ صُدَاعٍ، وَوَجَعِ أُذُنٍ وَسِنٍّ خَفِيفَةٍ.
 
وَمَثَّلُوا لَهُ بِأَرْبَابِ الْمِهَنِ الشَّاقَّةِ، لَكِنْ قَالُوا: عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ الصِّيَامَ لَيْلاً، ثُمَّ إِنِ احْتَاجَ إِلَى الإْفْطَارِ، وَلَحِقَتْهُ مَشَقَّةٌ، أَفْطَرَ (5).
 
قَال الْحَنَفِيَّةُ: الْمُحْتَرِفُ الْمُحْتَاجُ إِلَى نَفَقَتِهِ كَالْخَبَّازِ وَالْحَصَّادِ، إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَوِ اشْتَغَل بِحِرْفَتِهِ يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ مُبِيحٌ لِلْفِطْرِ، يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْفِطْرُ قَبْل أَنْ تَلْحَقَهُ مَشَقَّةٌ.
 
وَقَال أَبُو بَكْرٍ الآْجُرِّيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: مَنْ صَنْعَتُهُ شَاقَّةٌ، فَإِنْ خَافَ بِالصَّوْمِ تَلَفًا، أَفْطَرَ وَقَضَى، إِنْ ضَرَّهُ تَرْكُ الصَّنْعَةِ، فَإِنْ لَمْ يَضُرَّهُ تَرْكُهَا أَثِمَ بِالْفِطْرِ وَبِتَرْكِهَا، وَإِنْ لَمْ يَنْتِفِ الضَّرَرُ بِتَرْكِهَا، فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ بِالْفِطْرِ لِلْعُذْرِ (6).
 
65 - وَأَلْحَقُوا بِإِرْهَاقِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ خَوْفَ الضَّعْفِ عَنْ لِقَاءِ الْعَدُوِّ الْمُتَوَقَّعِ أَوِ الْمُتَيَقَّنِ كَأَنْ كَانَ مُحِيطًا: فَالْغَازِي إِذَا كَانَ يَعْلَمُ يَقِينًا أَوْ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ الْقِتَال بِسَبَبِ وُجُودِهِ بِمُقَابَلَةِ الْعَدُوِّ، وَيَخَافُ الضَّعْفَ عَنِ الْقِتَال بِالصَّوْمِ، وَلَيْسَ مُسَافِرًا، لَهُ الْفِطْرُ قَبْل الْحَرْبِ.
قَال فِي الْهِنْدِيَّةِ: فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقِ الْقِتَال فَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، لأِنَّ فِي الْقِتَال يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيمِ). انتهى.
 
(مواطن هذه النقول مبينة في حاشية الموسوعة وقد أثبتناها في حاشية المقالة ليستفيد بها من يريد الرجوع اليها)
 
ومن الفتاوى المعاصرة في هذا الموضوع الفتوى الصادرة من الشيخين عبد الله بن حميد وعبد العزيز بن باز رحمهما الله تعالى حيث قالا:
 
(من عبد الله بن محمد بن حميد وعبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى معالي رئيس ديوان مجلس الوزراء حفظه الله تعالى آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
كتابكم رقم 18523 وتاريخ 24\11\1396 هـ وصل وبرفقه توصيات الملتقى العاشر للفكر الإسلامي بالجزائر، وقد طلبتم منا النظر في الفتوى التي جاءت ضمن التوصيات بخصوص ما يرخصه الشرع للعاملين في معامل مركبات الحديد والصلب بالإفطار في رمضان.
 
ونفيدكم أن الأصل وجوب صوم رمضان، وتبييت النية له من جميع المكلفين من المسلمين، وأن يصبحوا صائمين إلا من رخص لهم الشارع بأن يصبحوا مفطرين، وهم المرضى والمسافرون ومن في معناهم، وأصحاب الأعمال الشاقة داخلون في عموم المكلفين، وليسوا في معنى المرضى والمسافرين، فيجب عليهم تبييت نية صوم رمضان، وأن يصبحوا صائمين، ومن اضطر منهم للفطر أثناء النهار فيجوز له أن يفطر بما يدفع اضطراره، ثم يمسك بقية يومه ويقضيه في الوقت المناسب، ومن لم تحصل له ضرورة وجب عليه الاستمرار في الصيام، هذا ما تقتضيه الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، وما دل عليه كلام المحققين من أهل العلم من جميع المذاهب، وعلى ولاة أمور المسلمين الذين يوجد عندهم أصحاب أعمال شاقة كالمسألة المسئول عنها أن ينظروا في أمرهم إذا جاء رمضان فلا يكلفوهم من العمل- إن أمكن- ما يضطرهم إلى الفطر في نهار رمضان بأن يجعل العمل ليلا أو توزع ساعات العمل في النهار بين العمال توزيعا عادلا يوفقون به بين العمل والصيام.
 
