د. نزيه رمضان - هل منع النقاب بالمستشفيات في مصلحة المريض حقا؟ - بوابة الفتح الالكترونية
د. نزيه رمضان
2016-02-23 23:06:00

أصدرت جامعة القاهرة منذ أيام قرارا بمنع القائمين على رعاية وحقوق المرضى من ارتداء النقاب حفاظا على حقوق المرضى ولمصلحة العمل. وجاء ذلك خلافا لما أصدرته اللجنة الشرعية بمرصد الأزهر الشريف ما يفيد أن النقاب أدب إسلامي لا يفرض ولا يمنع، وخلافا للحق الأصيل في مظاهر الحرية الشخصية التي كفلها الدستور للمواطنين، ومخالفا لما أصدرته دائرة توحيد المبادئ بالمحكمة الإدارية العليا عام 2007 بمنع حظر النقاب لما في ذلك من تقييد للحرية الشخصية. رغم كل هذا بقي سؤال هل يصب ذلك القرار المخالف في مصلحة المريض؟
 
يحضرني في ذلك الشأن ما صدر عن هيئة الخدمات الصحية الوطنية في بريطانيا بتاريخ 19-9-2013 بعنوان ارتداء النقاب في مكان العمل، على الرغم من أن الدولة ليست مسلمة، ولا ينص دستورها على الإسلام، كما أن نسبة المسلمين بها 3.3 % عام 2006 إلا أننا نجد المقال بدأ بتوضيح أن الهيئة دائما تسعى لتحقيق التوازن بين سلامة المريض وبين وجهات النظر الدينية، ثم أشار إلى قضية النقاب وأنه قد يؤثر على نقل العدوى (ومعلوم أن الوضع ليس كمصر بالنسبة لمكافحة العدوى كما أنهم يتكلمون من وجهة أن النقاب غير معقم)، وأشارت إلى قضية أخرى وهي قضية تعرية الساعدين تحت مفصل الكوع لنفس الغرض، ثم ذكر المقال أن هذه النقاط تواجه اعتراضا من المسلمين لأن ذلك يخالف معتقداتهم الدينية. ثم ذكر المقال أن مستشفى "الدر هي" (Alder Hey Hospital) كان واحدا من الكثير من المستشفيات التي تحدثت مع الأعضاء العاملين بها لإيجاد حل لهذا الموضوع وتوصلوا إلى أن يقوم هؤلاء الأشخاص بتغيير ملابسهم الخارجية واستبدالها ببدل خاصة كبدل العمليات.
 
وفي سياق الحديث أشار المقال إلى دليل أصدرته الهيئة الوطنية لتنيم  هذه الموضوعات المتعلقة بالمعتقدات الشخصية والآراء الدينية (practical guide to religion and belief for the NHS).
 
والجدير بالذكر أن هذا الدليل تحدث باستفاضة عن أهمية حرص المؤسسات الصحية على مراعاة المعتقدات الدينية، وتحقيق التوازن بين مراعاة هذه الحقوق وعدم التمييز السلبي ضد أصحابها وبين مراعاة حقوق المرضى والمؤسسة، وذكر في طياته عدة أمثلة لتوضيح وجهة النظر نذكر منها:
 
1-مراعاة أن المسلمين واليهود لا يتناولون أي طعام يدخل فيه أو يتم تخزينه بجوار لحم الخنزير.
 
2-أشار إلى ما حدث في مستشفى "الدر هي" الذي ذكرناه سالفا، حيث يلزم الأطباء بكشف الساعد، ويقول مدير المستشفى إنه سعيد جدا أنه توصل إلى حل للطبيبات والطالبات المسلمات، وهو أن يرتدين (سكرب) أو بدل طبية خاصة لتحمي من العدوى (أي أنه يسعى لإيجاد البديل ومراعاة شعور ومعتقدات الآخرين)
 
3-أشار إلى أن ملابس المستشفى لا تناسب المرضى المسلمين، ومنهم من يحتاج إلى ارتداء البرقع أو النقاب مما دفعهم إلى عمل زي خاص (Inter-Faith Gown) أي: الجاون الخاص بالأديان، وهو عبارة عن زي خاص يغطي المرأة من شعرها إلى ظفرها، ويحتوي على ما يشبه الحجاب والنقاب.

