وائل سرحان - اللغة العربية .. ومعالم النهضة السلفية (3) - بوابة الفتح الالكترونية
وائل سرحان
2016-03-24 22:16:00

اللغة وعقيدة التوحيد
ألمح الشيخ شاكر رحمه الله إلى أمر مهم يبين أهمية تعلم اللغة وإيحائها؛ وهو أن من أراد القضاء على أي يقظة إسلامية أو عربية بدأ بالقضاء على اللغة، ومن أراد إحياءها اهتم بإحياء اللغة العربية وتقويتها. ولقد عد الشيخ محمود شاكر رحمه الله المرتضى الزبيدي أحد رواد النهضة الإسلامية لاجتهاده في إيحاء لغة الأمة؛ اللغة العربية. ولقد كان دفاع مصطفى صادق الرافعي رحمه عن اللغة العربية دفاعًا عن القرآن وعن الدين الإسلامي.
 
وأوضح ذلك أستاذه الرافعي فقال: "لا جرم كانت لغة الأمة هي الهدف الأول للمستعمرين؛ فلن يتحول الشعب أول ما يتحول إلا من لغته؛ إذ يكون منشأ التحول من أفكاره وعواطفه وآماله، وهو إذا انقطع من نسب لغته انقطع من نسب ماضيه، ورجعت قوميته صورة محفوظة في التاريخ، لا صورة محققة في وجوده؛ فليس كاللغة نسب للعاطفة والكفرة حتى أن أبناء الأب الواحد لو اختلفت ألسنتهم فنشأ منهم ناشئ على لغة، ونشأ الثاني على أخرى، والثالث على لغة ثالثة، لكانوا في العاطفة كأبناء ثلاثة آباء.
 
وما ذلت لغة شعب إلا ذل، ولا انحطت إلا كان أمره في ذهاب وإدبار؛ ومن هذا يفرض الأجنبي المستعمر لغته فرضًا على الأمة المحتلة، ويركبهم بها، ويشعرهم عظمته فيها، ويستلحقهم من ناحيتها؛ فيحكم عليهم أحكامًا ثلاثة في عمل واحد: أما الأول فحبس لغتهم في لغته سجنًا مؤبدًا؛ وأما الثاني فالحكم على ماضيهم بالقتل محوًا ونسيانًا؛ وأما الثالث فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يصنعها؛ فأمرهم من بعدها لأمره تبع". وحي القلم (3/ 27)
 
ولما أراد من فتن من أبناء الأمة التشكيك في دينها وقرآنها بدأ بالتشكيك في لغتها وشعرها وقوتهما.
 
وما دخل التوحيد – وهو شعار السلفية - بهذا الكلام؟!
 
نعم، إن ما سبق لصيق الصلة بعقيدة الولاء والبراء، التي يريد كل محتل أن يقضي عليها في أي أمة يجتاحها، فتذوب تلك الأمم ذوبان الملح في الماء في أمة أولئك المحتلين، وإذا كان؛ فلن يعودا أمتين، بل يعودوا أمة واحدة؛ هي أمة المحتل، وشواهد التاريخ على ذلك يعز على هذا المقال حصرها.
 
وقد سبق من كلام شيخ الإسلام رحمه الله أن "اعتياد اللغة يؤثر في العقل، والخلق، والدين تأثيرًا قويًّا بينًا، ويؤثر أيضا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق"، وهذا في جانب الولاء وعكسه يكون البراء.
 
وسيأتي كلام شيخ الإسلام رحمه الله في اقتضاء الصراط المستقيم أن اعتياد الكلام بغير العربية من التشبه المكروه؛ لأنه يخالف شعار الإسلام.
 
إن اللغة هي الترسانة التي تحمي الأمة وتحفظ هويتها وكيانها ووجودها، وتحميها من الضياع والذوبان في الحضارات والأمم الأخرى.
 
