د. علاء بكر - الجهاديون الأوروبيون وداعش (2) - بوابة الفتح الالكترونية
د. علاء بكر
2016-05-01 11:34:00

أثبتت قدرة تنظيم داعش على جذب الآلاف من الشباب الأوروبي إلى صفوفه عبر الدعاية والإعلام عن طريق وسائل الاتصال على شبكة الإنترنت أهمية وخطورة الإنترنت، ومدى قوة تأثيره كسلاح فعال في يد من يحسن استخدامه. لقد مكن الإنترنت الأفراد والمنظمات من استخدام أنشطة متنوعة من التفاعل لقابليته للاستخدام على نطاق واسع، وقدرته على الوصول إلى شرائح اجتماعية كثيرة من خلال الشبكات الاجتماعية مثل الفيس بوك  (Facebook) وتويتر  (Twitter) وماي سبيس (My space) حيث تضيف هذه المواقع مدى واسع ومتنوع من المعلومات عبر صفحات الويب والتواصل مع الآخرين، وإقامة الصداقات بين طوائف من البشر قد لا يجمع بينهم أي أوجه مشتركة. وعن طريقها يمكن التسلل للشباب والأفراد في أي مجتمع في أمان تام ودون أي عقبات أو مخاوف. ويزيد من فرصة التأثير على الأفراد من خلال التواصل على الإنترنت أن كثيرا من الشباب المستخدم له أشبه بالمعزول عن المجتمع يعيش في عالم افتراضي، فيكون قابلا لأن تجرى له عملية (غسيل مخ)، فيتخلى بالتدريج عن مسئولياته الاجتماعية، وينسى مع الوقت نفسه فيصير أشبه بواحد يساق في قطيع يوجهه غيره، خاصة في ظل غياب الثقافة الجيدة، ونقص الخبرة بالحياة، إلى جانب تناقص دور الأسرة، وغياب الدور التربوي للمؤسسات التعليمية، وضعف دور المؤسسات الدينية، مما يؤثر على قدرة الشباب على التمييز بين الصالح والطالح والخطأ والصواب.
 
إن القوى التي تستخدم الإنترنت كوسيلة حديثة للسيطرة على الشباب يسهل عليها الإنترنت مهمتها أكثر من أي وسيلة أخري عرفت من قبل، فالإنترنت وسيلة لها جاذبيتها، وتقوم على الترغيب لا الترهيب، وتخاطب العقول والقلوب والأبصار، وتساعد على التوجيه لمواقف وآراء وفق أجندات مدروسة، وهي في هذا كله تمارس نشاطها بصفة دائمة مستمرة لا تتوقف، وفي نعومة غير ملموسة لا يشعر بها أحد. ويزيد من خطورتها أنها واسعة الانتشار، تخترق حدود الدول لتشيع فيها الاضطراب والفوضى، وتوفر للمهاجمين بها المستخدمين لها  قدر كبير من السلامة، وعدم التعرض للخطر، أو كشف هويتهم، وأضرارها غير مباشرة، تظهر نتائجها بالتدريج، وعلى المدى البعيد، وهي مؤثرة على نطاق واسع، ولفترات طويلة. أنها حرب بلا دماء، من عدو خفي، وآثارها التدميرية مع ذلك رهيبة.
 
ويتيح الإنترنت لمن يسعون لنشر الفكر المتطرف أو الحث على ممارسة العنف والأعمال العدائية ضد دولة أو مجتمع ما خدمات متنوعة من أهمها غرف الدردشة والمحادثة، والكتابات الإلكترونية، والتي عن طريقها يتم تجنيد الأفراد، وتنسيق هجمات وعمليات ممارسي العنف، بل وتقديم الدروس في صنع القنابل اليدوية وإطلاق النار واستخدام الصواريخ، خاصة مع بعد المسافات أو شدة الحصار وضعف القدرة على الحركة والتنقل.
 
ويمكن كذلك عن طريق الإنترنت:
- جمع الأموال من خلال التبرعات.
- أخذ مشورة الخبراء وتوجيهاتهم.
- تزوير الوثائق.
- تسهيل صفقات السلاح، وتبادل الأسلحة.
 
- تسهيل عمليات غسيل الأموال غير المشروعة تمهيدا لإعادة استخدامها في تمويل أعمال العنف والتخريب والاغتيالات.
 
