د. محمد صلاح الإتربي - لا تنظر بعين واحدة ! - بوابة الفتح الالكترونية

هل جربت يوما أن تسير بإحدى عينيك وتغطي الأخرى طيلة الوقت؟ لا شك أنك ستكون مثار اهتمام وسؤال من حولك عما أصابك ..
 
ماذا لو قلت لهم: لا بأس بها! فقط تستريح، فأنا لا حاجة لي بها! تكفيني عين واحدة !ماذا سيكون جواب من حولك؟! ألن يتهموك بالجنون؟! أفتظن أحدًا يفعل ذلك؟!
 
حسنا .. كلنا يفعل ذلك !نعم .. كلنا ينظر بعين واحدة في أحيان كثيرة !
 
هل تدري كيف؟ دعني أخبرك ..
 
لا يخلو أحدٌ من عيب. هذه حقيقة لا يماري فيها أحد، فكلنا ذوو خطأ، ولكل شخص مميزات وعيوب، فمن لا يرى سوى العيوب فقط ولا يرى الميزات فهو ينظر بعين واحدة !ومن يرى الميزات ولا يرى العيوب فهو ينظر بعين واحدة !
 
وقديما قال الشاعر :
 وعين الرضا عن كل عيب كليلة *** وعين السخط تبدي المساويا
 نعم !
 
كثير منا متى أحب شخصًا: رفعه إلى مصاف الملائكة، ومتى كره آخر: هوى به إلى قاع الجحيم .
 
وهذا خلق مذموم حذرنا منه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوماً ما». وقال عمر بن الخطاب: «لا يكن حبك كلفا، ولا بغضك تلفا».
 
إن من بعض ما ابتلينا به التهويل والمبالغة في تقييم المواقف والأشخاص والتصرفات، وكأنه لا يوجد سوى طرفي النقيض؛ إما أقصى اليمين أو أقصى اليسار، وأحد أسباب هذا الأمر هو غياب موضوعية التقييم، ونسيان النظر للمحددات والمعايير ..
 
دعني أوضح لك ذلك بالأمثلة :
 
إن من ابتلي بهذا الداء تجده دائما متطرفا في مواقفه، كما قلت لك: إما أقصى اليمين أو أقصى اليسار.
 
فهذا إما عالم أو جاهل، ونسي أن بينهما طالب العلم، بل إن العلم درجات ورتب كثيرة.
 
وهذا إما صادق أو كاذب، ونسي أن بينهما المخطئ والغافل والناسي .
 
وهذا إما أمين أو سارق، ونسي أن بينهما المفرّط والمتهور .
 
وهذا ممتاز أو سيء، ونسي أن بينهما المقبول والجيد .
 
وهذا عدو أو صديق ونسي بينهما المحايد .
 
بل كل وصف من هذه الأوصاف تختلف نسبته من شخص لآخر ..
وهكذا ..
 
ستجد في كل مواقف الحياة من يبالغ في أحد الجانبين، ومقتضى العقل هو النظر الهادئ الذي يحدد مقدار الخلل أو مقدار التميز، ولا ينظر بعين واحدة، بل ينظر بكلتا عينيه من أجل أن يرى الصورة المكتملة فلا إفراط ولا تفريط ..
 
لا تظن أخي الكريم أنك بمنأى عن هذا الأمر، فكلُّنا يقع في أسر هذه «النظرة الأُحادية»، ونحن فقط بين مقلٍ ومستكثرٍ ..
 
وإذا كان هذا في الأمور البسيطة الواضحة فكيف يكون الحال في الأمور المتشابكة المعقدة التي تكتنفها جوانب كثيرة أغلبها متعارض؟!
 
وإذا كان هذا حال ما تراه ويراه الناس جميعا مما لا يحتاج إلى إعمال فكرٍ، فكيف بالأمور التي تحتاج إلى تأنٍ ونظرٍ وروية؟!
 
إذا أدركت ذلك الأمر تخيلت كم يكون الخلل الذي يحصل عند تقييم المواقف بعين واحدة !
 