إن اللغة العربية هي شعار الإسلام وهوية ولسان الأمة الإسلامية، واللغة من الأمة أساس وحدتها، ومرآة حضارتها، واللغة مقوم من أهم مقومات حياتها وكيانها، وهي الحاملة لثقافتها ورسالتها، والرابط الموحد بين أبنائها، والصلة بين أجيالها؛ لذلك يحرص المحتلون (المستعمرون) على اختلاف توجهاتهم على فرض لغتهم على البلدان التي يحتلونها، ويحاولون جهدهم طمس لغة هذه الشعوب المحتلة.
 
يقول الرافعي رحمه الله: (( إنما القرآن جنسية لغوية تجمع أطراف النسبة إلى العربية، فلا يزال أهله مستعربين به، متميزين بهذه الجنسية حقيقةً أو حكما).
 
اللغة إحدى عواصم الانحراف العقدي
 
فمن أسباب ضلال الفرق المبتدعة التي ضلت في مسائل الاعتقاد هو جهلها باللغة العربية، وكون جهلها في هذا الزمن البعيد سبب من أسباب ضلالها وانحرافها فذلك نذير خطر لنا ولأجيالنا.
 
قال الحسن البصري - رحمه الله- في المبتدعة: "أهلكتهم العجمة".
 
وعن ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: "ما تزندق من تزندق بالمشرق إلا جهلًا بكلام العرب وعجمة قلوبهم". [شعب الإيمان (1569 ،3/ 217)]
 
قال شيخ الإسلام رحمه الله : "فمعرفة العربية التي خوطبنا بها مما يعين على أن نفقه مراد الله ورسوله بكلامه، وكذلك معرفة دلالة الألفاظ على المعاني؛ فإن عامة ضلال أهل البدع كان بهذا السبب، فإنهم صاروا يحملون كلام الله ورسوله على ما يدعون أنه دال عليه ولا يكون الأمر كذلك، ويجعلون هذه الدلالة حقيقة، وهذه مجازا كما أخطأ المرجئة في اسم الإيمان جعلوا لفظ الإيمان حقيقة في مجرد التصديق وتناوله للأعمال مجازا". [الإيمان لابن تيمية (ص: 97) ]
 
لذلك تجد استشهاد واستناد ابن عباس حبر الأمة رضي الله عنه في محاورته لنافع بن الأزرق الخارجي كان بالشعر، وهو رضي الله عنه كان رواية للشعر .
 
وعن عكرمة، عن ابن عباس، قال : "إذا قرأ أحدكم شيئًا من القرآن فلم يدر ما تفسيره؛ فليلتمسه في الشعر؛ فإنه ديوان العرب". [شعب الإيمان (1560 ،3/ 213) ]
 
وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أنه كان يسأل عن القرآن فينشد فيه الشعر". [شعب الإيمان (1559 ، 3/ 212)]
 
يقول الشيخ محمود شاكر رحمه الله: "وهذه الصورة الجامعة هي منشأ كل اختلاف في اللغة، وكل اختلاف في الفهم، وكل اختلاف في التفكير، فإذا بدأ المرء يفكر مستخدمًا لفظًا ينطوي على صورة جامعة، وعرض له في إدراك هذه الروابط عارض من الوهم، أو من سوء التقدير، أو من إساءة فهم الروابط، أو من تغليب بعض المعاني الحادثة فيه على بعض، أو مما شئت من وجوه كثيرة = كان تفكيره مهددًا بسلوك طريق غريبة بجره إليها بعض ما بنى عليه تفكيره، وعلى قدر ما يعرض له من الوهم، أو سوء التقدير، أو إساءة فهم الروابط، أو تغليب بعض المعاني الحادثة فيه على بعض – يحدث له انحياز إلى جانب من الفكر لم يكن لينحاز إليه إذا هو بريء من ذلك براءة تامة، أو بريء من بعضه براءة مشوبة بالنقص.
 
وعلى مثل ذلك يكون شأن الذي يتلوا كلامًا ويحاول أن يفهمه أو يحاول أن يفسره، فهو عرضة للانحياز إلى جانب من الفهم أو التفسير يزيد وينقص على قدر مبلغه من كنه الألفاظ التي يحاول أن يفسرها أو يفهمها، ولا سيما إذا تضمن الكلام ألفظًا تنضم على صور جامعة.
 
