عادل نصر - السلفية 3‏ - بوابة الفتح الالكترونية
عادل نصر
2015-11-01 13:26:00

اتباع نصوص الوحي المهدية هو العاصم من قواصم الهوى المردية
ونحن نتمسك بنصوص الوحيين لأنها العاصم من مضلات الهوى بغير مَيْن، فإنهما ضدان لا يجتمعان؛ إما تعظيم الوحي ‏المنزل الذي ينجي صاحبه ويهديه، وإما اتباع الهوى الذي يهلك صاحبه ويرديه، فهما ضدان لا يجتمعان، فليس هناك طريق ‏وسط بين الشريعة المستقيمة والأهواء المتقلبة، فما ترك أحد شريعة الله الموحاة إلا حكّم الأهواء إذ كل ما عداها هوىً يهفو ‏إليه الذين لا يعلمون، قال تعالى آمراً عبده داود عليه السلام: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ ‏بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}؛ قال ‏صاحب "عمدة التفسير": (هذه وصية من الله عز وجل لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده تبارك ‏وتعالى ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيل الله) اهـ ‏
 
وقال العلامة السعدي في ذكر الفوائد والحكم في قصة داود وسليمان عليهما السلام: (ومنها: أنه ينبغي للحاكم أن يحذر ‏الهوى، ويجعله منه على بال، فإن النفوس لا تخلو منه، بل يجاهد نفسه بأن يكون الحق مقصوده، وأن يلقي عنه وقت الحكم ‏كل محبة أو بغض لأحد الخصمين).‏
 
فالحق إذن محصور فيما أوحاه الله على عبده ‏-صلى الله عليه وسلم-، وكل ما خالفه فهو أهواء مضلة، ولذا نزه الله عز وجل نبيه عنها فقال عز من ‏قائل: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}؛ أي: ليس نطقه صادرا عن هوى نفسه، {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} أي: ‏لا يتبع إلا ما أوحي إليه من الهدى والتقوى في نفسه وفي غيره، ودل هذا على أن السنة وحي من الله لرسوله ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ كما قال تعالى: ‏‏{وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}، وأنه معصوم فيما يخبر به عن الله تعالى وعن شرعه لأن كلامه لا يصدر عن هوى ‏وإنما يصدر عن وحي يوحى) اهـ.‏
 
فالهوى شر إله يعبد في الأرض لأنه يعمي صاحبه عن الحق فلا يراه ويصمه عن سماع الهدى، ولكي ينجو العبد من شراكه ‏عليه أن يعتصم بالوحي المنزل ويقبل عليه بكليته فيستسلم له قلبا وقالبا فهذا سبيل النجاة ولا سبيل سواه، فإما شريعة الله ‏المنزلة وإما الأهواء المضلة، يقول الإمام الشاطبي -رحمه الله- في كلام جامع له: (فقد جعل الله اتباع الهوى مضاداً للحق ‏وعده قسيما له كما في قوله تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ ‏عَن سَبِيلِ اللَّهِ}الآية ص26، وقال تعالى: {فَأَمَّا مَن طَغَى *وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا *فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى}.‏
 
‏ وقال في قسيمه: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}، وقال: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ‏‏*إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}، فقد حصر الأمر في شيئين: الوحي وهو الشريعة، والهوى، فلا ثالث لهما، وإذا كان الأمر كذلك ‏فهما متضادان، وحين تعين الحق في الوحي توجه للهوى ضده فاتباع الهوى مضاد للحق، وقال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ ‏هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ}، وقال: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ}، وقال:{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ ‏طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ}، وقال: {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ}. ‏
 
وتأمل فكل موضع ذكر الله تعالى فيه الهوى فإنما جاء به في معرض الذم له ولمتبعيه، وقد روى هذا المعنى عن ابن عباس أنه ‏قال: "ما ذكر الله الهوى في كتابه إلا ذمه"، فهذا كله واضح في أن قصد الشارع الخروج عن اتباع الهوى).‏
 
قلتُ: ولذا أمر الله عز وجل نبيه ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ والبشر جميعا باتباع شريعته وحدها واجتناب كل ما خالفها من أهواء الذين لا يعلمون، قال ‏تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}. ‏
 
‏ ‏ 
موقف الصحابة والتابعين في تعظيم كلام سيد المرسلين
  
لقد ضرب الصحابة والتابعون أروع المثل في تعظيم كلام نبينا‏. وإليك بعض ما ورد عنهم في ذلك: ‏
 
‏-‏      عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ، لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلاَهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ ‏رَسُولَ اللهِ ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفًّيْهِ. ‏
 