- حشد التأييد من قبل بعض الجماعات والمنظمات الأخرى أو التنسيق معها.
- كسب المؤيدين والمتعاطفين.
 
- التسلل إلى الجمعيات الخيرية ومواقع التجارة الإلكترونية لجمع الأموال بصورة خفية غير معلنة.
 
- تمجيد الجهاديين المنفذين للعمليات الانتحارية بعرض سيرتهم وما قاموا به على مواقع مخصصة لذلك، مما يزيد من قيمة هذه العمليات في نظر الشباب كتحفيز لهم، وتخصيص مواقع متزايدة  لذلك، وهو ما يعرف باسم (المقابر الإلكترونية).
 
ولمواجهة ذلك الخطر أكدت الدراسات ضرورة استغلال فرص التطور التكنولوجي في مجال محاربة التطرف والإرهاب عبر الإنترنت والتوصل إلى الأمن المعلوماتي على كافة  أنواع المعلومات ومصادرها لحمايتها من السرقة أو التشويه، أو الاستخدام غير المرخص. وبالرغم من قيام بعض الدول بحجب الآلاف من المواقع لخطورتها فقد طرح بدلا منها مواقع جديدة بنفس الفكر أو أشد، واتبعت أساليب للتغلب على أساليب المقاومة بما أطلق عليه (التكنولوجيا والتكنولوجيا المضادة)، وظهرت مصطلحات جديدة مثل: حرب المعلومات وحرب الشبكات والحروب التخيلية وغير ذلك، في صراع للسيطرة على مفاتيح العلم والتكنولوجيا.
 
وقد سارعت دول العالم المتقدمة في التصدي لهذه  المشكلة باتخاذ التدابير اللازمة للحد من الإجرام المعلوماتي من خلال اتفاقية "بودابست" المتعلقة بالإجرام الكوني، والتي تتكون من 48 مادة للقضاء على هذه الجرائم. وتم وضع قانون للإنترنت وإصدار إعلان به.
 
طرق مواجهة الجهاديين العائدين إلى أوروبا
من المشاكل التي تواجه الدول الأوروبية كيفية مواجهة الجهاديين العائدين إلى أوروبا بعد تجربة مشاركة وانضمام إلى داعش أعقبها عودة من جديد لبلادهم ، سواء عرف عنهم ذلك أو تم الأمر بدون اكتشاف، ذلك أن من الجهاديين الأوروبيين من انضم إلى تنظيم داعش وقرر البقاء معهم رابطا مصيره ومستقبله بهم، ومنهم من لقي حتفه في أعمال قتالية معهم، ومنهم من قرر العودة لبلاده، لأسباب عديدة، فمنهم  من فشل في الوصول للمجاهدين بعد أن توجه بالفعل إليهم، أو تم ترحيله بعد الشك فيه وهو في طريقه إليهم، ومنهم من عاد لعدم تأقلمه مع حياة المجاهدين الصعبة، أو نتيجة تغير في فكره بعد أن طالع الأمر على حقيقته، وغير ذلك من الأسباب. وهؤلاء عرضة عند عودتهم لأحوال شتى، فمنهم من عاد واستقر في بلده التي جاء منها -أو غيرها- ولم يتنبه أحد لأمره، ومنهم من عرف أمره فصار تحت الاستجواب والمراقبة، ومنهم من ألقي القبض عليه لما علم عن نشاطه ودوره السابق مع المجاهدين.
 
ورغم  اختلاف وتنوع  طرق مواجهة الدول الأوروبية لهؤلاء العائدين، واختلاف أسباب عودتهم، لكن يمكن وضع تصور متكامل لطرق مواجهة هؤلاء الجهاديين قبل وبعد تأثرهم بفكر داعش كما تطبقها بعض الدول، أو كما وضعها الباحثون والمهتمون بهذه القضية، وهي تقوم في جملتها على محاولة التدخل لمنع أو إعاقة مراحل عملية التأثر والانضمام والمشاركة للجهاديين، إذ لا تكفي المواجهة الأمنية وحدها لحل المشكلة، والوقاية خير من العلاج، فيجمع بينهما.
 