وإلى هذا الباب يرجع أكثر ما تجد من افتراق الفرق في الملل التي دان بها الناس، وأكثر ما نشأ من المذاهب المتباينة مع انتمائها إلى أصل واحد تصدر عنه، وأكثر ما يعرض لمفسري النصوص من الاختلاف الغريب المتناقض حين يحاولون حل الإشكال بالتأويل، فالإشكال عندهم ينشأ من القصور عن بلوغ كنه الألفاظ ذوات الصور الجامعة فيحتاجون إلى تأويل هذه الألفاظ تأويلًا يناسب ما عند كل منهم من قدر من القصور، فإذا قل القدر خف التأويل، وإذا غلا قدر القصور أفضى إلى غلو في التأويل" [أباطيل وأسمار 411، 412]
 
وإن تعجب فعجب من يزعم أنه على درب السلف في التغيير والإصلاح وهو لا يقوى على استظهار بيت من الشعر، ولا على الاستشهاد به، فضلا عما عداه من فنون العربية.
 
اللغة العربية بين التقليد والاجتهاد
 
من معالم المنهج السلفي محاربة القول بغلق باب الاجتهاد ومعالجة ظاهرة التقليد أو ترشيدها، والقول بفتح باب الاجتهاد، ونشر العلم في جميع قطاعات الأمة ومستوياتها وطبقاتها، كل بما يطيقه ويناسبه، وتنادي السلفية بالرجوع إلى الأصلين في الاستنباط، والاجتهاد والقدرة على استنباط أحكام الله في المسائل يعتمد فيما يعتمد عليه على التمكن من اللغة العربية فنونها.
 
يقول الماوردي رحمه الله: "والسبب الثاني في معرفة الأصول الشرعية معرفة لسان العرب، وهو معتبر في حجج السمع خاصة قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4] لأنه لا يخاطبهم إلا بما يفهم عنه ليكون حجة عليهم ولهم، وقد قال تعالى: {لِسَان الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيّ وَهَذَا لِسَان عَرَبِيّ مُبِين} [النحل: 103] فاحتاج الناظر إلى معرفة لسانهم، وموضوع خطابهم، ليفرق بين الحقيقة والمجاز، وبين الإثبات والنفي، وبين المطلق والمقيد، وبين العام والخاص، وبين المفسر والمجمل، وبين الناسخ والمنسوخ، ويفرق بين الفاعل والمفعول، ويعرف صيغة الأوامر والنواهي .. فإن قصر عنها لم يصح منه النظر". [الحاوي (16/ 54)]
 
وأسوق إليك – أيها الكريم –كلامًا عجبًا للإمام الشاطبي رحمه الله في شروط الاجتهاد، ومنزلة العلم باللغة العربية وفنونها من بين هذه الشروط.
 
يقول الشاطبي رحمه الله: "وأما الثاني من المطالب: وهو فرض علم تتوقف صحة الاجتهاد عليه، فإن كان ثم علم لا يحصل الاجتهاد في الشريعة إلا بالاجتهاد فيه، فهو لا بد مضطر إليه؛ لأنه إذا فرض كذلك لم يمكن في العادة الوصول إلى درجة الاجتهاد دونه، فلا بد من تحصيله على تمامه، وهو ظاهر، إلا أن هذا العلم مبهم في الجملة فيسأل عن تعيينه.
 
والأقرب في العلوم إلى أن يكون هكذا علم اللغة العربية، ولا أعني بذلك النحو وحده، ولا التصريف وحده، ولا اللغة، ولا علم المعاني، ولا غير ذلك من أنواع العلوم المتعلقة باللسان، بل المراد جملة علم اللسان ألفاظ أو معاني كيف تصورت، ما عدا الغريب، والتصريف المسمى بالفعل، وما يتعلق بالشعر من حيث هو الشعر كالعروض والقافية، فإن هذا غير مفتقر إليه هنا، وإن كان العلم به كمالًا في العلم بالعربية وبيان تعين هذا العلم ما تقدم في كتاب المقاصد من أن الشريعة عربية، وإذا كانت عربية؛ فلا يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة العربية حق الفهم؛ لأنهما سيان في النمط ما عدا وجوه الإعجاز، فإذا فرضنا مبتدئا في فهم العربية فهو مبتدئ في فهم الشريعة، أو متوسطا؛ فهو متوسط في فهم الشريعة والمتوسط لم يبلغ درجة النهاية، فإن انتهى إلى درجة الغاية في العربية كان كذلك في الشريعة؛ فكان فهمه فيها حجة كما كان فهم الصحابة وغيرهم من الفصحاء الذين فهموا القرآن حجة، فمن لم يبلغ شأوهم؛ فقد نقصه من فهم الشريعة بمقدار التقصير عنهم، وكل من قصر فهمه لم يعد حجة، ولا كان قوله فيها مقبولًا.
 