 ‏-‏      عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « لاَ تَمْنَعُوا ‏نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا ». قَالَ فَقَالَ بِلاَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ. قَالَ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا ‏سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ وَقَالَ أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ وَتَقُولُ وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ. ‏
 
 ‏-‏      ‏ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَخْذِفُ فَقَالَ لَهُ لَا تَخْذِفْ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ نَهَى عَنْ الْخَذْفِ أَوْ كَانَ يَكْرَهُ ‏الْخَذْفَ وَقَالَ إِنَّهُ لَا يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ وَلَا يُنْكَى بِهِ عَدُوٌّ وَلَكِنَّهَا قَدْ تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَخْذِفُ فَقَالَ لَهُ أُحَدِّثُكَ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْخَذْفِ أَوْ كَرِهَ الْخَذْفَ وَأَنْتَ تَخْذِفُ لَا أُكَلِّمُكَ كَذَا وَكَذَا. ‏
 
  -‏      عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ حَدَّثَ يَوْمًا بِحَدِيثٍ عَنْ النَّبِيِّ ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ فَقَالَ رَجُلٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا يُخَالِفُ هَذَا قَالَ أَلَا أُرَانِي أُحَدِّثُكَ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ وَتُعَرِّضُ فِيهِ بِكِتَابِ اللَّهِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنْكَ. ‏
 
أما الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى فلقد كانوا أشد الناس تعظيما لنصوص الكتاب والسنة وأحرص الناس على اتباعها ‏وعدم مخالفتها، بل وطرح كل ما خالفها حتى ولو كانت آراءهم واجتهاداتهم، وقد جاءت عباراتهم تترا توصي كل من جاء ‏بعدهم بذلك، وهذا وايم الله دأب الأكابر وصنيع الراسخين من أهل العلم واللائق بمكانتهم التي أنزلهم الله إياها.‏
 
فكل ما خالف للوحيين........ فإنه رد بغير مين
 
  
وها نحن نذكر طرفا من عباراتهم لعل الكاتب وأمثاله ممن تنكبوا الصراط وحادوا عن السبيل يعلنون توبتهم قبل أن تباغتهم ‏المنية فيلقوا ربهم بهذه المذاهب، وليسلكوا مسلك أهل الفقه والنظر والخبر والأثر، فهاك شواهد من عباراتهم تبدد ظلمات ‏الليل بشمس النهار: ‏
 
‏[ 1 – أبو حنيفة رحمه الله: ‏
 
فأولهم الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله، وقد روى عنه أصحابه أقوالا شتى وعبارات متنوعة كلها تؤدي إلى شيء ‏واحد وهو وجوب الأخذ بالحديث وترك تقليد آراء الأئمة المخالفة له:‏
 
‏1- " إذا صح الحديث؛ فهو مذهبي ".‏
 
‏2- " لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا؛ ما لم يعلم من أين أخذناه ".‏
 
وفي رواية: " حرام على مَن لم يعرف دليلي أن يُفتي بكلامي ".‏
 
زاد في رواية: " فإننا بَشَر؛ نقول القول اليوم، ونرجع عنه غداً ".‏
 
وفي أخرى: " ويحك يا يعقوب ! - وهو أبو يوسف - لا تكتب كل ما تسمع مني؛ فإني قد أرى الرأي اليوم، وأتركه غداً، ‏وأرى الرأي غداً، وأتركه بعد غد ".‏
 
‏3- " إذا قلتُ قولاً يخالف كتاب الله تعالى، وخبر الرسول ‏-صلى الله عليه وسلم-‏؛ فاتركوا قولي ".‏
 
‏2- مالك بن أنس رحمه الله:‏
 
وأما الإمام مالك بن أنس رحمه الله؛ فقال:‏
 
‏1- " إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي؛ فكل ما وافق الكتاب والسنة؛ فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة ‏؛ فاتركوه ".‏
 
‏2- " ليس أحد - بعد النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ إلا ويؤخذ من قوله ويترك؛ إلا النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ ".‏
 
‏3- قال ابن وهب:‏
 
سمعت مالكاً سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء؟ فقال: " ليس ذلك على الناس ".‏
 
قال: فتركته حتى خفَّ الناس، فقلت له: عندنا في ذلك سنة. فقال: " وما هي؟ ".‏
 
قلت: حدثنا الليث بن سعد وابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي عن ‏المستورد بن شداد القرشي قال: رأيت رسول الله ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ يدلُك بخنصره ما بين أصابع رجليه. فقال: " إن هذا الحديث حسن، وما ‏سمعت به قط إلا الساعة ". ثم سمعته بعد ذلك يُسأل، فيأمر بتخليل الأصابع.‏
 
