د. محمد صلاح الإتربي - إنك لغوي مبين - بوابة الفتح الالكترونية

الغوي: هو شديد الغواية، أو هو من يوقع في الغواية، والغواية هي الضلال وسوء النظر، ومبين: أي بين .
 
كان هذا خطابًا من نبي الله موسى لرجل من بني قومه، فيا ترى ما الذي فعله ذلك الرجل ليصفه موسى بأنه غوي مبين .
 
لا أخالك أيها القارئ يخفى عليك ما كان من شأن هذه القصة التي ذكرها الله في سورة القصص، لكن دعني أتوقف قليلًا عند هذا القول، نستلهم منه العبرة والعظة .
 
كما تعلم: تشاجر رجلٌ من قوم موسى من المؤمنين مع رجلٍ من القبط الكفار، واستنصر هذا الرجل بموسى على عدوه، فوكزه موسى فقضى عليه، قال {هَ?ذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ}.
 
لقد قتل موسى الرجلَ الكافرَ انتصارًا للرجل المسلم، فأين عمل الشيطان إذن؟!
 
ألم ينتصر موسى للحق؟! ففيم إذن هذه الحسرة والأسى؟! ولم نسبة هذا العمل للشيطان؟!
 
وحتى لا يذهب بك الظن بعيدًا، فتظن أن هذا الأمر ليس بذلك، أو أنه إنما كان لفرط ورعه فقط: تمضي الآيات تؤكد هذا المعنى بما لا مزيد عليه، {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}
 
إلى هذا الحد ؟! أوَكان هذا الفعل ذنبًا يحتاج من موسى –رضي الله عنه- استغفارًا؟
 
ألم يكن الرجل كافرًا؟ بلى، لكنه لم يكن قد أمر بقتله .
 
ثم تمضي بنا الآيات، قال تعالى: {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} سبحان الله !!
 
غويٌ مبين؟! أين الغواية هنا؟ أليس هذا الرجل من المؤمنين، وعدوه من الكافرين؟!
 
ما غايةُ أمر موسى عليه السلام؟ أن يقتله؟! فلئن كان فهو من الكافرين، فما الضير في ذلك إذن؟!
 
إن أهل التفسير قالوا: "إنك لغوي مبين لأنك تشادّ من لا تطيقه ثم تروم مني الغوث يوماً بعد يوم".
 
لم تكن الغواية كونه على الباطل، لكن الغواية هنا كانت عدم إبصار عواقب الأمور.
 
تشاد من لا طاقة لك به، ثم تأتي تستغيث، فسيكون ماذا؟! قد أنصرك عليه، لكن هذا يُذعر القوم علينا ونحن مستضعفون لا طاقة لنا بهم .
 
هذه هي الغواية التي كانت عند ذلك الرجل، وياللعجب، فلقد كان هذا الرجل متسرعًا، شديد التسرع، وقع في روعه من ردِّ موسى عليه أنه سيبطش به هو، رغم أن موسى لن يفعل، ورغم أن موسى إنما هم أن يبطش بالرجل الكافر، الذي هو عدو لهما، إلا أنه لتسرعه ظن أن موسى سيبطش به هو-وهو يعلم من يكون موسى- ثم لتسرع أشد، يفشي سرًا كان مكتومًا، إذ لم يكن أحد يعلم من قتل قتيل الأمس، فيفشي هذا السر بقوله: { أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ}؟!
 
ثم يبلغ اللؤم منتهاه حين يقول : {إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ} هكذا إذن؟! آلآن؟ أموسى يريد أن يكون جبارًا في الأرض؟ ألم ينقذك هو بالأمس؟ ألأجل نصحه لك يكون هذا جوابك؟!
 سبحان الله !
 
وتمضي الآيات تذكر خبر خروج موسى ومكثه في مدين وما كان من شأنه، ويظل العقل حائرًا من تسجيل هذا الموقف بتفاصيله في قرآن يتلى إلى يوم الدين.
 
لن استخرج الفوائد، ولن أسقط المعنى على الواقع، تدبر ما ذكرتُ، فهو كاف إن أردت، يكفيك أن تعلم أن الحكمة هي إبصار مآلات الأمور، والله المستعان.