أسامة شحادة - بالعلم والعمل نعبر التحديات - بوابة الفتح الالكترونية
أسامة شحادة
2016-02-23 22:48:00

تواجه أمتنا في هذه المرحلة تحديات ضخمة، تشبه التحديات العظيمة التي واجهت أمتنا من قبل وتمكنت من عبورها في نهاية المطاف. واجهت أمتنا من قبل موجات الصليبيين والمغول والتتار والمستعمرين، وذهبت هذه الجموع واندثرت، وبقيت أمة الإسلام بل وتمكنت الأمة من تحويل المغول والتتار لمسلمين، أما الصليبيون فقد عاد من عاد، وقد حمل شعلة العلم والحضارة لأوروبا من بلاد الإسلام.
 
واليوم نشهد تحديات كبيرة في الداخل والخارج، ويجب علينا التصدي لها والتعاطي الإيجابي معها حتى نعبرها بنجاح كما عبَرنا غيرها من التحديات.
 
فمن التحديات الداخلية: الفرقة والانقسام ورواج الشائعات والأراجيف والفساد والاستبداد وفكر التطرف والإقصاء لدى داعش، وداعش العلمانية، وداعش الأقليات والطائفيين، ومحاولات علمنة المجتمعات الإسلامية صراحة أو تحت غطاء الدولة المدنية والتطوير والتقدم ومحاربة التطرف!
 
كما أن من التحديات الضخمة للأمة معالجة تبعات موجة الربيع العربي، وكوارث الحروب الطائفية التي أشعلتها إيران في العراق وسوريا واليمن، من الدمار والفقر والبطالة وتوقف التعليم لملايين الأطفال.
 
ومن التحديات الخارجية تصاعد وتيرة العدوان اليهودي على أهل فلسطين كافة، وتواصل الاعتداءات اليهودية من قبل المستوطنين والحكومة على المسجد الأقصى، وأيضا تمدد المشروع الإيراني في البلاد العربية وارتكاب كافة الجرائم الإرهابية بحق الشعوب المسالمة، وتعرض كثير من المجتمعات المسلمة للإبادة والتهجير ظلما وعدوانا كما يحدث في بورما من قبل البوذيين حكومة وشعبا ورهبانا. وفي دولة أفريقيا الوسطى من قبل الحكومة والجيش والجمهور، ومعاودة روسيا لارتكاب جرائمها بحق المسلمين في سوريا حيث تقصف المدنيين بكل وحشية وخسّة، وأخيرا تواطؤ العالم الغربي بالسكوت عن كل هذه الجرائم بحق الأمة المسلمة، بينما تتحرك بكل قوة وسرعة لحماية دولة اليهود.
 
ومن هذا التواطؤ موقف الأوروبيين من اللاجئين السوريين، فهم لم يقدموا لهم الحماية من عدوان النظام في البداية، ولم يشاركوا بفاعلية بإغاثة اللاجئين في الأردن ولبنان وتركيا، وتحملت هذه الدول العبء الحقيقي، وكان للمساعدات الخليجية الرسمية والشعبية تفوق كبير على مساعدات أوروبا، ثم لما وصل اللاجئون لأوروبا أغلقت في وجوههم الأبواب وعوملوا معاملة سيئة جدا، والآن بدلا من انقاذ اللاجئين بمنع العدوان الروسي الهمجي يطالبون الأردن وتركيا بفتح الحدود لهم!
 
هذه التحديات لا يمكن مواجهتها والانتصار عليها وعبورها لمرحلة الازدهار والتقدم إلا بالتركيز على العِلم والعمل بمقتضى العلم.
 
والعلم المقصود هنا كل العلم الصحيح شرعيا ودنيويا، فنحن نعيش مرحلة تحريف للعلم الشرعي من قبل الغلاة والمتطرفين ومن قبل المفرطين ومن قبل العلمانيين، فالغلاة يحرفون الدين والإسلام نحو التشدد والغلو بجهلهم بأحكام الإسلام لأنهم يعتمدون على أنفسهم دون الرجوع لأهل العلم الثقات الذين تلقوا العلم بشكل سليم على يد العلماء، فالعلم الشرعي الصحيح له أسس منها تلقيه عن العلماء جيلا بعد جيل، ولذلك كان من علامات يوم القيامة كما أخبرنا النبي ? "أن يتلمس العلم عند الأصاغر" في السن والعلم، وهذا هو الحاصل، فرموز الغلو اليوم هم في منتصف الخمسينات من أعمارهم، وقد بدأوا طريق الغلو منذ ثلاثين سنة، أي حين كانوا في العشرينات من العمر!
 
وأيضا كل مراجعات جماعات العنف والتطرف تعترف بوضوح بنقص العلم الشرعي في تكوينها وهو سبب غلوها وتطرفها، وداعش اليوم هو تجسيد عملي لهذا الجهل بالشريعة الإسلامية.
 