 
4-بالنسبة لموضوع الختان للأولاد المسلمين، تم توفير هذه الخدمة في المستشفيات وفي بعض المراكز الخاصة حرصا على احترام المعتقدات الدينية للمسلمين.
 
5-محاولة توفير بديل الأدوية التي تحتوي على جيلاتين الخنزير، أو الكحول التي تخالف معتقدات المسلمين، أو الأدوية التي تحتوي الجيلاتين البقري وتخالف معتقد الهندوس.
 
الشاهد مما سبق هو محاولة مراعاة معتقدات الأشخاص ومراعاة حرياتهم، ومحاولة إيجاد حل مناسب إذا كان هناك أي ضرر لممارسة هذه الحرية أو المعتقد.
 
نعود إلى المقال على صفحة الهيئة الصحية الوطنية حيث ذكر أن مؤسسات الهيئة تحاول إلى وضع سياسات لهذا الموضوع (النقاب) بالتشاور مع هؤلاء الأعضاء الذين يرتدون النقاب، كما أن المقال نوه بعد أن ذكر بعض المستشفيات التي منعت ارتداء غطاء الوجه أثناء علاج المريض فقط، والسماح به دون ذلك، ذكر أن المديرين والعاملين بمستشفيات الهيئة قادرين على إيجاد حلول للقضايا الخاصة بالمعتقدات الدينية، مثل ارتداء غطاء الوجه، كما أن الهيئة ليست بحاجة لإصدار أمر عام يمنع من ارتداء النقاب.
 
وفي ثنايا المقال أشار إلى توصيات لجنة حقوق الإنسان والمساواة تحت عنوان المعتقدات الدينية في مكان العمل: دليل لأرباب الاعمال ( 'Religion or belief in the workplace: A guide for employers) وهذا الدليل يحتاج إلى مقال منفرد لكني أذكر منه أنه على صاحب العمل مراعاة عدة أمور تجاه المعتقدات الدينية، منها: الضرر الذي يلحق بصاحبه إذا منع من ذلك وتأثير هذه المعتقدات على الموظفين الآخرين وعلى الزبائن .. إلخ. إلا أنه نبه على أنه يجب على صاحب العمل والموظف إيجاد حلول وسط ترضي الجميع، بدل من منعه من العمل وذكر أمثلة منها السماح للانصراف المبكر من العمل لليهود يوم الجمعة للاستعداد لليوم التالي، والسماح بالصلاة للمسلمين في وقت العمل.
 
مما سبق نستخلص أن هذه الهيئات في بلاد لا ينص دستورها على الإسلام والمسلمين فيها أقلية ومع ذلك يصرون على احترام حقوقهم ومعتقداتهم وإيجاد البدائل لهم بعد التشاور معهم، إذا تعارض مع مصلحة العمل.
 
أما في مصر فلا يخفى على كل ذي بصر أن المنظومة الصحية في أسوأ أحوالها وخصوصا فيما يخص مكافحة العدوى والتعامل مع المريض، وأننا بحاجة إلى منظومة إصلاح شاملة تشمل المؤسسات الصحية والأطباء والعاملين، نحتاج إلى توفير المزيد من الرعاية للمريض؛ لا أن يقف في طوابير لتلقي الرعاية ولا أن يفترش الطرقات في المستشفى ولا أن يكون ابنه في حالة خطيرة يحتاج إلى دخول العناية المركزة فيبحث في كل المستشفيات الحكومية في محيطه ولا يجد ويتصل بوزارة الصحة لتجد له مكانا ويكون الرد لا يوجد مكان وسوف نتواصل معك حين توفر مكان، وهو يرى فلذة كبده يموت أمام عينيه ولا يستطيع أن يفعل شيئا.
 
القضية أكبر من ذلك بكثير المريض لا يهمه ولا يشغله الطبيبة منتقبة أو غير منتقبة، بيضاء أو شقراء، إنما يهمه كيف يحصل على الخدمة بكفاءة ودون تأخير؟
 
لذا أهيب بالمسئولين، أدركوا هذا الوطن وأدركوا الفقير ولا تشغلوا أنفسكم بنقاط تلهينا عن الهدف الأصلي المنشود.