- فلتقليل الراغبين في السفر والانضمام للجهاديين يتم:
  إعداد برامج توعية وبرامج حوارية موجهة لهذه النوعية من الراغبين فيها لمناقشة فكرهم، وكذلك لمن هم معرضين لتقبل هذا الفكر، وبيان مخاطر ما يقدمون عليه، وتقديم نماذج عائدة من تجارب مماثلة رأت بعدها العودة لبلادها بعد التعرف على الكثير من حقائق الأمور على أرض الواقع. وفي بعض الدول الغربية يكون الحرص على بيان وحشية الصراع وحدة المعارك من جهة، وفتح الباب للتبرع وتقديم المساعدات من البدائل البعيدة عن المشاركة القتالية عن طريق المنظمات الخيرية للمتعاطفين مع المتضررين والمضطهدين في البلاد التي تشهد الصراعات والحروب الأهلية. وفي فرنسا والدنمارك وضعت أرقام هاتفية يمكن الاتصال بها للتحذير من احتمال قيام أحد الأشخاص بالرحيل إلى أماكن القتال مع الجهاديين. وفي بريطانيا يتم حث المواطنين على منع سفر من يراوده فكرة السفر من أبنائهم. وفي بعض البلدان يتم الاستعانة ببعض الشخصيات العامة ذات الثقة في نشر رسائل موجهة ضد الأفكار المتطرفة لما يتمتعون به قبول.
 
- ولإعاقة السفر إلى مناطق القتال:
يتم التدخل بالتحفظ على الأفراد المشتبه فيهم، والتعاون بين  الدول الأوروبية والسلطات التركية بتبادل المعلومات وتوقيف المشتبه فيهم.
 
- ولإعاقة ضم المجاهدين الأوروبيين لمعسكرات التدريب:
فمع البعد عن مناطق القتال ومعسكرات التدريب فإن الدول الأوروبية تحاول منع ضم الأوروبيين لهذه المعسكرات بتشكيك الأجهزة الأمنية الأوروبية لتنظيم داعش في العناصر القادمة إليه من أن يكون بينهم جواسيس عليهم، على أمل أن يدفع هذا التخويف قادة التنظيم إلى التشك في ولائهم وبالتالي إبعادهم عن الأدوار القتالية أو عدم تجنيدهم.
 
- أما التعامل مع العائدين إلى بلادهم بعد فترة من  التواجد في مناطق تنظيم داعش:
 فهناك سياسية أمنية تتضمن القبض على هؤلاء العائدين وحبسهم والتحقيق معهم، في محاولة لمنعهم من ممارسة أي عنف أو تطرف أو نشر لفكرهم، مع وضع برامج لتحويل المعتدلين منهم بعيدا عن التطرف. وقد يصل الأمر إلى تقديم العلاج النفسي لمن تأذوا بسبب ما رأوه في مناطق القتال من أهوال.
 
وفي الدنمارك يتم تقييم درجة خطورة هؤلاء العائدين، بعيدا عن الإجراءات التعسفية، وعلى نتيجة التقييم يكون التعامل معهم، لذا فمنهم من يمكن إعادته للدراسة، أو توظيفه، مع إبعاده عن بؤر التطرف.
 
- أما منع هؤلاء العائدين من الأنشطة والعمليات الإرهابية فمهمة الأجهزة الأمنية التي تبذل أقصى جهدها لإحباط أي محاولة من هذا القبيل، سواء بالتخطيط أو التنفيذ، وتعقب الجناة الذين ساهموا في أي منها.
 
مؤلفات تحدثت عن داعش:
لبعض الكتاب الغربيين كتابات عن الجماعات الإسلامية المتطرفة وعن تنظيم داعش، منها ما كتب  بعد محاولات لاختراق بعض هذه الجماعات أو التنظيم من الداخل لنقل صورة  واقعية من الداخل، ومن هذه الكتابات:
 
--  كتاب (الراديكالية: رحلتي للخروج من فخ التطرف الإسلامي): للكاتب البريطاني المسلم (ماجد نواز)، والذي صدرت طبعته الأولى عام 2013 م، ويقع في 304 صفحة، والمؤلف من أصل باكستاني، حصل على درجة البكالوريوس في اللغة العربية والقانون، ودرجة الماجستير في النظرية السياسية، وكان عضوا بارزا في تنظيم من تنظيمات حزب التحرير التابع لجماعة إسلامية في لندن، حيث عمل في استقطاب الشباب لإنشاء خلايا تتبع هذا التنظيم. وقد اعتقل وسجن وهو في مصر لمدة أربع سنوات عندما كان يدرس اللغة العربية هناك ويقوم باستقطاب بعض الشباب المصري لحزب التحرير، والتقى في السجن مع شباب من المسجونين الإسلاميين كانوا وراء تغيير فكره السابق، وقد أدرك خطأ ما كان عليه. وعندما عاد إلى بريطانيا أسس مؤسسة لمكافحة المد المتطرف المتصاعد في أوروبا، وتحذير المسلمين هناك من الجماعات المتطرفة، مستفيدا من خبرته السابقة في تجنيد الأفراد. ويكشف المؤلف في  الكتاب كيف خرج من الراديكالية إلى الاعتدال، وكيف عانى في نشأته من التمييز الذي يراه السبب مع إهانة الغرب للإسلام في انضمام الشباب البريطانى المسلم للجماعات المتطرفة.  
 
