م. أحمد الشحات - قراءة سريعة في نتائج المرحلة الأولى مِن الانتخابات - بوابة الفتح الالكترونية
م. أحمد الشحات
2015-10-22 14:35:00

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعد؛
قبيل انطلاق السباق الانتخابي تولى رئيس الجمهورية بنفسه عناء دعوة جموع الشعب للاحتشاد مِن أجل المشاركة في انتخابات مجلس النواب، وراح يعدد لهم خطورة هذه السلطة، ويحفزهم بكل أنواع التحفيز، ويخص الفئات الأكثر فاعلية ونشاطًا مثل الشباب والمرأة.
 
ومع ذلك كان الحضور مخجلًا ومحبطًا بالشكل الذي لم تستطِع معه وسائل الإعلام أن تتجمل أو تغير مِن الحقيقة شيئًا، هل لأن الإقبال كان أضعف مِن أن تُزيف معه الحقيقة؟ أو لأن لديهم رغبة في أن يُحجِم عموم المواطنين عن المشاركة فيخلو الجو لأصحاب المنافع وسماسرة المصالح؟ لا نستطيع الجزم على الحقيقة، ولكن دعونا أولًا نتعرَّف على ملامح هذه الجولة كما تمت على أرض الواقع.
 
أولًا: ملاحظات عامة على الحالة الانتخابية:
افترقت التجربة الانتخابية هذه المرة عن مثيلتها في عام 2011 في عدد مِن المحاور الجوهرية والفارقة، والتي سيكون لها بالغ الأثر في صياغة شكل النظام السياسي في مصر بالمرحلة المقبلة.
 
1- الإقبال الهزيل:
على مدار يومين كاملين اشتكت معظم اللجان مِن عزوف الناخبين وإعراضهم عن المشاركة بشتى صورها وأشكالها، وهذا العزوف يُعيد الذاكرة لأجواء ما قبل 25 يناير، حيث كان النظام يجري الانتخابات في وادٍ، والشعب في وادٍ آخر، وقد كان المراقبون للمشهد يعدون ذلك ترجمة لرفض الشعب وعدم رضاه عن العملية السياسية ككل؛ إذ إن الدول الديمقراطية ترى أن الشعب هو الذي يمنح الشرعية وهو الذي يمنعها، ومِن ثَمَّ يكون إحجام الناس عن المشاركة دلالة كاشفة عن رفضهم للنظام وعدم اعترافهم به، أو على الأقل عدم ثقتهم به.
 
2- كثرة المرشحين:
مِن الأمور الظاهرة في هذه الممارسة، كثرة عدد المتقدمين للترشح بدرجة تفوق الوصف؛ إذ إن كثيرًا منهم ليس لديه المقومات الأساسية للتقدم لهذه الأمانة الكبيرة، وبعضهم لديه تاريخ سياسي سابق غير مُشرِّف قبل الثورة، ولكنه لم يجد الحرج هذه المرة في إعادة تقديم نفسه للشعب مرة أخرى، وبغض النظر عن الدوافع إلا أن القاسم المشترك في معظم الدوائر هو كثرة عدد المرشحين بها، للدرجة التي وصلت في بعض الدوائر إلى 70 مرشحًا، ولا يخفى أن لهذا الأمر دورًا في تفتيت الأصوات وتشتيتها.
 
3- المال السياسي:
لعب المال السياسي دورًا قذرًا في هذه الجولة، بالدرجة التي نسمع فيها لأول مرة عن شراء المرشحين بالمال؛ حيث يعمد كبار رجال الأعمال إلى تكوين تكتلات انتخابية عن طريق ضم بعض الأسماء إلى قوائمهم وتحالفاتهم، والمحصلة الحسابية لهذه العمليات ملايين من الجنيهات لا يعلم مداها إلا الله، هذا فضلًا عن تجاوز سقف الدعايا لبعض القوائم وبعض المرشحين، مما يلقي بظلال الريبة والشك حول مصدر هذه الأموال، ويلقي بظلال الريب والقلق حول دور هؤلاء المرشحين تحت قبة البرلمان؛ حيث إن القاعدة في ذلك أن مَن جاء عن طريق المال فلا يخدم إلا المال، ولا يهمه مِن المشاركة سوى تعويض ما دفعه على حملته الانتخابية أضعافًا مضاعفة.
 