ويقابل هؤلاء الغلاة شيوخ الإعلام المنحلّ الذين لم يتركوا شيئا حراما إلا وحللوه، من الربا إلى الزنا! ويشاركهم في هذا كثير من العلمانيين الذين أصبحت لهم برامج على الشاشات تخوض في أدق شؤون الإسلام، وهم جاهلون جهلا مركبا بالشريعة الإسلامية، والعجيب أنك تجدهم من دعاة احترام التخصص والرجوع لأهل المعرفة!!
 
كما أن نشر فضل العلم وحب المعرفة يجب أن يكثف في هذه المرحلة التي انقطع فيها ملايين الطلبة من سوريا والعراق ولبنان واليمن وليبيا عن مدارسهم بسبب الحروب والعدوان الروسي والإيراني، ويجب اهتمام الهيئات الرسمية والشعبية بسد النقص في هذا المجال بأسرع وقت، وإلا ساد فيهم الجهل وسهل تغلغل التطرف والغلو بين صفوفهم فضلا عن الانحرافات الأخلاقية والسلوكية والإجرامية.
 
أما العلم الدنيوي السليم فأيضا هو سلاحنا الذي نعبر به التحديات ونهزم به الخصوم، سياسيا واقتصاديا وعلميا، فبالعلم نهضت ماليزيا وتركيا، ويجب على كل بلاد المسلمين الحذو حذوهما.
 
وقد كشفت أحداث الربيع العربي عن قصور كبير لدى الكثيرين في مجال العلم الشرعي والعلم الدنيوي والسياسي تحديدا، ولذلك فشلت تجربتهم في الحكم مبكرا.
 
ومن السلبيات الرائجة اليوم في قضية العِلم، انشغال كثير من الشباب الذي يعد نفسه من طلبة العلم بتوافه العلم وفرعياته وثانوياته، وتلحظ هذا في مشاركات الكثيرين في مجموعات (الواتساب)، ففي الوقت الذي تعاني فيه الأمة من قضايا جسام، تجده مشغولا بتحقيق مسألة في نسب قبيلة قبل الإسلام عاشت على أطراف الجزيرة العربية! أو تجده يناقش الصور الفنية في روايات كاتب ألماني، هذا في الوقت الذي يحترق فيه بلده بالصواريخ، وترمّل نساؤه، وييتم أطفاله، وهو مشغول بالانتهاء من مقطوعة شعرية غزلية غزلا عذريا! وكأن قدوتهم أصبحت معزوفة نيرون على حريق روما، بدلا من رسول الله ? حين كان في طليعة أصحابه إذا جدّ الجد!
 
ويلزم من العناية بالعلم الشرعي الصحيح والعلم الدنيوي السليم، العمل بمقتضى هذا العلم وعدم التراخي في ذلك، وبهذا تكتمل الدائرة وتسير الأمور للأمام ونعبر التحديات.
 
فالعمل بلا عِلم صحيح وسليم عمل مضر لا ينفع، والتوقف عن العمل بطالة تقتل، والعمل المطلوب اليوم عظيم وكبير وكثير جدا جدا، ولكل منا مجال ومكان مهما كان عددنا، والذكاء والفطنة في كيفية أن تتكامل هذه الأعمال ولا تتصادم، فليعمل كل منا في الجانب الذي يحسنه ويتقنه، بشرط أن نعمل جميعا في الاتجاه الصحيح الذي يحمي الأمة ويقويها وينصرها.
 
والتحدي الأكبر هنا، أنه مع خوض أمتنا لهذه التحديات الكثيرة والمعارك الطاحنة والفتن المتلاحقة، يجب أن لا تفقد زمام بوصلتها الحقيقية، وهي التزام العلم الصحيح والعمل السديد بمقتضى العلم.
 
فلو فرطنا بالعلم الصحيح لانتشرت فورا بيننا الخرافات والشائعات والشبهات، فضعفت عزائمنا وتشتت قوتنا، ولو تراخينا عن العمل بمقتضى العلم لجاءت الكوارث تترا ولسحقنا عدونا.
 
فإذا عم العلم والعمل الصحيح بالإسلام عم التوحيد، وزال الشرك فقوي الإيمان والجنان واندفع الكل لنصرة الحق والذود عنه، ولن يبقى مكان لمفسد في الدين والدنيا.
 
فإذا استحضرت الأمة العلم الصحيح لزمت العمل بعبادة ربها بالإحسان إليه بالطاعة والإحسان لعباده بالمعاملة تحسنت الأعمال وحسنت الأخلاق وازداد التعاون وعظم التكافل وبادر الجميع لسد النقص والخلل، وحورب الفساد وعم العدل وانتشر العلم وقويت الشوكة وزالت المحنة وذهب الخوف وانهزم المعتدي.
 
إذا عم العلم السليم والعمل السديد منهج الحياة ازدهرت الحياة بكل المجالات، فالصناعة والتجارة تنموان، والسياسة والإدارة تنجحان، والمجتمع يتقدم والكل يسعد.
هذه بوصلتنا لعبور التحديات الراهنة.