--كتاب (رحلتي إلى قلب الإرهاب: عشرة أيام داخل الدولة الإسلامية) للكاتب ( يورجن   تود ينهوفر ) والكتاب يقع في 288 صفحة، والمؤلف صحفي ألماني عمل في السياسة، درس القانون والعلوم السياسية، وحصل على الدكتوراة في القانون، وانتخب عضوا في البرلمان الألماني عام 1972 م، وقد زار العديد من الدول العربية والإسلامية، وزار أفغانستان في الثمانينيات عدة مرات، وجمع الأموال للاجئين. وقد صرح بمعارضته لاحتلال  أمريكا لأفغانستان وتخطيطها للحرب ضد العراق بعد أحداث  11 سبتمبر 2001 م داعيا إلى الحلول الدبلوماسية بدلا من الحروب. وقد تبرع بجزء كبير من ثروته وإيراداته من كتبه للمشاريع الإنسانية للأطفال، في أفغانستان وباكستان والعراق وفلسطين وسوريا وغيرها.
 
 وفي عام 2014 م وبعد اتصالات خاصة مع داعش من خلال (سكاي بي) ولمدة ستة أشهر سمح له كأول صحفي غربي برحلة دخول إلى الأراضي التي يسيطر عليها تنظيم داعش ويعلن عليها دولته الإسلامية في الشام والعراق، حيث أجرى مقابلات وحوارات مع العديد من عناصر ومقاتلي داعش هناك، حيث طلب منهم شرح معتقداتهم والدوافع والأهداف الخاصة بهم، وتعرف على كيفية نمو التنظيم من جذور تنظيم القاعدة، والدور الذي لعبه الغرب في قضيتهم في الماضي والحاضر. وقد وصف الكاتب تنظيم داعش بأنه من أكثر الجماعات دموية، وبصورة تقشعر منها الأبدان، وتخالف الدين الإسلامي الذي يدعو إلى الرحمة. ويرى المؤلف أن العرب وحدهم القادرون على هزيمة التنظيم وليس أي تحالف من التحالفات الغربية.
 
- وفي أمريكا صدر كتاب (الجهاد في الولايات المتحدة) من تأليف الكاتب الأمريكي (بيتر بيرجن)، والذي بحث فيه المؤلف من خلال التحقيقات والتقارير التي حصل عليها من الاتصال بالمخابرات ومركز مكافحة الإرهاب ومكتب التحقيقات الفيدرالي للشرطة بنيويورك  ملابسات وأحداث ما بعد 11 سبتمبر 2011 م، والتي اتهم فيها 330 شخصا في أمريكا بالاشتراك في عمليات جهادية، معظمهم من الشباب، ومتوسط أعمارهم 29 سنة. فقدم الكاتب العديد من هؤلاء الجهاديين الأمريكيين مع تحليل لشخصياتهم بدقة. فذكر ممن ذكره منهم: (أنور العولقي)، أحد أكبر المسئولين في تنظيم القاعدة في اليمن، وهو أمريكي المولد، وقد اغتيل بعد قصف سيارته بطائرة أمريكية بدون طيار في اليمن في 30/ 9 / 2011 م. ومنهم (سمير خان) من أكبر الدعاة للقاعدة والمروجين لمبادئها باللغة الانجليزية، وصاحب مقال (اصنع قنبلة في مطبخ أمك). ومنهم: (فيصل شاهزاد) الباكستاني الأمريكى الذي حاول تفجير ساحة (تايمز سكوير) عن طريق سيارة ملغومة بقنبلة مؤقتة وأحبطت شرطة نيويورك محاولته، وتم اعتقاله، وعوقب بالسجن مدى الحياة.