4- الرشوة الانتخابية:
ليس هناك حديث في الشارع يعلو فوق أحاديث شراء الأصوات وتسعيرة الصوت الانتخابي، ومَن يعطي أكثر مِن مَن، ولوحظ سماسرة الذمم حول اللجان الانتخابية وفي الأزقة وعلى المقاهي وهم يدفعون الأموال الطائلة لمن لديه استعداد لكي يبيع صوته، فضلًا عن استغلال فقر بعض الحالات الإنسانية ومدى حاجتها إلى المال، أقول: إن هذا الأمر أصبح حديثًا متواترًا لدى المواطنين بالدرجة التي تزكم الأنوف مِن رائحة هذا المال الحرام الذي انتشر بين الناخبين واستغل حاجتهم وفقرهم.
 
5- استغلال دور العبادة واللعب على الوتر الطائفي:
اتسمت الممارسة السياسية للخصوم بملامح دينية ظاهرة، حيث قام الخصوم باستغلال الكنائس والأديرة بداية من الجولات الانتخابية قبل التصويت، وعلى مدار يومي التصويت، وقد نشر موقع الأقباط متحدون بتاريخ 11/10/2015 خبر زيارة قائمة في حب مصر لأديرة بوش كما يلي: «قام مجدي بيومي عضو ومنسق قائمة في حب مصر عن محافظة بني سويف، ونهى خالد الحميلي عضو القائمة بمحافظة بني سويف، وعدد من أعضاء حملتهم الانتخابية بزيارة ديري الأنبا بولا والأنبا أنطونيوس ببوش بمحافظة بني سويف حيث كان في استقبالهم بدير الأنبا بولا القمص باسليوس والأنبا بولا وكيل الدير ودير الأنبا أنطونيوس القمص فام الأنطوني وكيل الدير، كما شارك في الزيارة القمص كيرلس زغلول راعي كنيسة السيدة العذراء بقرية أشمنت بمركز ناصر. وأكد بيومي أن الزيارة تأتي في إطار علاقات المودة والمحبة التي تجمعه مع قيادات الكنيسة والتي تعود لسنوات طويلة وبعيدًا عن أية أمور سياسية».
وتأكيد بيومي على ما أكد عليه يدل على نقيض ما أكد عليه تمامًا، والعجيب أن وسائل الإعلام التي استضافت حملة «لا للأحزاب الدينية» وفتحت لها هواء قنواتها على مدار أسابيع قبل بدء الانتخابات تحرض وتتهم وتبث الكراهية وتدعو للتهييج والإثارة، إلا أن هذه القنوات قد غضت الطرف تمامًا عن مثل هذه الأخبار، تمامًا كما غضت الطرف عن الحافلات التي كانت تنطلق من أمام الكنائس ذهابًا وإيابًا للجان الاقتراع.
 
ثانيًا: أسباب العزوف عن المشاركة:
هناك أسباب عديدة يمكن رصدها من خلال المشاهدة والتي توضح وتفسر هذا الموقف كما يلي:
 
1- النظام الانتخابي المعيب:
تتم الانتخابات هذه المرة وفق نظام انتخابي أقل ما يُوصف به أنه معيب وغير موائم للصالح العام، ولا أدل على ذلك من أن الأحزاب كلها قد اعترضت عليه جملة وتفصيلًا، ولكن للأسف لم تُراعي أية ملاحظات تم تقديمها إلى صانعي القانون.
 
