د. يونس مخيون - تنويريون أم ظلاميون ؟! - بوابة الفتح الالكترونية
د. يونس مخيون
2016-02-07 21:05:00

تنويريون أم ظلاميون ؟!
بقلم د. يونس مخيون


(التنوير) و (الفكر التنويري) و (أصحاب الفكر التنويري) .. مسميات ومصطلحات تتردد كثيرا خاصة بعد الأحكام القضائية الأخيرة، التي صدرت ضد إسلام البحيري وفاطمة ناعوت بتهمة ازدراء الأديان .. وخرج علينا من ينعي حال التنوير فى مصر، وأن هذه الأحكام صادمة وتعيد مصر إلى عصور الظلمات .. فما هي الحركات التنويرية؟ وما هي نشأتها؟ وكيف بدأت؟


إن مصطلح التنوير نشأ كما نشأت فكرة العلمانية، في ظروف تاريخية عاشتها دول أوروبا شرقا وغربا، كانت ثقافة الشعوب في أوروبا خلالها قاصرة على ما تمليه عليهم الكنيسة ورجالها، وكانت السيطرة الثقافية واللاهوتية وتفسير الظواهر الطبيعية خاضعة لرجال الكهنوت الكنسي، ولا يجوز مخالفتها، وكانت هناك سطوة الكنيسة على جميع نواحى الحياة السياسية والعلمية والاجتماعية، فكانت أوروبا تئن تحت وطأة الحكم الديني الثيوقراطي الذي يخلع على الحاكم حق التفويض الإلاهي باعتبار أنه ظل الله في أرضه .. وتسمى هذه الفترة في تاريخ أوروبا بالعصور المظلمة حيث كانت الشعوب الأوروبية تعيش حياة الجهل والتخلف وسيطرة الخرافات في ظل هذا الحكم... فكانت فكرة العلمانية - هي فصل الدين عن الحياة وعن الدولة - للتخلص من هذا الكابوس، وفي نفس الوقت الزمني التي نشأت منه فكر العلمانية ظهرت  فكرة التنوير التي تشير إلى نشوء حركة ثقافية تاريخية تدافع عن العقلانية ومبادئها لتأسيس النظام الشرعي للأخلاق والمعرفة "بدلا من الرب والدين".


من هنا نجد أن ذلك العصر التنويري في أوروبا هو بداية ظهور الأفكار المتعلقة بتطبيق العلمانية، وكان رواد هذه الحركة يعتبرون أن مهمتهم هي قيادة العالم إلى التطوير والتحديث وترك التقاليد الدينية والثقافية القديمة والأفكار اللاعقلانية، ضمن فترة زمنية أطلقوا عليها "العصور المظلمة".
يقول د. مراد وهبة في كتابة مدخل إلى التنوير: "وهو عصر من صنع الفلاسفة، وهو لفظ يكتب دائما بالفرنسية، ودلالة على أن التنوير وإن كان ظاهرة أوروبية على الإطلاق فهو ظاهرة فرنسية على التخصيص".


إذن حركة التنوير الحالية في عالمنا العربي ما هي إلا استنساخ لما حصل في الغرب بعد تسلط الكنيسة.
ومن هنا نخلص إلى أن التنوير الذي يدعو إليه حملة هذا الفكر، في العالم العربي – الإسلامي، هو في الحقيقة ليس تنويرا بالمفهوم الذي يتبادر إلى الذهن من نشر العالم والفكر والتأمل العقلي، بل هو لا يعدو إطلاقا شعارات عامة غامضة موجهة كلها ضد دين (الإسلام).
لقد انتقلت المعركة (بين العلمانية وأصحاب الحركة التنويرية وبين الكنيسة ورجالها فى أوروبا) انتقلت هذه المعركة بكل ملابساتها وظروفها إلى بلادنا بدون أن يفطن دعاة التنوير هؤلاء أن الإسلام ليس هو الكنيسة، ولا عالمنا العربي الإسلامي هو أوروبا، ولا الحضارة الإسلامية هي الحضارة الأوروبية في عصورها المظلمة .
وأخذ دعاة التنوير عندنا يصورون المعركة في بلادنا على أنها معركة وصراع بين الإسلام والعلم، بين الدين والعقل .. وأن النهوض واستشراف المستقبل لن يكون إلا بالتخلص من كل الموروثات، وجعلوا النموذج الغربي هو النموذج والقدوة التي ينبغي أن نحذوا حذوها ونسير في ركابها.
وأصبح عنوان الحركة التنويرية عندنا وفي بلادنا هي الثنائية التناقضية بين الدين والعلم .. فكما أن علماء ومفكري أوروبا اتخذوا إعلان الحرب على الكنيسة دليلا على التنوير، أخذ دعاة التنوير عندنا نفس المنهج وسلكوا نفس المسلك .. فأعلنوا الحرب على الإسلام ورجالة ورموزه بل على أصوله وثوابته، وأصبحت هذه هي الطريقة التي يبرهنوا بها أنهم "تنويريون".
إن الحركة الفكرية التنويرية في حقيقتها منتج من منتجات العولمة العصرية .. فهم يؤمنون بالمفاهيم الغربية على حساب المفاهيم الشرعية الإسلامية.


كنا نسمع قديما أن الإنسان له نصيب من اسمه، وأما أن يكون الاسم مناقضا للمسمى فذلك ما سجله واقعنا للأسف .. ومن هذه المسميات اسم "التنويريون" ومصطلح "التنوير" وأصحاب "الفكر التنويري" .. ولا تدري أي نور يعنونه؟
هل يعتقدون المصدر الذي يقتبسون منه ويأخذون عنه؟ أو النور الذي له يسطع ويشع منهم؟


إن المرجعية الثابتة عندنا لتحديد النور والظلمات هو القرآن المصدر الأول والرئيسي للتشريع الإسلامي الذي نص عليه الدستور في مادته الثانية.
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه "اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" سورة النور، "قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ" المائدة ، "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا" النساء، "اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ.." البقرة، "يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ" المائدة، "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا"الأحزاب. فالنور يأتي من الله، والله هو الذي يخرج من الظلمات إلى النور، والله يهدي لهذا النور من اتبع رضوانه .. والله أرسل رسوله محمدا نورا وأنزل عليه الكتاب يخرج الناس من الظلمات إلى النور.


هذا هو النور ولن يكون إلا بهذا .. ومن أراد أن يكون نوره غير هذا فقد أخطأ الجارة ووقع في الظلمات.


والتنويريون حين يبتغون نورا غير هذا ويؤسسون منهجهم من سواه بل من فكر يناقضه فتلك ظلمات وليس نورا.
المشكلة أن أصحاب هذا التيار حاولوا أن يقوموا بعملية موائمة وتوفيق بين مفاهيم التنوير الغربي العلماني وبين نصوص الوحي والشريعة، ولكنهم أثناء هذه المحاولة أضاعوا قطعيات من الشريعة وخالفوها، إما بقبول باطل وأما برد حق، فكانت مخالفة القطعي بقبول ما هو باطل من المفاهيم الغربية، أو برد ما هو ثابت قطعي من الدين. ولا ينسى هؤلاء أن في الوقت الذي كانت تعيش فيه أوروبا العصور المظلمة بسبب تسلط الحكم الدينى الثيوقراطي، كانت البلاد العربية والإسلامية تبني حضارة عظيمة في ظل الإسلام وشرائعه.