وإلى أي هاوية تقودنا هذه «النظرة الأحادية».
 
فهذا إما «أمير المؤمنين» أو «كافر محارب للدين»، وهذا إما «أعلم أهل الأرض» أو «طاغوت العصر»، وهؤلاء القوم إما «خير الناس» أو «خونة منافقين»، وهؤلاء الناس إما «مبتدعة ضالين» أو «أئمة في الدين». وهكذا .. تضيع الحقائق والثوابت وسط هذا الاستقطاب الفج العنيف!
 
وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حذرنا أن نقع أسرى هذه «النظرة الأحادية» فيما يتعلق بالتعامل مع شخص واحد، فكيف يكون الأمر عندما يكون التعامل مع مجموعة من الأشخاص وسلسلة من المواقف المتداخلة والمتشابكة؟
 
لا شك أن الخلل سيكون أشد، ومواضع الزلل ستكون من الخفاء بما لا يهتدي إليها سوى الماهر الخريت، فكيف بم دونه؟!
 
ولذا كان أحد الأصناف الذين يسرعون في الوقوع في الفتنة هؤلاء المتسرعون، الذين لا يعطون لأنفسهم فرصة التفكر والنظر، كما قال حذيفة بن اليمان: «إن الفتنة وكلت بثلاث: حاد نِحرير لا يقوم له شيء إلا قدَّه بالسيف، والخطيب الذي يدعو إليها، والسيد؛ أما السيد فتفحصه حتى تبلو ما عنده».
 
رحم الله حذيفة بن اليمان ورضي عنه !
 
فهذا الحاد النحرير- الذي لا يقوم له شيء إلا شقه نصفين – يمتلك أعلى صفات الشجاعة والقوة والإقدام لكن هذه الصفات تنقلب إلى تهور واندفاع إذا لم تلجم هذه القوة بلجام من العقل يرشدها .
 
وهذا الشخص الذي يكون مقداما دون أن يلتفت إلى عواقب الأمور هو أول الناس وقوعا في الفتن، وأسرع الناس هلاكا وإهلاكا.
 
والفتن خداعات، وإنما يكشفها ويستبين أمرها العلماء، الذين يقيسون الأمور بأشباهها، فالفتنة إذا أقبلت علمها كل عالم وإذا أدبرت علمها كل جاهل، ولذا ذكر حذيفة رضي الله عنه أن السيد تبلوه الفتنة ، فربما كان عاقلا عالما فينجو منها ويُنجِي غيره، أما الصنفان الآخران فهما هالكان لا محالة !
 
إذا علمت هذا فهمت معنى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
 
لقد فقه عبدالله بن رواحة معنى هذه الآية جيدا، ذلك أنه كان بعد فتح خيبر يذهب يخرص ثمارهم (أي يحسب قيمتها حتى يدفعوا شطرها على حسب اتفاقهم مع النبي صلى الله عليه وسلم) فأراد اليهود أن يرشوه!، فقال لهم: «يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ أَتُطْعِمُونِي السُّحْتَ، وَاللَّهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَلَأَنْتُمْ أَبْغَضُ إَلَيَّ مِنْ عِدَّتِكُمْ مِنَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، وَلَا يَحْمِلُنِي بُغْضِي إِيَّاكُمْ وَحُبِّي إِيَّاهُ عَلَى أَنْ لَا أَعْدِلَ عَلَيْكُمْ » فَقَالُوا : «بِهَذَا قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ». إنه الإنصاف في أبهى صورة وأعلى معانيه .
 
انظر يمينك ويسارك وتلفَّت حولك فستجد أغلب الناس بين محبٍ غالٍ أو مبغضٍ جافٍ. ورحم الله القائل: «الإنصاف عزيز».
 
أيها القارئ الكريم الحديث ذو شجون!! وعلى أي حال كن حذرا أن تكون من هؤلاء الذين يبصرون بعين واحدة، ثم يملؤون الدنيا صياحا:« أين المنصفون؟».