‏3- الشافعي رحمه الله:‏
 
وأما الإمام الشافعي رحمه الله؛ فالنقول عنه في ذلك أكثر وأطيب، وأتباعه أكثر عملاً بها وأسعد؛ فمنها:‏
 
‏1- " ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ وتعزُبُ عنه، فمهما قلتُ من قول، أو أصّلت من أصل، فيه عن رسول ‏الله ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ خلاف ما قلت؛ فالقول ما قال رسولُ الله ‏-صلى الله عليه وسلم-‏، وهو قولي ".‏
 
‏2- " أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة عن رسول الله ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ لم يَحِلَّ له أن يَدَعَهَا لقول أحد ".‏
 
‏3- " إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ‏-صلى الله عليه وسلم-‏؛ فقولوا بسنة رسول الله ‏-صلى الله عليه وسلم-‏، وَدَعُوا ما قلت ".‏
 
وفي رواية: " فاتبعوها، ولا تلتفتوا إلى قول أحد ".‏
 
‏4- " إذا صح الحديث؛ فهو مذهبي ".‏
 
‏5- " أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث الصحيح؛ فَأَعْلِموني به - أي شيء يكون: كوفيّاً، أو بصرياً، أو ‏شامياً -؛ حتى أذهب إليه إذا كان صحيحاً ".‏
 
‏6- " كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ عند أهل النقل بخلاف ما قلت؛ فأنا راجع عنها في حياتي، وبعد موتي ".‏
 
‏7- " إذا رأيتموني أقول قولاً، وقد صحَّ عن النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ خلافُه؛ فاعلموا أن عقلي قد ذهب ".‏
 
‏8- " كل ما قلت؛ فكان عن النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ خلاف قولي مما يصح؛ فحديث النبي أولى، فلا تقلدوني ".‏
 
‏9- " كل حديث عن النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏؛ فهو قولي، وإن لم تسمعوه مني ".‏
 
‏4- أحمد بن حنبل رحمه الله:‏
 
وأما الإمام أحمد؛ فهو أكثر الأئمة جمعاً للسنة وتمسكاً بها، حتى " كان يكره وضع الكتب التي تشتمل على التفريع والرأي ‏‏"؛ ولذلك قال:‏
 
‏1- " لا تقلدني، ولا تقلد مالكاً، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا ". ‏
 
وفي رواية: " لا تقلد دينك أحداً من هؤلاء، ما جاء عن النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ وأصحابه؛ فَخُذ به، ثم التابعين بَعْدُ؛ الرجلُ فيه مخيَّر ". ‏وقال مرة: " الاتِّباع: أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ وعن أصحابه، ثم هو من بعد التابعين مخيّر ".‏
 
‏2- " رأي الأوزاعي، ورأي مالك، ورأي أبي حنيفة؛ كله رأي، وهو عندي سواء، وإنما الحجة في الآثار".‏
 
‏3- " من رد حديث رسول الله ‏-صلى الله عليه وسلم-‏؛ فهو على شفا هَلَكة ".‏
 
تلك هي أقوال الأئمة رضي الله تعالى عنهم في الأمر بالتمسك بالحديث، والنهي عن تقليدهم دون بصيرة، وهي من ‏الوضوح والبيان بحيث لا تقبل جدلاً ولا تأويلاً.‏
 
وعليه؛ فإن من تمسك بكل ما ثبت في السنة، ولو خالف بعض أقوال الأئمة؛ لا يكون مبايناً لمذهبهم، ولا خارجاً عن ‏طريقتهم؛ بل هو متبع لهم جميعاً، ومتمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، وليس كذلك من ترك السنة الثابتة لمجرد ‏مخالفتها لقولهم؛ بل هو بذلك عاصٍ لهم، ومخالف لأقوالهم المتقدمة، والله تعالى يقول: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى ‏يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، وقال: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ ‏عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.‏
 
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: " فالواجب على كل من بلغه أمر الرسول ‏-صلى الله عليه وسلم-‏، وعرفه؛ أن يبينه للأمة، وينصح لهم، ‏ويأمرهم باتباع أمره، وإن خالف ذلك رأي عظيم من الأمة؛ فإن أمر رسول الله ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ أحق أن يُعَظَّم ويُقتدى به من رأي أي مُعَظَّم ‏قد خالف أمره في بعض الأشياء خطأً، ومن هنا رد الصحابة ومن بعدهم على كل مخالف سنة صحيحة، وربما أغلظوا في ‏الرد، لا بغضاً له؛ بل هو محبوب عندهم مُعَظَّم في نفوسهم، لكن رسول الله ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ أحب إليهم، وأمره فوق أمر كل مخلوق، فإذا ‏تعارض أمر الرسول وأمر غيره؛ فأمر الرسول أولى أن يقدم ويتبع.... ] اهـ.‏