فلا بد من أن يبلغ في العربية مبلغ الأئمة فيها؛ كالخليل، وسيبويه، والأخفش، والجرمي، والمازني ومن سواهم ، وقد قال الجرمي: "أنا منذ ثلاثين سنة أفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه".
 
وقد قال الغزالي في هذا الشرط: "إنه القدر الذي يفهم به خطاب العرب وعادتهم في الاستعمال، حتى يميز بين صريح الكلام وظاهره ومجمله ، وحقيقته ومجازه، وعامه وخاصه، ومحكمه ومتشابهه، ومطلقه، ونصه وفحواه ولحنه ومفهمومه".
 
وهذا الذي اشترط لا يحصل إلا لمن بلغ في اللغة العربية درجة الاجتهاد ، ثم قال: "والتخفيف فيه أنه لا يشترط أن يبلغ مبلغ الخليل والمبرد، وأن يعلم جميع اللغة ويتعمق في النحو".
 
وهذا أيضا صحيح، فالذي نفي اللزوم فيه ليس هو المقصود في الاشتراط، وإنما المقصود تحرير الفهم حتى يضاهي العربي في ذلك.
 
[ثم ساق كلام الشافعي الذي نقلته آنفًا، ثم قال: ]هذا قوله، وهو الحق الذي لا محيص عنه، وغالب ما صنف في أصول الفقه من الفنون إنما هو المطالب العربية التي تكفل المجتهد فيها بالجواب عنها.
 
فالحاصل أنه لا غنى للمجتهد في الشريعة عن بلوغ درجة الاجتهاد في كلام العرب، بحيث يصير فهم خطابها له وصفا غير متكلف ولا متوقف فيه في الغلب إلا بمقدار توقف الفطن لكلام اللبيب". [الموافقات (5/ 52: 57) باختصار]
 
وخلاصة كلامه رحمه الله أن الاجتهاد في فنون علم اللغة – وليس النحو وحده - شرط الاجتهاد في الشريعة وعليه يتوقف، فمن يريد الاجتهاد في الشريعة عليه أن يبلغ في اللغة مبلغ الخليل، وسيبويه، والأخفش، والجرمي، والمازني ومن سواهم!! حتى يستطيع الاجتهاد فيها، وإذا أريد التخفيف في هذا الشرط فلا بد أن (يعلم جميع اللغة ويتعمق في النحو..حتى يضاهي العربي)!!
 
وهو معنى قول من لم يشترط بلوغ الاجتهاد في اللغة كشرط لبلوغ الاجتهاد في الشريعة كالماوردي رحمه الله، فتأمل قوله: "ولسنا نعني أن يكون عالما بجميع لغتهم وإعراب كلامهم، لأن التشاغل به يقطعه عن علم ما سواه، وإنما نريد أن يكون عالما بموضوع كلامهم ومشهور خطابهم" .[الحاوي (16/ 54) ]
 
وأقل ما قيل في ذلك ما لخصه ابن القيم رحمه الله بقوله: "فالمطلوب الواجب من العبد من العلوم والأعمال إذا توقف على شيء منها كان ذلك الشيء واجبًا وجوب الوسائل، ومعلوم أن ذلك التوقف يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والألسنة والأذهان؛ فليس لذلك حد مقدر". [مفتاح دار السعادة (1/ 159)].

وللحديث بقية.