ومَن يتأمَّل القانون يجد أنه قضى على الأحزاب بإتاحة الفرصة الأكبر لمقاعد الفردي، والتي ينشط فيها غالبًا أصحاب الأموال والجاه والمصالح، والقبليات والعصبيات، ويتراجع أصحاب الأفكار والبرامج، ويتراجع الشباب الطامح ليسيطر على المشهد مجموعة من العجائز والفسدة.
 
وفى المقابل كان تشكيل القوائم بطريقة تعجيزية مريبة من حيث النطاق الجغرافي التي تشغله القائمة، وكذلك التركيبة العجيبة للقائمة، وبعد كل هذا التعقيد تأتي القوائم بالنظام المغلق المطلق، والذي يهدر أصواتًا بالملايين، ويؤدي إلى اختلال ظاهر في تنوع القوى السياسية تحت القبة؛ لأن الفائز وفق هذا النظام يفوز بكل شيء، والخاسر لا يربح أي شيء.
 
2- الإعلام المنحاز:
لعب الإعلام دورًا انحيازيًّا ظاهرًا؛ حيث اجتمعت القنوات عن بكرة أبيها ورمت حزب النور عن قوس واحدة، متخلية عن أبسط قواعد المهنية والمصداقية، حيث تعتمد على الكذب والتضليل والخداع، وأصبح التهييج والتحفييز ضد الحزب وقواعده هو عنوان برامج التوك الشو مجتمعة، وأثرت التوجهات السياسية لبعض مالكي هذه القنوات تأثيرًا ظاهرًا، ليس في الحشد لمرشحيه، بقدر ما كان الطعن في مرشحي حزب النور، ولم يكن عرضًا لأفكارهم وبرامجهم، بقدر ما كان تشويهًا وتشنيعًا على توجهات الحزب وأفكاره.
 
3- شبح حل المجلس:
أصيب الناس بنوع من الإحباط واليأس بسبب كثرة الاستحقاقات الانتخابية في فترة بعد الثورة، والمشكلة الأكثر بروزًا هي أن هذه الفاعليات قد أُهدر فيها صوت المواطن بدرجة ما، مع إمكانية تقديم الطعون في أي وقت للمحكمة الدستورية، فتقضي بحله كما حدث قبل ذلك، هذا الأمر جعل المواطن يفكر بسلبية تجاه هذه الأحداث نتيجة عدم ثقته في عدم تكرار ما سبق مرة ثانية.
 
4- دعاوى المقاطعة:
انتشر لدى قطاع عريض مِن الناخبين عدم استعدادهم للنزول مرة أخرى، وفضَّلوا مشاهدة المشهد من بعيد، والبعض لجأ إلى ذلك بسبب ما يعانيه من إحباط بوجه عام، والبعض الآخر الذي لم يجد مِن بين المرشحين من يعبر عنه وعن توجهاته، والبعض يفعل ذلك بزعم أن ما بُني على باطل فهو باطل، وبالتالي فهو لا يريد أن يُعطي شرعية للنظام بهذه المشاركة، مع أن بعضهم تم رصده وهو يعطي صوته لخصوم حزب النور الذي يعد الممثل الإسلامي الوحيد في هذا المشهد.
 
5- دعاوى التثبيط والهدم:
دأب فريق مِن الناس على سلوك سبيل الهدم والإفساد منذ أن أُبعد عن التواجد في المشهد، وكأن لسان حاله يقول: لن يهنأ لكم عيش طالما لست متواجدًا في قلب الحدث، لذا فهو يتمنى الانهيار والتفكك للدولة والمجتمع لمجرد أن يثبت صحة موقفه وحقيقة مظلوميته، هذا الفريق لم يكتفِ بالمقاطعة فحسب، لكنه انبرى يتهم ويطعن فيمن انتوى المشاركة زاعمًا بأن في ذلك إعانة على الظلم ومشاركة في الدماء وغير ذلك من هذه الأوهام والأكاذيب.
 
