أسامة شحادة - بالإصلاح ننجو من الهلاك! - بوابة الفتح الالكترونية
أسامة شحادة
2016-03-08 10:30:00

من رحمة الله عز وجل بعباده أن أنزل عليهم القرآن الكريم ليكون لهم هداية ونورا، ويرشدهم لما فيه صلاحهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة؛ ومن ذلك قوله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى? بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} (هود: 117). وهذه سنّة ربانية في سائر الأمم والبشرية عبر التاريخ، أنهم إذا اشتغلوا بالإصلاح لم تعاجلهم العقوبة الربانية. يقول العلامة الطاهر بن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير: "والمراد: الإهلاك العاجل الحالّ بهم في غير وقت حلول أمثاله، دون الإهلاك المكتوب على جميع الأمم وهو فناء أمة وقيام أخرى في مدد معلومة حسب سنن معلومة".
 
وقد أوضحت الآيات الأخرى حقيقة وطبيعة الظلم الذي يُهلك القرى إذا لم يعالج بالإصلاح، وأن هذا الفساد متعدد المظاهر والمراتب، وهذه بعض الآيات الدالة على ذلك:
 
1- قال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} (القصص: 58-59).
 
 قال العلامة عبد الرحمن السعدي في تفسير قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ}، أي: "بالكفر والمعاصي"، والكفر والشرك هو أكبر الظلم لقوله تعالى: "إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" (لقمان: 13).
 
ونحن نرى اليوم عودة بعض مظاهر الكفر والشرك لبلاد المسلمين من أبواب شتى، فبالأمس منعت حفلات لعبدة الشياطين بالقاهرة (بحسب موقع العربية نت 21/2/2016) وقد انتشرت هذه الآفة في عدد من بلاد المسلمين، وأصبحت برامج السحر تنتشر في الفضائيات العربية وحفلات عيد الميلاد وغيرها، وتنشر إعلاناتها بالصحف، كما تورط كثير من الشباب في شبهات الإلحاد عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
 
وأيضا نجد حملة قوية ومدعومة من مراكز الدراسات الغربية -التي يفترض أن مرجعيتها هي العلمانية والليبرالية- لتعزيز دور الطرق الصوفية الغالية والمبتدعة بين المسلمين، فكثير من تقارير مراكز الدراسات الغربية يوصي بدعم هذه الفرق وتشجيعها، وأصبح من المعتاد سماع أخبار مشاركة سفراء غربيين لاحتفالات الطرق الصوفية التي تمجد عبادة القبور والأضرحة بالطواف حولها والسجود لها وتقديم القرابين والنذور لها، في مظاهر شركية واضحة ومعلنة!
 
ويقابل هذا ما تبثه كثير من الفضائيات الشيعية الطائفية ويتم تداوله عبر الرسائل الإلكترونية من مقاطع للغلو الشيعي الذي يسبغ صفات الألوهية والربوية والمعجزات على أئمة الشيعة، في مناقضة تامة لآيات القرآن الكريم القائمة على ترسيخ عقيدة التوحيد ومحاربة الشرك.
 
2- قال تعالى: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} (هود: 116).
 
يقول الحافظ ابن كثير في سبب زوال تلك القرى: "إن أولئك القوم الظلمة المترفين، الذين أبطرتهم النعمة وأطغتهم، فردوا الحق الذي جاءهم من ربهم، فظلموا أنفسهم بذلك وظلموا غيرهم فاستحقوا العذاب".
 
وكم نرى اليوم من نكران النعمة ورد الحق بسبب الترف والغنى، وكم نرى من ظلم الأغنياء للفقراء واستيلاء أهل النفوذ على خيرات البلاد والعباد حتى ثارت الناس وخرجت في الشوارع، وكم نرى من قوانين وقرارات تقترح أو تصدر هنا وهناك فيها رفض صريح للإسلام والقرآن؛ من إباحة للربا والخمر والزنا ومنع من تعليم القرآن أو نشر الدعوة، وكم نرى من مبالغة في الفسق والفجور وتفاخر وتسابق في ذلك في الفضائيات والحفلات ووسائط التواصل. 
 
ويقول الزمخشري: "أراد بالذين ظلموا: تاركي النهي عن المنكرات، أي: لم يهتموا بما هو ركن عظيم من أركان الدين، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعقدوا هممهم بالشهوات، واتبعوا ما عرفوا فيه التنعم والترف، من حب الرياسة والثروة، وطلب أسباب العيش الهنيء، ورفضوا ما وراء ذلك ونبذوه وراء ظهورهم".
 
وينتج من انتشار فساد الكفر وفساد المعاصي في أمة الإسلام ومنع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شيوع الظلم فيهم لبعضهم البعض واستفحال الجرائم والمشاكل، وهذه طبيعة الكفر والمعاصي لأنها تحث صاحبها على الازدياد منها فيصطدم بشهوات ورغبات الآخرين، وهذا هو سبب ظلم الأغنياء للفقراء، والقادة لأتباعهم، فهم يطمعون في أراضيهم وأموالهم ونسائهم وهكذا.
 
وهذا لا يقتصر على حالة الأفراد بل يشمل الأفراد والمؤسسات والشركات والدول، ولهذا نجد تعمد كثير من الشركات والدول للعدوان على غيرها طمعا في زيادة ملذاتها ومغانمها، دون رادع من دين أو وازع من ضمير.
 
وهذه الحالة الصراعية تنشر الفساد في الذمم والأخلاق والسلوك، فتشتت قوة المسلمين وتفرقهم، ويفشو الجهل فيهم، وتنحل قوتهم مما يجلب عليهم عذاب الله عز وجل، فيسلط عليهم أعداءهم، وهذا مصداق قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} (الإسراء: 16). 
 
والوقاية من هذا الهلاك هو بالإصلاح كما أرشد القرآن: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} (هود: 117). ويعلق العلامة محمد رشيد رضا على هذه الآية فيقول: "وهي نص على أن إصلاح الناس فيما بينهم مانع من إهلاكهم وتسليط أعدائهم عليهم".
 
والإصلاح الحقيقي الذي يقي من غضب الله وإهلاكه لنا أو تسليطه أعداءنا علينا يكون بنشر العلم الشرعي الصحيح والتزامه، والدعوة إلى الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بضوابطه الشرعية، والأخذ بالأسباب السليمة لامتلاك المعرفة والقوة المادية، وبهذا ندفع فساد وظلم الكفر والشرك، وندفع فساد الأخلاق والمنكرات الآثمة، ونغلق الطريق على دعاة الغلو والتطرف الذين يتوسل بهم أعداء الأمة لمعاودة احتلالها والهيمنة عليها باسم محاربة الإرهاب والتطرف، كما تفعل روسيا وإيران اليوم في سوريا!