أما الفتوى المشار إليها فهي في قضية فردية أفتوا فيها باجتهادهم مشكورين إلا أنه فاتهم ذكر القيود التي ذكرنا، والتي قررها المحققون من أهل العلم في كل مذهب، نسأل الله أن يوفق الجميع لما فيه الخير. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته).
 
وقد تضمنت هذه الفتوى أمورا:
أ-أن الواجب اتخاذ التدابير التي يمكن بها لأصحاب هذه الأعمال من الصوم.
 
ب-أن الواجب على من يعمل بهذه الأعمال أن يبيت النية من الليل لأنه ليس من أهل الأعذار.
 
ت-أنه لا يصرح له بالفطر إلا إذا بلغ حد الضرورة.
 
ث-أنه يتناول ما تندفع به الضرورة ثم يمسك إلى المغرب، ويجب عليه القضاء، وتعليل هذا أنه رغم أن صيامه قد فسد بتناول المفطرات إلا أنه بتناولها قد زال إرهاقه، ومن ثم زال عذره فوجب عليه الإمساك احتراما للشهر رغم أنه مطالب بالقضاء.
 
خامسا: وإذا كان هذا في شأن عمال مصانع الحديد والصلب ففي شأن الامتحانات من باب أولى، ومما جاء بشأنها في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء برئاسة الشيخ ابن باز رحمه الله
(السؤال:
هل الامتحان عذر يبيح الإفطار في رمضان؟ لأنه انتشرت عندنا بعض الفتاوى بإباحة الفطر في رمضان لمن خاف شرود ذهنه وعدم تركيزه، وهل يجوز طاعة الوالدين في الفطر لسماعهم هذه الفتاوى التي تجيز الفطر؟
 
الإجابة:
 الامتحان المدرسي ونحوه لا يعتبر عذرًا مبيحًا للإفطار في نهار رمضان، ولا يجوز طاعة الوالدين في الإفطار للامتحان؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنما الطاعة بالمعروف، كما جاء بذلك الحديث الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم).
 
سادسا: انتشرت في الآونة الأخيرة فتوى لدار الإفتاء المصرية يفهم منها الإفتاء بالفطر بغير القيود المبينة في كلام أهل العلم، وتصدى الشيخ على جمعة مفتى الجمهورية السابق لتوضيحها؛ ومما قال أنه لا يباح الفطر في هذه الأحوال إلا "لمن يقع من طوله" وبيّن أن هذا في حق أصحاب الأعمال الشاقة والطلاب ومن باب أولى في حق لاعبي الكرة؛ حيث كان قد تردد في سنوات بعض الفتاوى التي تعتبر لاعبي الكرة من ضمن الأعمال الشاقة، وهو لا يصح من جهة إمكان الاستغناء عنها فضلا أن أصحاب الأعمال الشاقة التي لا يمكن الاستغناء عنها يجب عليهم الصوم، وإنما يرخص لمن يبلغ الإعياء به مبلغا يستجلب عليه ضررا فيتناول ما يسد به رمقه، ثم يمسك ويقضي على النحو المبين في الفتاوى السابقة،
وفق الله المسلمين إلى تعظيم هذا الشهر الكريم والقيام بحقه، اللهم آمين.
__________
(1) القوانين الفقهية ص 82، والدر المختار 2 / 116، 117.
(2) جواهر الإكليل 1 / 153، والقوانين الفقهية ص 82، وانظر حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص 374.
(3) مراقي الفلاح ص 374.
(4) حاشية البجيرمي على الإقناع 2 / 346.
(5) حاشية القليوبي على شرح المحلي 2 / 64.
(6) الفتاوى الهندية 1 / 208 نقلا عن القنية، ورد المحتار 2 / 114، 115، وكشاف القناع 2 / 310.