6- الاقتصاد المتردي:
الوضع الاقتصادي الداخلي لا يبشر بالخير؛ فقد انخفض الاحتياطي من العملات الأجنبية إلى مستوى 16.3 مليار دولار، وهو تقريبًا يعادل حجم الودائع الخليجية بالبنك المركزي، وبالكاد يغطي واردات مصر لمدة ثلاثة شهور، مع عودة جديدة للسوق السوداء للدولار، مع انخفاض غير متوقع في عائدات قناة السويس. مع تحركات حكومية لاقتراض 3 مليارات دولار من البنك الدولي، وبيع أراضٍ للمغتربين، ورفع الجمارك على عشرات من السلع، وتأثير ذلك في أسعار السلع والخدمات وقضية الدعم، وسط غياب رؤية واضحة للمستقبل القريب قبل البعيد وهو ما يثير قلق جميع فئات المجتمع، ومن هنا ينظر بعض الناس إلى الأمر على أنه عديم التأثير والفائدة في ظل هذا الوضع.
 
خاتمة: نداء إلى أبناء حزب النور:
لقد اجتمعت عليكم سهام الأعادي؛ لكى تثنيكم عن هدفكم، ولكي تعطل عليكم مسيرتكم، ولكنكم كنتم دائمًا أسودًا مغاوير، فقد تحتملتم الكذب والتشويه من وسائل الإعلام، وتحتملتم التعدي والإساءة من بعض الجهال، وتحتملتم العجز والتقصير من بعض المترددين والمتكاسلين.
 
وبفضل الله كان صمودكم أسطوريًّا، فتحركتم بين الناس، وأقمتم المؤتمرات والجولات والمسيرات، وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، وتحملتم الأذى وأنفقتم من أوقاتكم وأموالكم وجهدكم، وتحركتم بين الناس بأصولكم ومبادئكم تشرحونها وتوضحون ما غمض منها، بالأسلوب الحسن والأخلاق الراقية.
 
سعدنا معكم ببيان الحق للخلق، ورأينا فرحة الناس والتفافهم حولكم وحول رموزكم، سمعوا منكم وجهًا لوجه، في الوقت الذي كان الإعلام فيه يأكل لحومنا وينهش في أعراضنا.
 
إذن أي نجاح بعد ذلك لم تحصلوه، وأي خسارة حققتموها، الحقيقة أننا نعمل لله ولأجل دينه، ولا تشغلنا النتائج فى شيء، طالما حققنا معاني العبودية لله عز وجل، وإلا فالقرآن قد حكى عن نوح عليه السلام أنه ?فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا?، ومع ذلك قال الله عن حصيلة دعوة هذه المئات من السنين ?وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ?.
 
فاستعينوا بالله واثبتوا، وثقوا في الله وأملوا فيه خيرًا، فإن قضاءه للمؤمن كله خير، وتخلقوا بروح المقاتلين، ولا تنسوا أن هناك فرقًا بين الغاية والوسيلة، فالغاية ثابتة ودائمة ولا يمكن التضحية بها، أما الوسيلة فمتغيرة ومتقلبة حسب ظروف الزمان والمكان.
 
أما مِن الناحية السياسية؛ فقد حصلنا على نجاح جيد بفضل الله، ولكن المشكلة تكمن في النظام الانتخابي الظالم الذي يهدر كل المجهودات ويهديها لجهة واحدة، وأذكركم أن انتخابات مجلس الشعب 2011 لو كانت وفق هذا القانون لما اجتاز أحد مجلس الشعب سوى جماعة الإخوان فقط.
 
فما حصلتم عليه مِن أصوات مؤشر جيد، خاصة أن قائمة النور تواجه قائمة أخرى بها ما لا يقل عن 25 حزبًا مجتمعين معًا، أما قائمة النور فهي وحدها تمثل الحزب فقط، أما عن دخول البرلمان من عدمه فلربما أراد الله بنا الخير مِن حيث لا ندري.
فدعوا القلق، واكسروا حاجز اليأس، وانطلقوا على بركة الله .. موفقين مسددين بإذن الله.