زين العابدين كامل - لك الله يا حلب - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد،
إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع وإنا لما يحدث في حلب لمحزنون، نعزي أنفسنا فى مصابنا، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرنا فى مصيبتنا واخلف لنا خيرا منها، ونذكر أنفسنا بواجب الوقت كما في قوله تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ). وقوله تعالى (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).
 
فلا بد للأمة بأسرها أن تتوب توبة صادقة إلى الله تعالى، كان المسلمون قد انتصروا في بدر وقد قتل الله بأيديهم أئمة الكفر ورءوسه من قريش، ثم هزم المسلمون فى يوم أحد، وقائد الميدان هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل وقد جرح وجهه صلى الله عليه وسلم، وكسرت سنه الرباعية. وهشمت البيضة على رأسه. ورماه المشركون بالحجارة حتى وقع لجنبه، وتساءل المسلمون: من أين أصابنا ما أصابنا وهُزمنا؟ فنزل قوله تعالى (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). {قل هو من عند أنفسكم}: حين تنازعتم وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، فعودوا على أنفسكم باللوم، واحذروا من معصية الله تعالى .
 
قوى العالم بين الغدر والجبن والخيانة
هذه حلب تنزف وتئن، هذه حلب جرح غائر يسيل منه الدم، هذه حلب يقتل أهلها ويذبح أطفالها وتمزق أشلاء الرضع فيها، وقوات النظام الظالم لا يرحمون الأطفال الرضع ولا الشيوخ الركع ولا البهائم الرتع، الدماء تسيل فى كل شبر وتحت كل سماء فى حلب، على مرأى ومسمع من قوى العالم، والكل يسبح فى بحور الغدر والجبن والخيانة، ختم الله على قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم.
 
وراثة الوحشية والإجرام
لقد ورث بشار من أبيه هذه الوحشية وهذا الإجرام الذى نراه الآن، وما مجزرة حماة منا ببعيد، لقد تعرضت مدينة حماة إلى أوسع حملة عسكرية شنها النظام السوري ضد المعارضة, ولقد أودت تلك المذبحة بحياة عشرات الآلاف من أهالي مدينة حماة. بدأت المجزرة في 2 فبراير 1982م واستمرت 27 يومًا، حيث قام النظام السوري بتطويق مدينة حماة وقصفها بالمدفعية، ومن ثَمَّ اجتياحها عسكريًّا, وارتكاب مجزرة مروعة كان ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين من أهالي المدينة، وكان قائد تلك الحملة العقيد رفعت الأسد شقيق الرئيس حافظ الأسد، فلقد استخدمت حكومة حافظ الأسد الجيش النظامي والقوات المدربة تدريبًا قاسيًا، ووحدات من الأمن السري في القضاء على المعارضة واجتثاثها. وتشير التقارير التي نشرتها الصحافة الأجنبية عن تلك المجزرة إلى أن النظام منح القوات العسكرية كامل الصلاحيات لضرب المعارضة وتأديب المتعاطفين معها، وقد قام النظام السوري بحشد سرايا الدفاع، والدبابات، والقوات الخاصة، وقامت تلك القوات كلها مجتمعة بقصف المدينة وهدمها، ومن ثَمَّ اجتياحها عسكريًّا وحرقها, وارتكاب إبادة جماعية سقط ضحيتها ما بين 30 ألف إلى 40 ألف قتيل، وهدمت أحياء بكاملها على رءوس أصحابها، كما هدم 88 مسجدًا، فيما هاجر عشرات الآلاف من سكّان المدينة؛ هربًا من القتل والذّبح والتنكيل إضافة إلى 15 ألف مفقود لم يتم العثور على آثارهم منذ ذلك الحين واضطر نحو 100 ألف نسمة إلى الهجرة عن المدينة بعد أن تم تدمير ثلث أحيائها تدميرًا كاملاً.
 
فهذا الإجرام الذي نراه قد ورثه بشار عن أبيه، فويل لهؤلاء من حساب الله تعالى يوم القيامة، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء (متفق عليه) و عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لزوال الدنيا أهون على الله عز وجل من سفك دم مسلم بغير حق" (رواه ابن ماجة والبيهقى ). ومن ذلك ما رواه النسائي من حديث بريدة مرفوعا: "قدر المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا". وروى الترمذى من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أن أهل السماء والأرض اشتركوا فى دم مؤمن لأكبهم الله في النار".
 
عذرا حلب
عن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رضى الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى". فوالله نشعر بإخواننا، نشعر بأنينهم، نشعر بآلامهم وبكائهم، تتقطع قلوبنا على ما نراه ونشاهده في أرض حلب، ولا نملك لكم إلا الدعاء، فعذرا أيها الشيخ الكبير، عذرا أيتها الأم العجوز، عذرا أيها الطفل الرضيع، عذرا أبي وأمي وأخي وأختي وابني وابنتي.
 
أهلي في حلب، سامحونى فلا أملك لكم إلا الدعاء، فلك الله يا حلب، ولكن عزائى أننى أعلم أن هذا قدر الله تعالى ،وكان أمر الله مفعولا.
 
أبشري يا حلب بنصر الله
سؤال يطرح نفسه على واقعنا: هل يمكن أن تقوم للمسلمين قائمة؟ هل يعود المسلمون إلى سابق عهدهم ويعودوا إلى سابق عزهم ومكانتهم وقيادتهم للبشرية؟ بعد أن تكالب عليهم أعداؤهم من كل حدب وصوب؟ هل يمكن أن تعود الأمة إلى عزها وتنفض غبار النوم عنها؟ وهل سيأتي نصر الله عز وجل بعد كل هذا الهوان؟ أسئلة مريرة تدل على حالة من اليأس والقنوط تعيشها الأمة من أقصاها إلى أقصاها، وتأتى الإجابة من الله تعالى فى مواضع متعددة من كتاب الله تعالى (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ)، (إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ)، (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءامَنُواْ فِي الْحَيَو?ةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَـ?د). فنصر الله لهذه الأمة نصر قريب، كما قال ربنا: (أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ).
 
لا بد أن نعتقد أنَّ الحق والعدل أساس في هذا الكون، وأصل في بناء السماوات والأرض، وأنَّ الدنيا بدأت بالحق، وستنتهي بالحق، ويوم القيامة يتجلى الحق في أعلى وأجلّ صوره، ومن هذا الحق أن تعود لأمة الإسلام قيادتها للبشرية، ومن الحق أن يعود حكم الإسلام إلى الأرض كلِّها، ومن الحق والعدل أن تزول هذه الغشاوة، وأن تنقشع هذه الغُمة التي تحياها هذه الأمة. ولا يغرنكم علو الباطل في هذه الفترة، فإن الله جل وعلا يقول: (لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى الْبِلادِ * مَتَـ?عٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ). وعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ". (رواه أحمد وصححه الحاكم وابن حبان والألباني).
 
إننا بحاجة إلى التذكير بالمبشرات الصادقة لندفع بها اليأس والإحباط عن نفوسنا ونأخذ بأسباب النصر والتمكين، فمن رحمة الله بأمتنا أن جعل لها بعد العسر يسرا وبعد الشدة والضيق فرجا ومخرجا فقال: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) ولن يغلب عسرٌ يسرين، قال العلامة السعدي في تفسيره: (بشارة عظيمة إنَّه كلَّما وجد عسرٌ وصعوبة فإنَّ اليسر يقارنه ويصاحبه حتى ولو دخل العسر جحر ضبٍ لدخل عليه اليسر فأخرجه). كما قال تعالى: (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا). وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وإن الفرج مع الكرب وإن مع العسر يسرا" رواه أحمد وصححه الحاكم .
 
ولا بد أن نكون على يقين بأن كيد الشيطان ضعيف، وأن الغلبة في النهاية للحق وأهله (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ).
 
أيها المسلمون: إنّ الدين دين الله وإنّ الحرمات حرماته والله أغير على دينه وحرماته من خلقه، وهو الذي أنزل الدين وأرسل الرسول وتكفل بإظهار دينه ونصر رسله (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ).
 
أسأل الله العلي القدير أن يصلح أحوال المسلمين فى كل مكان، وأن ينصر إخواننا المستضعفين فى حلب، اللهم كن لهم ناصرا ومعينا، اللهم كن للمستضعفين من المسلمين في حلب، اللهم أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف وانصرهم على عدوهم نصرا عزيزا مؤزرا، واجعله عاجلا غير آجل، وأرنا في عدوهم آية من عجائب آيات قدرتك، اللهم يا جبار عليك ببشار، اللهم انتقم من بشار وحزبه، اللهم أرنا فيه آية ولا ترفع له راية، اللهم سلط عليه جندا من جندك يا علي يا قدير، وصل اللهم وسلم على عبدك ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم.